الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / جَدَل “الوطن البديل” يتجدَّد في الأردن!

جَدَل “الوطن البديل” يتجدَّد في الأردن!

جواد البشيتي

في الأردن، ما أكثر ما يُشَنُّ من حروب على “الوطن البديل (أو “التوطين”)”، وما أكثر ما يَكْتَنِف هذا “العدوِّ اللدود”، أو هذا المصطلح، من غموض وإبهام؛ فلا وضوح في هذا الخِضَمِّ من الغموض والإبهام إلاَّ فكرةٍ مؤدَّاها أنَّ هناك مَنْ يَعْمَل، في السِّر، وفي العَلَن، لجَعْل الأردن وطنًا (ودولةً) للفلسطينيين، أو لبعضهم، بديلًا من وطنهم فلسطين؛ أمَّا مَنْ ذا الذي يَعْمَل (ويسعى، أو يريد، ويُخَطِّط) فهذا سؤالٌ يُجاب عنه بما يخدم مآرب آنية، موسمية، ومتغيِّرة، وبما يعني، من ثمَّ، أنَّ كثيرًا من هذه الحروب “مُغْرِض”، أيْ له غَرَض آخر، لا يَمُتُّ بصلةٍ إلى “الوطن البديل”، و”مخاطره” على الأردن.
ومع ذلك، لم أسمع حتى الآن عن حرب تُخاض من أجل إعادة الفلسطينيين (أو اللاجئين) إلى وطنهم؛ لا بَلْ لم أسمع عن سلامٍ مشروط (أردنيًّا، أو عربيًّا) بعودة ولو جزءا منهم؛ فالحروب لا نخوضها إلاَّ لِنُمْنى بمزيدٍ من الهزائم؛ والسلام لا نسعى إليه، ونقيمه، إلاَّ من أجل أنْ نُمكِّن لإسرائيل في الأرض، أيْ في البقية الباقية من فلسطين.
مَنْ يتوفَّر على القياس المستمر لمنسوب “القلق الوجودي” الأردني، يَظُن، أو يَعْتَقِد، أنَّ وجود كتلة ضخمة من الفلسطينيين، أو اللاجئين، في الأردن، مع إصرار إسرائيل على عدم عودة، ولو جزءا ضئيلا منهم، إلى إقليم دولتها، ومُضيِّها قُدُمًا في توطين يهود في أراضٍ من الضفة الغربية، وفي القدس الشرقية على وجه الخصوص، هو مَصْدَر هذا القلق، ولا بدَّ للأردن، من ثمَّ، من أنْ يتَّخِذ من إعادة هذه الكتلة الضخمة (أو الجزء الأكبر منها) إلى حيث كانت، شَرْطًا (لا تفريط فيه أبدًا) للسلام مع إسرائيل؛ لكنَّ هذا السلام أُقيم وكأنْ لا وجود لمَصْدَر القلق هذا؛ فإنَّ أرضًا أردنية صغيرة، لا أهمية تُذْكَر لها، هي التي اتُّخِذَت استعادتها (من إسرائيل) ذريعةً لعقد معاهدة سلام معها!
“لا للتوطين”؛ فهذا هو الشعار الذي يَرْفَعونه، في استمرار، في حروبهم على “الوطن البديل”، والتي على كثرتها، لا نتائج (عملية) لها، على أنْ تُرى “النتائج” بعيون الشعار نفسه، والذي معناه الواضح الجلي هو “لا لتوطين اللاجئين الفلسطينيين في الأردن”؛ فهذا “التوطين” هو الذي فيه، وبه، ينمو خطر جَعْل الأردن وطنًا للفلسطينيين بديلًا من وطنهم فلسطين، ودولةً لهم بديلًا من “دولة فلسطين” المُراد قيامها، أو رديفًا لها. وليس ثمَّة ما يَمْنَعهم، في الوقت نفسه، من الاستذراع بالحرص على “حق اللاجئين في العودة” لدى إبدائهم هذا “العداء (المغشوش)” لـ”التوطين”.
“الشعار نفسه” لا يُرْفَع إلاَّ ويُخالطه كثيرًا من “نقيضه”، والذي يتمثَّل في مبدأ “الأردن هو وطن الأردنيين من شتَّى المنابت والأصول”، والذي يعني، في المقام الأول، أنَّ الأردن هو، أيضًا، وطن الفلسطينيين (أو اللاجئين الفلسطينيين) المتجنِّسين بالجنسية الأردنية.
إنَّهم كمثل مَنْ يريد الشيء ونقيضه في آن؛ فَهُمْ ضدَّ “التوطين”، ومع “المواطَنَة الأردنية” لهؤلاء الفلسطينيين، في الوقت نفسه؛ هُمْ مع هذه “المُواطَنَة”، وضد “التوطين”، في الوقت نفسه؛ فافهَمْ إذا ما ظلَّ الفهم ممكنًا!
وطالما وَقَعَ الأردنيون من ذوي الأصول الفلسطينية بين مطرقة “حقوق المواطَنَة” وسندان “حق العودة”؛ فإذا طَلَبوا مزيدًا من حقوق المواطَنَة اتهموا بالتفريط في حقِّهم في العودة، وإذا طلبوا ما يُمكِّنهم من تأكيد (وإظهار) استمساكهم بحقِّ العودة، اتهموا بعدم الولاء والانتماء، واعْتُبِروا، من ثمَّ، غير جديرين بالتمتُّع بحقوق المواطَنَة كاملةً!
إنَّ الأردنيين من ذوي الأصول الفلسطينية هُمْ جزء لا يتجزأ من شعبين شقيقين: “الشعب الأردني” و”الشعب الفلسطيني”. وهنا تكمن “المشكلة”، ويكمن معها “الحل”؛ فالأردن، وبصفة كونه الوطن النهائي والدائم لـ”الأردنيين من شتى المنابت والأصول”، سيظل مشتملًا، في مواطنيه، على فئة واسعة من “الأردنيين من ذوي الأصول الفلسطينية”. وهؤلاء، وبصفة كونهم جزءًا من “الشعب الفلسطيني”، سيظلُّون مستمسكين بـ”الهوية القومية الفلسطينية”، ولو لم يكونوا، أو يصبحوا، جزءًا من مواطني الدولة الفلسطينية عند، أو في حال، قيامها.
وبدلًا من سؤالي “مَنْ هو الفلسطيني؟”، و”مَنْ هو الأردني؟”، لا بدَّ من الاجتهاد السياسي في إجابة سؤالين آخرين، هما: “كيف تكون الدولة الفلسطينية للشعب الفلسطيني بأسره، من غير أنْ يُناقِض هذا بقاء الأردن وطنًا نهائيًّا ودائمًا للأردنيين من شتَّى المنابت والأصول؟”، و”كيف يكون الأردن وطنًا نهائيًّا ودائمًا للأردنيين من شتَّى المنابت والأصول، من غير أنْ يُناقِض هذا جَعْل الدولة الفلسطينية للشعب الفلسطيني بأسره؟”
شعار “نَعَم للتوطين في إقليم الدولة الفلسطينية” يجب أنْ يُسْتَبْدَل بشعار “لا للتوطين في الأردن”؛ فعِنْد قيام الدولة الفلسطينية يجب أنْ تكون مهمتها الأولى هي نَقْل “المخيَّمات الفلسطينية” في الخارج إلى إقليمها، مع عدم التخلِّي، في أيِّ “اتفاقية” مع إسرائيل، عن “حق العودة”؛ فاللجوء في الوطن خير من اللجوء في خارجه؛ وما الذي يَمْنَع من أنْ يظل اللاجئ لاجئًا (يَنْتَظِر العودة) مع تمتُّعه، في الوقت نفسه، بحقوق المُوَاطَنَة الفلسطينية كاملةً؟!
إنَّ عدم عودتهم الآن إلى ديارهم التي هُجِّروا وشُرِّدوا منها لا يعني، ويجب ألاَّ يعني، أنْ يبقى اللاجئون في منافيهم العربية، عند قيام الدولة الفلسطينية.

إلى الأعلى