الخميس 23 مارس 2017 م - ٢٤ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / العين الثالثة .. عدائية ممنهجة.. لتفريغ الحس الوطني

العين الثالثة .. عدائية ممنهجة.. لتفريغ الحس الوطني

د. عبدالله عبدالرزاق باحجاج

ماذا يجري للعاملين العمانيين في الشركات الحكومية الكبيرة؟ اطلعنا على نماذج عديدة مثيرة ومقلقة، لا يمكن أن تحدث لأي مواطن داخل وطنه، ولن نتوقع أن تحدث الآن بالذات؟ فكيف تحدث لمجموعة كبيرة من العمانيين داخل شركات حكومية، بعضها حكومية خالصة والأخرى بمشاركة رأسمال أجنبي، يشرف عليها مسؤولون كبار في الدولة؟ قصص غريبة لا يمكن تصديقها منذ الوهلة الأولى، وقد تواصل معنا بعضهم، ولمسنا منهم استياء وحزنا عميقين لما يحدث لهم من (ظلم وفق ما يسمونه) للأسف على أيدي مسئولين تنفيذيين من بني وطنهم يتلقون الآلاف من الريالات كمرتبات شهرية، ويحاربونهم بقرارات تعسفية مخالفة لنصوص دستورية وقانونية، ومع ذلك لا سلطة إدارية عليا تردعهم، لا نفترض عدم العلم بل العكس، فلماذا الصمت؟ فهل تتدخل السلطة السياسية؟
لن يستقيم ما يعانيه هؤلاء المواطنون مع طبيعة المرحلة الانتقالية التي تمر بها بلادنا على مختلف الصعد والمستويات؟ ولن يستقيم كذلك حتى من حيث المبدأ في الأمور الاعتيادية، ليست شركة حكومية واحدة حتى نخصصها وإنما مجموعة شركات حكومية من مجموع (60) شركة، وربما لو انفتحنا على كل الشركات قد نجد فيها الوضع مماثلا أو ماثلا لها، وسنندهش من مسألتين مهمتين برزتا للسطح، هما: حالة التسلط والتجبر التي ظهرت على الأطر المحلية المسيرة لقطاعات تنفيذية في شركات حكومية عليا ضد العنصر الوطني، والثانية عودة العنصر الأجنبي لهذه الشركات وعلى وجه الخصوص في القطاع المالي، هذا الوضع بثنائيته سالفتي الذكر، يمس البعد الاجتماعي الحساس جدا، كما أنه يمس جوهر التعمين والإحلال في بلادنا. فالمعلومات المتوفرة لدينا تفيد بارتداد خطير لقضايا التعمين والإحلال والتدريب في العديد من هذه الشركات، فعلى سبيل، هناك برنامج تدريبي تخصصه له إحدى كبرى هذه الشركات مبلغ (60) ألف ريال عماني يصرف على تأهيل الوافدين من جنسيات(…) في إقصاء واضح للبعد الوطني، كما أن هناك استقالات جماعية لكفاءات وخبرات وطنية في كبرى هذه الشركات، ومسلسل الاستقالات يتواصل حتى الآن، كفاءات لها اسمها ووزنها في الشركة قررت المغادرة مضطرة لا مختارة، وبعضها يتقطع قلبها حسرة؛ لأنها تعتبر نفسها جزءا أصيلا من الشركة لا خارجا عنها، فماذا جرى لها حتى تتقدم بالاستقالة؟ انتظرت الترقية طويلا (18- 20) سنة ولم تأتِها، وانتظرت المنصب الوظيفي المستحق لها طوال تلك الفترة الزمنية حتى نساها المنصب، لكنها لم تنسه، فظل وضعها المالي ومن ثم الاجتماعي “محلك سر”، وظل مستقبلها الوظيفي جامدا، فما كان منها سوى تقديم الاستقالة، والمشاكل في هذه الشركة تتعاظم، وتزداد أكثر سوءا، وتنذر بولادة حالة لن نتمناها على الأقل في هذه المرحلة الانتقالية، وقد وصل الأمر بالموظفين فيها إلى تقديم أكثر من (1000) قضية قضائية ضدها، أي أكثر من ألف موظف عنده مشكلة معها، فماذا يعني ذلك؟ العدد الكبير للقضايا وللاستقالات الجماعية والفردية المتواصلة .. ينبغي أن يعني لنا شئيا غير عادي، لعل أبرزه، وجود حملة إقصائية ضد العنصر الوطني، لماذا؟ وهذه النتيجة تدللها كذلك الكثير من الممارسات والقرارات الإدارية داخل هذه الشركة. فمثلا، يعاقب إداريا كل من لجأ إلى القضاء أو بعد إنصافه قضائيا.. يعاقب إما بالمماطلة في تنفيذ الحكم القضائي وقد يصل إلى عام، وحتى في هذه الحالة، لن ينفذ إلا بحكم قضائي تنفيذي، وحتى في حالة التنفيذ، يتم التعسف في تطبيقه، كأن يسكن الموظف في الدرجة من أول مربوط وليس بأثر رجعي وفق منطوق الحكم، مما يجد الموظف العماني نفسه مضطرا لرفع قضية أخرى.. وقد يعاقب بالفصل أو سحب بعض الامتيازات بقرار رسمي من الشركة (وعندنا نموذج من هذه القرارات التعسفية). وهذا يعد أكبر الانتهاكات لحقوق العمال في بلادنا، المنصوص عليها دستوريا وقانونيا، فكيف يصبح الموظف مدانا أو مذنبا من وجهة نظر هذه الشركة، إذا ما استخدم حقه الدستوري والقانوني؟ فلماذا إذن أنشئت محاكم الدولة؟ وهنا نجد هذه الشركة تمارس تصرفات إدارية تنتهك جوهر النظام الأساسي للدولة، فمن ينتصر للقانون الأعلى للبلاد؟ لم ينجح أعضاء في مجلس الشورى ولا اتحاد عمال السلطنة في حمل هذه الشركة الكبيرة على شرعنة قراراتها، وعلى إنصاف المواطنين، حتى النقابة التي أنشأتها هذه الشركة مخالفة للقانون، فأين وزارة القوى العاملة؟ ربما تكون القضية فوق الوزارة .. إنها أصبحت قضية سلطة عليا .. لن ندخل في مزيد من التفاصيل، ولن نسترسل في استعراض نماذج أخرى لشركات حكومية، لربما ندخرها لمقال مقبل وفق التطورات اللاحقة.
إذن، لماذا يقدم الفاعلون في تلك الشركات الحكومية على محاربة العنصر الوطني بتلك القسوة المشددة والعلنية؟ علينا بداية الإشارة إلى أنهم يقدمون على ذلك بكل جرأة ودون خوف من أي مسئول في البلاد، بدليل قرارهم توقيف الامتيازات الممنوحة للموظفين بمجرد لجوئهم إلى القضاء، وبدليل تسخير موارد البرنامج التدريبي على الأجانب على حساب المواطن، وبدليل، الاستقالات الجماعية لكفاءاتها وخبراتها .. دون أن يفتح أي مسئول ملفهم، فمثل هذه الاستقالات المتتالية والمتصاعدة ينبغي أن تثير رؤساء مجالس هذه الشركات، وتلتقي بالمستقيلين. وبدليل استخدام خبراء أجانب ماليين وفي الموارد البشرية بمبالغ مالية كبيرة دون أن يفتحوا الأبواب على الكفاءات العمانية .. وراء كل ذلك، اعتقاد من الفاعلين في هذه الشركات أن المواطنين سيحسدونهم على مرتباتهم الشهرية الكبيرة التي قد تصل إلى (15) ألف ريال شهريا غير المنح والامتيازات الأخرى، يعتقدون أن كلما ارتقى المواطن سوف يكشفهم ويكتشف أسرارهم، لذلك هم بين خيارين أو هما معا، تفريغ الشركات الحكومية من عناصرها الوطنيين الفاعلين أو على الأقل تجريدهم من حسهم الوطني عبر شغلهم وإذلالهم بقضايا طويلة الأجل، تستنزف جهدهم ومالهم وفكرهم، وبعضهم ظل دون راتب لمدة عام، عبرة لغيرهم، وذلك بغية قتل هذا الحس، وجعل صاحبه عبد لقمته، منشغلا بها ـ ولاءا وانتماء ـ مثلهم، وللأسف بعض النصوص القانونية تساعدهم على تحقيق مآربهم ـ سيأتي الحديث عنها في مقال مقبل ـ فمثل هذه الشركات ـ لا نعمم ـ تسير في الاتجاه المعاكس لتوجهات الدولة بدلا أن تدعمها بقوة، وبإمكانها وفي مقدرتها، وهنا تكمن مناطق خلل عديدة .. فهل نعلم تداعياتها المتوسطة والطويلة الأجل؟ يفتح هذا التساؤل ملف التحديات التي سوف تواجهها بلادنا على الصعيدين الداخلي والخارجي، فكيف ستواجهها بمكون ديموغرافي محطم نفسيا ومفرغ ولاء وانتماء؟ وهذا يدعونا إلى طرح التساؤل الآتي: هل وراء تلك السياسات والتصرفات أجندة سرية لتفريغ تلك المشاعر والعواطف من مكوننا الديموغرافي؟

إلى الأعلى