السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / محنة الاقتصاد المصري والمطالب الفئوية

محنة الاقتصاد المصري والمطالب الفئوية

عادل سعد

يعد الاقتصاد المصري واحدًا من الاقتصادات العربية التي لم تستطع التقاط أنفاسها بيسر حتى الآن، وذلك نتيجة مجموعة مشاكل متجددة في مقدمتها تذبذب موارده بين الحين والآخر تحت ضغط متغيرات الظروف السياسية وافتقاد التوازن بين نسبة النمو السكاني والنمو الاقتصادي مع معدلات متواضعة جدًّا في الرقعة الزراعية على الرغم من الجهود المضنية في هذا الاتجاه.
إن أهم وأعرق مصادر تمويل الاقتصاد المصري هي السياحة وتحويلات المصريين العاملين في الخارج وعائدات قناة السويس، ثم دخل تصدير الغاز على خط هذا التمويل في المرحلة الأخيرة، لكن ما زال يخضع (للبتر) بين الحين والآخر تحت ضغط المشاكل الأمنية والسياسية أيضًا، والحال هناك الكثير من المتابعين بالشأن الاقتصادي المصري يلتقون على توصيف المحنة الذي أطلقه الدكتور حازم الببلاوي رئيس وزراء مصر المستقيل ضمن كتاب له في هذا الشأن جاء بعنوان (محنة الاقتصاد والاقتصاديين).
لقد خاضت مصر أكثر من معركة اقتصادية قاسية في مواجهة الظروف التي مرت وتمر بها، وكانت لها جولات مباحثات شاقة مع صندوق النقد الدولي، وإذا أضفنا إلى ذلك التحديات السياسية والعسكرية التي واجهتها على مدى أكثر من نصف قرن نكون بهذا قد رسمنا صورة واضحة المعالم لهذه المحنة.
ومن هنا أيضًا فإن الإلحاح على المطالب الفئوية، وفي هذا الظرف الاستثنائي القائم حاليًّا يعطل عوامل وإمكانية النهوض بهذا الاقتصاد، إن لم نقل يشوش عليها بأدق التشخيص لعدد من الأسباب الجوهرية التي لا يمكن التكيف معها دائمًا.
إن أول هذه الأسباب يرتبط بعدم قدرة الاقتصاد المصري على تلبية السياسات الإرضائية للعديد من فئات الشعب المصري حتى مع وجود مشروعية معينة لبعضها، فهو لا يملك الأساس اللازم في ذلك؛ لأنه لا يملك أصلًا احتياطيا يمكن التعويل عليه في الاستجابة لتلك المطالب، خاصة وأنه ما زال يراهن بالدرجة الأولى على تحسن مشروط التنمية المتوازنة التي من شأنها أن تضع فرصة التصحيح على طاولة التنفيذ.
السبب الثاني أن الإعلان عن هذه المطالب الفئوية من خلال الإضرابات والاعتصامات كوسيلة ضغط وفي هذا الوقت بالذات من شأنه أن يغذي حالة الشلل النسبي الذي يعاني منه الاقتصاد، بل ويؤدي إلى أن تفقد بوصلة النمو بعض أولوياتها التي تحتاجها.
السبب الثالث أن ميزان الاقتصاد المصري العام لم يبرح حتى الآن (قلقه) الميداني المرتبط بواقعين إقليمي ودولي غير مستقرين، فكيف له أن يلتفت إلى تلك المطالب الفئوية على اتساعها المطروح الآن، وكيف له أن يداوي أمراض الفقر والعوز الذي يضرب الأغلبية، ويستطيع أن يضمن أولويات تأمين الرغيف والخدمة العامة، في حين ينبغي له أن يعالج هنا أو هناك مشاكل طارئة فرضها تسارع الأحداث السياسية، ثم من يضمن أن لا يكون هناك من دخل على خط هذه المطالب الفئوية رغم مشروعيتها لمحاولة توظيفها لصالح أجندة خارجية عدوانية.
إن أحد المفاتيح الأساسية للنهوض الاقتصادي في مصر اعتماد (فترة سماح) إن لم أقل تجميد نسبي للمطالب الفئوية إلى موعد مقبول مع وجود إمكانية لتحمل هذا التجميد، وفي هذا السياق لا بعد أن تقوى النخب السياسية والثقافية والإعلامية باتجاه اعتماد قائمة أسبقيات في المطالب الاقتصادية من خلال عقد اجتماعي جديد قائم على أعراف ترى بأن تعافي الاقتصاد المصري مسؤولية الجميع، وأن من أخلاقيات التضامن الوطني (الشراكة) في الخسائر أيضًا، وهنا تكمن إحدى أشد الصعوبات، لأن هناك من يريد أن يغتنم فرصة الفترة الانتقالية للحصول على مكاسب معينة.

إلى الأعلى