الخميس 23 مارس 2017 م - ٢٤ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / السياسة / سقوط رافعة الحرم .. كارثة قدرية

سقوط رافعة الحرم .. كارثة قدرية

لا شك أن الحادث الأليم الذي وقع في الحرم المكي وأسفر عن سقوط عشرات الضحايا ما بين متوفى وجريح أحزن كل المسلمين حول العالم، فهو يعد بكل المقاييس كارثة إنسانية فادحة .. فهؤلاء الحجاج تكبدوا مشقة كبيرة في السفر عندما خرجوا من بلادهم لأداء الفريضة المقدسة تلبية لنداء الرحمن فإذا بهم يلقون مصرعهم دون أن يتموا أداء الفريضة التي جاءوا من أجلها .. ورغم هذا المصاب الأليم إلا أن رحمة الله سبحانه وتعالى واسعة شملت زوار بيت الله .. فلولا ستر الله لارتفع عدد الضحايا إلى أكثر من ذلك بكثير وكانت الكارثة أكبر خاصة أن الحرم يعج بالآلاف الذين يحرصون على أداء الصلوات في وقتها ويستمتعون بالبقاء في جوار بيت الله الحرام وأمام الكعبة الشريفة .. فالحادث وقع يوم الجمعة وهو يوم إجازة يفد فيه سكان المملكة لأداء العمرة أو الصلاة بالحرم المكي إلى جانب آلاف الحجاج الذين أتوا من كل فج عميق ليؤدوا الفريضة المقدسة.
لقد سقطت الرافعة الحديدية على المصلين نتيجة سوء الأحوال الجوية، حيث تشهد مكة المكرمة طقسا سيئا وأمطارا غزيرة ورياحا شديدة أدت إلى سقوط الرافعة التي تساهم في أعمال التوسعة بالحرم المكي على جزء من المسعى والطواف بالمسجد الحرام، وهذا بالتأكيد حادث قدري لا سيما أن أعمال التوسعة تجري منذ أكثر من عامين ووقوع الحادث في هذا التوقيت بالتأكيد لا يعلم أحد سوى الله سبحانه وتعالى الحكمة من وقوعه .. ولكن هؤلاء الضحايا في إرادة الله وقدره من الشهداء الذين تواجدوا في هذا المكان الطاهر من أجل نيل رضا الله سبحانه وتعالى .. وإذا كانت منزلة الحاج عند الله سبحانه وتعالى عظيمة، فهؤلاء الحجاج سوف يكون لهم أجر كبير عند المولى وسوف يكتب لهم أجر الشهادة إن ـ شاء الله ـ لأنهم ماتوا في سبيل الله، فإن من نوى الحج وعزم عليه وشرع فيه ولكن حالت الظروف بينه وبين ما يريد ثم مات فمثل هذا الشخص يكون قد سقطت عنه فريضة الحج، بل المأمول في فضل الله وكرمه أن يعطيه ثواب من أدى الحج فعلا ويبعث يوم القيامة ملبيا، وهذا ما علمناه من على ألسنة علماء الدين كما صح بذلك الحديث الصحيح عن عبد الله بن عباس: بينما رجل واقف مع النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته (دقت عنقه) فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اغسلوه بماء وسدر، وكفِّنوه في ثوبيه، ولا تُحنِّطوه (الحَنُوط الطِّيب الذي يُصنع للميت)، ولا تُخمِّروا (تغطوا) رأسه، فإن الله يبعثه يوم القيامة يلبي».
الغريب هو لهجة الشماتة التي أظهرها الغرب من هذا الحادث المأساوي الذي يرق له كل صاحب قلب رحيم حيث ربط البعض مثل صحيفة الدايلي ميل البريطانية بين التفجيرات التي وقعت في مثل هذا اليوم عام 2011 لبرج التجارة العالمي في أميركا وبين الحادث الأليم خاصة أن الرافعة التي سقطت تخص شركة ابن لادن فربطوا بين الاسم وتوقيت الحادث القدري وبين حادث استهداف البرج الأميركي يوم 11 سبتمبر، وهذا يظهر الحقد الذي يكنه هؤلاء للمسلمين؛ لأنه لا شماتة في الموت .. كما أنه عندما تم تفجير البرجين كان العرب والمسلمون أول من حزن لوقوع هذا الحادث وأول من قدم العزاء في الضحايا.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتغمد الحجاج الراحلين بواسع رحمته وعظيم مغفرته ويلهم ذويهم الصبر والسلوان، وينعم على المصابين بالشفاء التام ويعينهم على تكملة مناسكهم .. إنه نعم المولى ونعم النصير.
* * *
الأمم المتحدة بلغت سن التقاعد
أتمت منظمة الأمم المتحدة السبعين عاما من عمرها وهي تضم بين جنباتها عضوية جميع الدول تقريبا لتكون البيت الكبير الذي من المفترض أن يحكم بالحق والعدل بين أعضائه، ويعمل على تنمية علاقات الصداقة بينهم وإرساء الأمن والسلام الدوليين.
إلا أنه للأسف تغيرت مبادئ المنظمة الدولية، وأصبحت السياسة السائدة بها هي سياسة الكيل بمكيالين خاصة فيما يتعلق بالقضايا العربية، وذلك بعد أن هيمنت على قراراتها الدول الكبرى في مقدمتها أميركا وروسيا وأوروبا ليتم إجهاض أي مطالب لا تتماشى مع مصالح دول الفيتو الغنية، فتبخرت أحلام الصغار واختل ميزان البيت الكبير وأصبح رمزا للمحاباة والظلم.
السؤال الذي يفرض نفسه: هل أصاب المنظمة الأممية الشيخوخة وآن الأوان لإحالتها للتقاعد؟.. وإذا كانت ما زالت تتمتع بالشباب وقادرة على أن تحقق أهدافها ما الذي يمكن أن تقدمه للقضايا العربية من حلول؟
لا أحد ينكر أن الأمم المتحدة حققت نجاحات في بعض الملفات الشائكة، ولكن بعيدا عن القضايا العربية فما جرى لفلسطين والعراق وسوريا واليمن وليبيا والسودان وغيرها والتي يتدخل حق النقض الفيتو في أي قرار يحل مشاكلها يدل على أن المنظمة الدولية خارج نطاق الخدمة، وأنها تحت سيطرة فئة معينة تسيرها كيفما تشاء، وتسعى لأن يبقى الوضع على ما هو عليه كي تزداد الأمور تعقيدا؛ وبالتالي لا يمكن حلها بأي حال من الأحوال.
لا شك أن الأمم المتحدة لو تعاملت مع القضايا العربية بشيء من الحزم والعدل لأنقذت أرواحا كثيرة من الموت، ولكنها لا تقوم إلا باسترضاء الدول الخمس الحاصلة على الفيتو فيفشل كل مشروع يتم التقدم به لفرض حل سياسي يخرج تلك الدول من أزماتها.
الغريب أن بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة «أقر بدور مجلس الأمن الدولي في جعل سوريا دولة فاشلة نظرا لانقسام القوى الكبرى التي حالت دون اتخاذ إجراء لإنهاء الصراع الذي أدى إلى مقتل أكثر من ربع مليون شخص».. ولكن ما جدوى هذا الاعتراف دون القيام بإصلاحات المنظمة التي يترأسها.
لا شك أن تصريح كي مون يفرض على المجتمع الدولي السعي لإصلاح المنظمة الدولية، وتفعيل دورها خاصة فيما يتعلق بإقرار الحق والعدل والسلم بين دول العالم وإنقاذ الشعوب من الظلم والقهر والحروب .. فالعالم يتطور بينما تبقى هي محلك سر، ولم تختلف كثيرا عما كانت عليه طوال السبعين عاما الماضية .. وإذا كانت الدول الخمس دائمة العضوية التي تمتلك حق النقض تهيمن على الأمم المتحدة منذ وقت إنشائها في الأربعينيات على اعتبار أن غالبية الدول الأخرى كانت محتلة من قبل تلك الدول العظمى إلا أنه في وقتنا الراهن تتكافأ مكانة الدول تقريبا ولم يعد يستطيع أحد أن يسيطر على الآخر.
إن المنظمة الدولية تستعد لتعيين أمين عام جديد بعد انتهاء مهام كي مون في نهاية 2016 حتى أنها فتحت الباب لإمكانية ترشح امرأة لهذا المنصب الهام لأول مرة في تاريخ المنظمة، وهنا يجب أن يبدأ الأمين العام المنتظر صفحة جديدة تتغير فيها سياسات المنظمة حتى تعود لها مصداقيتها ودورها الفعال في إقرار السلام والأمن الدوليين ولا يخضع لضغوط وسيطرة الدول العظمى.
يجب على الدول جميعها التكاتف والوقوف صفا واحدا لتوسيع قاعدة إدارة الأمم المتحدة لتشمل جميع دول العالم بحيث تتحقق المصلحة المشتركة للكل لأنها منظمة للجميع وليست لفئة معينة، وحتى تتحقق الديمقراطية العالمية التي يتغنى بها المجتمع الدولي في كل القضايا ما عدا تلك التي تتعلق بالأقليات أو العرب.
إن سياسة المعايير المزدوجة للأمم المتحدة بلغت حدا مستفزا ومكشوفا؛ وبالتالي فقدت دورها في نشر العدالة والسلام وحماية الإنسان، وانهارت مصداقيتها في حفظ الأمن والسلم الدوليين؛ لذلك على القائمين عليها أن يعملوا على إصلاحها بصدق وشفافية بما يراعي مصالح جميع الدول، ويحقق الأهداف التي أنشئت من أجلها .. أو أن تتقاعد المنظمة وتترك مكانها لأخرى جديدة ذات شخصية قوية تقوم على العدل والحق وتنشر السلام والأمن في العالم.
* * *
حروف جريئة
يبدو أن النزاع على خلافة الإرهاب بدأت تظهر ملامحه، فأيمن الظواهري زعيم تنظيم القاعدة رفض الاعتراف بخلافة تنظيم داعش، ويرى أنها لا تسير على منهاج النبوة، بل هي إمارة استيلاء بلا شورى ولا يجب على المسلمين مبايعتها .. كما يرى أن أبا بكر البغدادي زعيم داعش ليس أهلا للخلافة .. نتمنى أن ترتفع وتيرة التوتر بين هذه المنظمات الإرهابية فتقضي على بعضها البعض.
حقق الفلسطينيون نصرا دبلوماسيا جديدا بموافقة الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية ساحقة على رفع العلم الفلسطيني في مقر المنظمة الدولية .. نتمنى أن يأتي اليوم ونرى فيه العلم يرفع في دولة فلسطين المستقلة ذات السيادة والحدود.
في الوقت الذي انفطر فيه قلب العالم على منظر الطفل إيلان شنو الغريق على شواطئ تركيا واستخدمتها الصحف العالمية لترق الدول الأوروبية لحال اللاجئين نجد أن تنظيم «داعش» يستغلها بصورة دنيئة تنم عن الشماتة وقسوة القلب، حيث نشرت الصورة مجلة «دابق» الناطقة باسم التنظيم تحت عنوان «هذا هو مصير من يهرب من أرض الإسلام من أجل الغرب»، واعتبر داعش أن ذلك إثم عظيم، وأعرب عن استغرابه من إقدام البعض على تعريض حياتهم وحياة أبنائهم للخطر من أجل الهروب إلى دول صليبية تفعل قوانين إلحادية بدلا من البقاء لتنشئتهم تنشئة إسلامية سليمة .. هل تنظيم داعش غبي أم يتغابى ألا يعلم أنه السبب الرئيسي في هروب هؤلاء المهاجرين وتركهم أرضهم ومنازلهم وتعريض أنفسهم للخطر؟
* * *
مسك الختام
قال تعالى: «ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون».
ناصر اليحمدي

إلى الأعلى