الإثنين 23 يناير 2017 م - ٢٤ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الموت غرقا بانتظار المهاجرين!

الموت غرقا بانتظار المهاجرين!

د. فايز رشيد

أجزم بأن كل الذين يغادرون ويهاجرون من أوطانهم يشعرون في دواخلهم بالألم. المهاجر دوما محاصرٌ بوخز الألم! لم يهجُر وطنه اختيارا, هو في جحيم الورطة بين الغربة عن الوطن وبين وجع الحاضر, وانسداد آفاقه!.. وما أقسى المفاضلة بين وجعين وألمين! هل قُدّر للعربي أن يختنق في العام 2015 في ثلاجات وقوارب الموت على أيدي تجار الموت في الهجرة إلى الموت ؟ تماما كما مات الفلسطيني اختناقا عام 1950 في صهاريج الموت؟

قالت حكومة النمسا: إنها عثرت على أكثر من 71 جثة في داخل شاحنة للمهاجرين, كانت متوقفة على جانب طريق سريع في شرق النمسا, في موقع مخصص على الطريق السريع في ولاية برغنلاند الحدودية شرق البلاد. وقالت الوزيرة ميكل ليتنر: إن “هذه المأساة أثرت فينا جميعا بعمق، المتاجرون بالبشر هم مجرمون. كل من لا يزال يعتقد أنهم لطفاء ويرغبون بالمساعدة, يحتاج للمساعدة. وقال المتحدث باسم الشرطة هانس بيتر دونسكوزيل: إن من “بين 71 شخصاً هناك 59 رجلاً وثماني نساء وأربعة أطفال، “أحدهم في سنته الأولى أو الثانية”. وتم منذ بداية 2015 تسجيل أكبر عدد من المهاجرين الذين يتدفقون على أوروبا عبر البحر والبر, هربا من النزاعات في إفريقيا وآسيا والشرق الأوسط. وذكرت السلطات أنه لم يعرف بعد متى ولماذا توفي هؤلاء المهاجرون, لكن يرجح أن يكونوا ماتوا اختناقًا. قال مسؤول نمساوي: “إن جميع الجثث سرقت أعضاؤها وبالطبع فسيتم اختفاء ملابسات الجريمة، فهناك الكثير من اﻷخبار التي تفيد باختفاء اللاجئين منذ ما يقارب الأسبوع, وأحدها كان اختفاء 11 طفلا من النمسا بظروف غامضة، كل يوم يحدث اختفاء عائلات وفقدان أشخاص بظروف غامضة والعدد قابل للزيادة”. سماسرة وتجار أرواح ناهيك عن مئات السماسرة الذين يمتهنون التهريب عبر مراكب الموت, في كل من مصر وليبيا وتونس وغيرها, وهم لا يبالون في التضحية بالعدد الزائد من الركاب في عرض البحر, في حال تعرض المركب للخطر. وعلى الرغم من ذلك، يتم يوميا تسيير رحلات الموت، عبر قوارب الموت، عن طريق تجار الموت. سبق أن أعلنت المفوضية العليا لشؤن اللاجئين: أن عدد المهاجرين منذ بداية عام 2015 يتجاوز 11300 شخصا، ولا تزال أرواح العديدين منهم .. تزهق على شواطئ باقي بلدان أوروبا, وكلهم هربوا بلدانهم ليستقبلهم الموت بطريقة قاسية. ولعل في الكارثة البحرية التي أودت بحياة 374 شخصا من السوريين والفلسطينيين قبالة سواحل جزيرة (لامبيدوزا) الإيطالية في الـ3 والـ11 من تشرين الأول من العام المنصرم المثال الأكبر على ذلك. كل ذلك يحصل وما زال صمت القبور يخيم على الدول والجهات المسؤولة عن دفع هؤلاء الأبرياء.. للمخاطرة بحياتهم للبحث عن ملجأ آمن في أوروبا.
لعل الكاتب الفلسطيني الشهيد غسان كنفاني كان يعكس في روايته “رجال في الشمس”, واقع الفلسطينيين بعد النكبة, عندما كان يتم تهريبهم إلى دول الخليج في صهاريج الشاحنات, بحثا عن لقمة العيش, لكن أحدا لم يكن يتوقع أن تتمثل نبوءته أيضا في القرن الحادي والعشرين, وعلى العديد من المواطنين العرب من دول عربية كثيرة مأزومة, هذه المرة في قوارب تجوب البحار في رحلات أصبح يُطلق عليها “رحلات الموت”. أما القوارب فـ”قوارب الموت”! أصبح الموت هو القاسم المشترك الأعظم بين العرب, فهو الذي يوحدهم في زمن المهانة والإذلال. “التاريخ يكرر نفسه مرتين.. في الأولى على شكل مأساة والثانية على شكل مهزلة” .. مقولة تُثبت صحتها مرّة أخرى, فنحن نرى المأساة والمهزلة معا في زمن الرّدة! بالفعل تتحقق نبوءة عيسى عليه السلام.. فكان أكثر من محق عندما قال جملته الشهيرة: “لا كرامة لنبي في وطنه!”
هل الوطن ليس مثلما يقترحون في زمن العولمة أنه “كذبة بيضاء .. يروّج لها البعض دون شعور بالذنب, ويتلقفها آخرون دون شعور بالخديعة”؟ أجزم بأن كل الذين يغادرون ويهاجرون من أوطانهم يشعرون في دواخلهم بالألم. المهاجر دوما محاصرٌ بوخز الألم! لم يهجُر وطنه اختيارا, هو في جحيم الورطة بين الغربة عن الوطن وبين وجع الحاضر, وانسداد آفاقه!.. وما أقسى المفاضلة بين وجعين وألمين! هل قُدّر للعربي أن يختنق في العام 2015 في ثلاجات وقوارب الموت على أيدي تجار الموت في الهجرة إلى الموت ؟ تماما كما مات الفلسطيني اختناقا عام 1950 في صهاريج الموت؟
لقد تصاعدت وتائر الهجرة مؤخرا من الدول النامية بما فيها دولنا العربية، الآلاف يجوبون البحر وبتنظيم المهربين. ووفقا لمنظمة الهجرة الدولية سافر نحو 150 ألف مهاجر عبر البحر خلال الفترة من يناير وحتى بداية يوليو لهذا العام 2015. من زاوية ثانية لقد نشأت أحزاب شوفينية في الدول المُهاجر إليها, تعمل على محاربة الأجانب المقيمين فيها، فكيف باللاجئين الجدد؟! أصبح من الصعوبة بمكان إعطاء الهاربين إلى هذه الدول, حق اللجوء إليها… هذا الذي يتم تحت مبررات عديدة. في كثير من الأحيان تقوم سلطات هذه البلدان بتسهيل هجرة جنسية معينة إليها. الحالة المحددة التي نقصدها هي: تسهيل هجرة الشباب الفلسطيني, سواء منهم من يعيشون في فلسطين أو الذين يقيمون في الشتات. هذه الهجرة تحديدا تتم من أجل أهدافٍ سياسية, فالذين يعيشون على الأراضي الفلسطينية يتم التسهيل لهم من أجل إفراغ فلسطين من العنصر الشبابي الحيوي. أما الذين يقيمون في الشتات فيأتي بهدف: إنقاص عدد المطالبين بحق العودة إلى الأرض الفلسطينية. لذلك فإن سفارات وقنصليات الدول الغربية في رام الله وفي العديد من العواصم في البلدان الأخرى عربية وغيرها, تقدم التسهيلات والإغراءات للشباب الفلسطيني من أجل الهجرة. على هذه القاعدة هاجر عشرات الآلاف من فلسطينيي لبنان, وفلسطينيون من الأرض الفلسطينية المحتلة. وحتى اللحظة، فإن عشرات الآلاف من فلسطينيي سوريا تمكنوا من الوصول إلى هذه البلدان… ولا يزال موسم الهجرة مستمرا.
في أسباب الهجرة للشباب العربي إجمالا, والتي أخذت تتصاعد في الآونة الأخيرة, وبخاصة من العراق ولبنان وسوريا والدول العربية في شمال إفريقيا يمكن القول: بداية لو كانت الأوضاع في بلدان المهاجرين مستقرة بالمعنيين الاقتصادي والسياسي وبالضرورة الاجتماعي, لما حصلت الهجرة. فالبطالة بين الخريجين وضعف الرواتب إن وجدت الوظائف, وعجزها عن تلبية أهم القضايا الحياتية للشباب, كل هذه الظروف تدفعهم إلى الهجرة. في كثير من الأحيان. يقدم الغرب تسهيلات كبيرة للكفاءات من الدول العربية, التي لا تقدر كفاءة أبنائها، فيكون مستقرهم في البلدان الأجنبية! فما أكثر الكفاءات العربية في الطب والهندسة وحتى في علم الذرة وغيرها من التخصصات الأخرى , في الدول الغربية. لو وجدت هذه الكفاءات ظروفا مماثلة للعمل في بلدانها, لاستقرت فيها. ولكن للأسف: فإن العديد من الدول العربية أصبحت طاردةً لأبنائها. بالمعنى السياسي فالحروب والأحداث الداخلية في هذا البلد العربي أو ذاك, هي بحد ذاتها عامل مساعد على هجرة الشباب منها… كما العامل الأهم: أن المواطن العربي يفتقد إلى الفضاء الرحب لمطلق إنسان.. وهو الحرية, ويفتقد إلى غياب الديموقراطية في بلده.. وبالفعل: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟ المواطن العرب يعاني القمع والدكتاتورية والخنق والضائقة الاقتصادية! فلماذا لا يهاجر؟! مسكين مواطننا العربي عندما يعيش قضايا حياتية أولية في زمن العولمة في القرن الواحد والعشريم! العالم قطع مشوارا بعيدا في التطور.. وللأسف نحن ما زلنا في عصر أشبه بالمرحلة البدائية في سُلّمه.
الوطن انتماء لكنه أيضا قضية .. هو حرية, عدالة, عطاء لأبنائه, ديمقراطية.. وذكريات طفولة وحنين إلى ترابه! إن افتقد الوطن لكل عطاء لأبنائه في الذي حددنا, يصبح غُربة تماما مثل مسرحية “غربة” للأستاذ دريد لحام. الوطن سماء مفتوحة يتسع لكل الآراء في سبيل تطويرة! إن افتقد الوطن لكل ذلك.. يصبح اللافرق موجودا بينه وبين أي عاصمة في هذا العالم. لهذا عنون الموهوب محمد الماغوط كتابا له بـ”سأخونك يا وطني” هو لم يقصد خيانة حقيقية للوطن… بل هو يرفض كل ما هو سيئ في وطنه.

إلى الأعلى