الخميس 17 أغسطس 2017 م - ٢٤ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / كلمات: على هذه الأرض ما يستحق الحياة

كلمات: على هذه الأرض ما يستحق الحياة

كأنما الأرض وجدت من أجل هدف نبيل، أن تحمل على متنها خريطة العرب، وأن تغنى بها كلما تناوبت الشمس على جزءي الأرض أو قسميها. لا أحلى من تلك الخريطة التي تملأ الواجهة كي تغني الروح كلما تأملتها عشقا، فمن جمال ما يحب المرء أن يعشق حتى الثمالة صورة محبة في وجه يرى فيه معشوقه.
تستحق الأرض الحياة لأنها حملتنا كأمة حلما جميلا ووجعا .. مشت بنا منذ ملايين السنين إلى الحين الذي ساور الشك كثيرين بأن الأمة فائض على الأرض ولا أكثر .. لكن جمال اللغة، وخصوصا على يد شاعر كبير كمحمود درويش، هو من أعاد تكوين المفهوم ورسمه هيكلا ثابتا لعشاقه. فعلى هذه الأرض نحن العرب، أمة ذات رسالة مهما تلاعب بها الزمن أو جنت من وله اختيارها لكتابة تاريخ عكس مشيئتها.
أعرف أن العنوان جزء من قصيدة طويلة لدرويش، وأنه صنع ليكون مقدمة لهدفه لأنه حين يكمل يرى أن سيدة الأرض هي فلسطين كان اسمها فلسطين ثم صار اسمها فلسطين .. ليس من يعترض على كتابة حقيقة الواقع، لكن لكل من العرب من يعترف بأن أرضه أي قطره هو المقصود بتلك الزينة والمباهاة. فلتكن كل أقطارنا العربية تتباهى، ولتنل قسطها من الحضور الذي يليق بها، فنحن نعوم على خارطة متنوعة، فيها الصحراء بامتدادها الجميل، وفيها الجبال التي تصنع وديانا أو تطل على بحر تحتضنه كي يظل مخلصا لها، وفيها الأنهار التي تجعل من تلك الحياة أملا كما هو حالنا جميعا، ثم هي مركبة من أشكال هندسية صنعتها يد الخالق في أبدع تكوين.
نحن عالم ولدنا على هذه الأرض ومنذ كنا جعلونا هدفا للغزاة، لكل غزاة وما أكثرهم. لا يمكن لطامع أن يختار مكانا ميتا، كل الحياة تقوم على المكان الآهل بالعيش الكريم العزيز؛ لأن العيش شيء رائع كما يردد الشاعر التركي ناظم حكمت، ونردد معه جملته السحرية بآهات الزمان الذي يتغير علينا.
لننس آلام المخاض التي تعيشها الأمة، لكننا يجب أن لا ننسى الطفل المنتظر، الذي يحاولون تشويهه، كي لا يكون الخلاص، وإنما على شاكلة إرادتهم، وفي الظن أنهم هم من يبعث الحياة فيه؛ لأنهم يخشون أن يفلت من قبضتهم فإذا به مختلف عما يريدون.
على هذه الأرض إذن ولدت حياة برسم أمة لم تفارقها المتغيرات رغم تضاريسها الثابتة ورغم عمرها الطويل المسمر عليها. تظل أرضنا على قامتها التي تخرج منها عبقرية مكانها .. ليس عبثا أن يكون اختيارها في ذاك المكان الذي لا يتسع إلا للعرب، وحينما حشروا فيه لقيطة من سفالة التاريخ، أزعجوه إلى الحد الذي استنفر فيه دهرا وعمرا يريد الخلاص منها وسيخلص.
لن نتجاوز حلمنا، كثيرون يرون في سلطنة عمان الأبعد في ترجمة الأشواق العربية نتيجة المسافات، لكني أقول إنها في صلب تكوين الأمة، هي مبعث الروح حيث تستيقظ ولا تنام، بل هي ساهرة على أمة كلما توجع فيها عضو شكا إليها .. لا تكون أمة بدون السلطنة، ولا يكون تاريخ قديم أو مستقبلي، فهي تبني الحاضر على خيار بدأته منذ البيان الأول لجلالة السلطان المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ حين أعطى أنفاس السلطنة إلى الأمة.
كم هي كريمة سلطنة عمان هي تتجسد دائما بالمخلص الآلهي في مواجهة محن من صنع أبالسة لا يريدون لهذه الأمة أن تخرج ذاتها الحقيقية التي بدأتها فجرا في التاريخ، ثم جاء المقص الاستعماري فصنع منها ما صنع، لكنها بدأت فجرها المندى العابق بسحر تكوينها وبحقيقتها في فبراير من العام 1958 بوحدة مصر وسوريا، بلقاء الشقيقين القريبين اللذين جعلا من بعدهما تسهيلا لمنع الذات من لقاء شقيقتها. في ذلك التاريخ الأهم في حياة أمة تستحق الحياة، كان الأمل أن نكون فكنا، إنها ترجمة خلاقة لوطن يريد أن يكبر، فالأوطان إن ظلت على حالها وإن لم تفتش عن ضميرها تصغر وتقل هيبتها وقد تتلاشى.
على هذه الأرض العربية ما يستحق الحياة، لا نكون نحن إلا إذا صرنا ألـ نحن المجلجلة التي تهز صدى الزمان فتوقفه من أجلها. مهما كانت العبارات التي ستقال في حضرة وجودنا الثابت، فهي لن تخرج عن كونها صيغت بألف تحية للأمة الواحدة، ولم يكن خطأ أن يقال تردادا إننا أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة، فنحن كذلك، وليس هذا الشعار لحزب بعينه، إنه لكل عربي أينما وجد .. الشعارات كهذه مأخوذة من بيئة جامعة .. لا يمكنني النظر إلى الخريطة العربية دون التسليم بأنها مترابطة ومتلاصقة مهما شد كل منا قطره إليه. أنا لا أعترف بالأقطار التي يظل فيها النواح على حالها حالة من اليأس الذي لا نريده .. وأنا لا أعترف بخريطة مرسومة بقلم على ورق، ويراد لها أن تظل مرسومة في عقول الناس الذين كبروا مع ألم التمزق، هم شعروا به لكنهم تناسوا كلما وقفوا طلابا ذات صباح يحيون أعلامهم الخاصة وينشدون أناشيدهم الخاصة التي فيها وطنيات من صنع شاعر أراد لقمة عيش.
سيقال بعد قراءة هذا المقال أو تلك الكتابة المنفلتة أن صاحبها يبحث في سراب، والحقيقة تقول إن كلا منا إذا ما التقى عربا في بلاد أجنبية فإن ضميره يرتاح مثلما ينتعش عقله وقلبه .. أن تتحدث العربية في بلاد الأجانب فإن عربا مثلك يصطادون النبرة والنغمة بابتسامة الفاهم الواثق من أنك عربي حيثما ذهبت، فلغتك تسبقك، وأحيانا شكلك الخارجي، وربما صوتك .. ثمة دلالات كثيرة على أنك عربي مهما حاولت أن تخبئ نفسك. بعضنا يشعر بالدونية أمام الأجانب من كونه عربيا، وهذا حقه؛ لأن أمته اليوم ليست ما يعتمد عليها في كتابة استحقاق الحياة على أرض صنعت من أجلها بكل أسف.
ومع ذلك، ستمر الغيوم الداكنة التي تختبئ الشمس وراءها .. سيعود الضوء منفعلا بذاته ولذاته، وسيكون أمامه قولة الحق التي ستقال دائما، إن الأمة مصنوعة كأمة عربية واحدة، ومهما قاوم البعض فكرة كهذه، فهم يرجمون الحقيقة، أو يسعون لتأخير الهدف، لكنهم سيندمون لأن الوصول إلى الهدف حاصل مهما تأخر أو أخروه. إنه جمع الذات المبنية على قرار ليس من صنع عربي ولا أعجمي، بل من تدوين إلهي ومن خياراته التي خص بها تلك الخريطة دون غيرها .. فعلى هذه الخريطة ما يستحق الحياة.
على هذه الأرض سيظل الترداد لأن الأفواه محكومة بلغتها الخاصة التي سجنت نفسها فيها، وما أحلاه من سجن فيه كل الجمالات. ستظل لغتنا العربية مبعث فخرنا، فللكلمات التي ننطلق بها سحرها، نحن شعب عربي واحد يقال إنه أكثر الشعوب التي تستهلك الأوكسجين؛ لأن لغتها تحتاج لذلك. فكم مرة أنشدنا “هوى وطني فوق كل هوى” و”بلاد العرب أوطاني”، وكم ما زالت فينا فلسطين كأنها الصحوة التي لا تعرف التهدئة أو النوم .. فلسطين حالنا، ونعود لنقول مع الشاعر محمود درويش إنها سيدة الأرض، ولو لم تكن كذلك لما طال شغفنا بالموت من أجلها، ولما مات على أرضها وخارج أرضها من أجلها كثيرون، ولما شهدت الأرض العربية تلك الترددات التي تعيشها .. من أجل فلسطين هذا الأسى، وهذا التمزق النفسي، ومن أجلها ذلك العهد الذي يمر بألف حالة وحالة من المنع الداخلي والخارجي. فلسطين هي العودة وإليها دائما المسار والمسير، فكيفما جئت الأمة وجدت نفسك في مواجهة واقع يحتاج لحل على هيئة سلاح وليس غيره ما يجب أن يكون. إنه ليس افتراضا، هو وصية الله على أبنائه.
وعلى هذه الأرض ما يستحق الحياة، جملة سحرية يفسرها كل منا حسبما يهوى .. لكنها في النهاية أرض الأمة، كل ذرة منها كل متكامل، والكل بكل ذراته عالم متكامل. وليس من يستحق الحياة سوى من يعترف بأنه ابن المكان الواحد الذي تجسد خريطة تمتد ولا تنتهي وعليها رايات تعود لراية واحدة، وستعود إلى ما بدأت به .. أي حلم جميل كهذا، أي نفع للأمة، وأي مصير لنا حين يقال كلام كهذا في لحظة عذاب أمة .. إنها مشاهدة ما وراء الصورة، في ذلك البعد الخلاق الذي يراه كثيرون مسرى دمويا وأراه درب السكون لحظة تحقيق الأمل والهدف.
تعيش الأمة فينا، ونحن نعيش لنترجم هذا الإحساس .. أقطار يقول كل قطر ما عنده، فإما يصيب الآخر أو ينساه. ومع أن اللغة سلسة ومفهومة بعناية ما حملته من تراث، فهي تظل سيدة الشفاه حتى للهاربين منها. إنها عالمنا الذي يجعلنا أسيادا على هذه الأرض، فتلك الخريطة العربية وحدها من ينطق اللغة المصنوعة بضمير التاريخ والناس والآلام، ووحدها من عشقتها الأرض كي يكون من عليها يستحق جدارة الحياة.
امتلأ قلبي بالكلمات قبل أن أكتبها .. سيقال إني أنطق ما أصبح منسيا، إذا كان الأمر كذلك فلا بد من التذكير لعلها تنفع القلوب والعقول، وإن كان للفت الأنظار فلا بأس أن يتفجر في إحساس كل منا ما هي حقيقة وجوده على هذه الأرض .. مهما هرب كثيرون من فكرتي، فلن يسلموا من ممارسة حياتهم على ما يشبهها تماما … سينطقون العربية، وسيشعرون بالعربية، وسيتطلعون إلى خريطة بلادهم فإذا هي جزء من كل، وسيكتب على جواز سفرهم بالعربية، وسيقرأون القرآن دائما فيتذكرون من هم وكيف حملت الحياة تناسلا حتى وصل إليهم .. من المهم أن يحدث كل هذا دفعة واحدة وهو سيحدث يوميا عشرات المرات ودون انتباه من أحد، لكن لو تنبه أحدنا إلى كل خطوة يخطوها لرأى نفسه عربي الهوي عربي المنى عربي الفؤاد …
لا تكابروا على أنفسكم، فتلك هي حقيقتكم، ولا تحلموا بخلايا جديدة فقد تكونتم من خلية هي أنتم طول العمر .. فعلى هذه الأرض ما يستحق الحياة دوما، ونحن في متنها نغتني بمشيئتها. وعلى هذه الأرض حياة تدعو لمناصرة الخريطة الواحدة وجعلها الهدف الأسمى لكل من يريد السعي؛ لأن يكون على أرض تستحق أن يعيش عليها.

زهير ماجد

إلى الأعلى