الخميس 27 يوليو 2017 م - ٣ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / التعليم باللغة العربية بين الأمن القومي والهوية الوطنية

التعليم باللغة العربية بين الأمن القومي والهوية الوطنية

محمد بن سعيد الفطيسي

في عام 1945م وأثناء توقيع إمبراطور اليابان على وثيقة الاستسلام في الحرب العالمية الثانية, قال القائد الأميركي ماك آرثر لإمبراطور اليابان: إنكم اليوم توقعون على وثيقة الاستسلام لأننا هزمناكم في المعركة, فرد عليه الإمبراطور بابتسامة ساخرة قائلا: إننا لم نهزم في المعركة, ولكنكم هزمتمونا في المدارس. وبعد ستة أشهر عقد الإمبراطور الياباني اجتماعا لمجلس وزرائه وقال لهم: إن الخالق عادل وإن الأطفال في جميع دول العالم يولدون بصفات واحدة, وإن مشكلة اليابان كانت في التعليم الدراسي.
ونقول: بأنه ليس وحده الشعب الياباني الذي أدرك وفهم هذا السر, فهناك من بعده الشعب الماليزي وسنغافورة وكوريا الجنوبية والهند والصين, فما الذي فعلته تلك الدول والشعوب لتجعل من التعليم وثيقة دخولها إلى المستقبل, وأصبحت بفضله دولا قوية تنافس الدول المتقدمة صناعيا واقتصاديا؟ بل ولتصبح تجاربها التعليمية نماذج صالحة للتصدير؟
نعم… إن سر عظمة تلك الشعوب وبلوغها هذا المستوى الحضاري في التقنية والصناعة والتعليم وغيرها من نواحي الحياة المدنية، هو إصرارها على الاحتفاظ بهويتها القومية كاملة غير منقوصة, وعلى رأس هذه الهوية لغتها القومية, ونؤكد أن سر نجاح تلك الشعوب والدول سالفة الذكر هو ارتكاز تعليمها على اللغة الأم والثقافة والهوية القومية والخبرات الوطنية.
وللأسف الشديد، فإننا نكتب هذا الكلام بعد أن أصبحت اللغة العربية اليوم لغة ثانية في مؤسسات التعليم العالي العربية, وفي التجارة والثقافة والسياسة والطب و..إلخ, نكتب هذا الكلام بعد أن فقد أبناؤنا حبهم للتعليم؛ لأن التعليم اليوم قد أصبح مشروطا بالحصول على الوظيفة, نكتب هذا الكلام بعد أن تحول أبناؤنا إلى مقتدين ومقلدين لمشاهير المصارعة وكرة القدم والفنانين الغربيين, بعد أن تخلوا عن اللباس الوطني والتراث الوطني والهوية الوطنية.
فيا أيها المسؤولون عن التعليم: ألم تدركوا السر بعد؟ أين بحوثكم ودراساتكم الميدانية التي توثقون من خلالها أسباب ضعف مستوى الكتابة، وليس المحادثة باللغة العربية لدى مخرجات الثانوية العامة وطلاب الجامعات الحكومية؟ أين بحوثكم ودراساتكم ومؤتمراتكم التي أنفقتم عليها الملايين والتي تهدفون من خلالها إلى معالجة الأسباب التي فقست لنا هذا الكم الهائل من الأجيال العقيمة في تحصيلها الدراسي؟ وللأسف الشديد، من مخرجاتها المعلم والمهندس والضابط وغيرها من المهن والوظائف التي يعتمد عليها اقتصادنا وأمننا الوطني ومستقبل أمتنا, وكيف نرجو خيرا لأمة أو وطن من جيل فاقد لهويته الوطنية ولغته العربية وقيمه الاجتماعية؟ ففاقد الشيء لا يعطيه.
والحقيقة، إنني وإن كنت لست ضد التعليم باللغات الأجنبية والاستفادة من التجارب العالمية المتطورة في التعليم, فإن ذلك ليس إلا بشروط, وعلى رأس تلك الشروط, أن لا يكون ذلك على حساب اللغة العربية والتعليم الوطني والثقافة الوطنية؛ لأن التعليم مسألة غاية في الأهمية والخطورة, كونها مسألة تصب في أمننا القومي ومستقبل ورفعة هذا الوطن العزيز, وإنني على يقين كامل بأن البحث عن الهوية القومية والهوية الوطنية لدى أي شعب من الشعوب, وعودة الأجيال القادمة إلى طريقها الوطني يبدأ من خلال البحث عن لغتها الأم وزرع القيم والتعاليم الإسلامية في نفوسها.
فلا تخبروني أن هذا الأمر (أي التعليم باللغة العربية والاهتمام باللغة العربية) يخالف التطور والتحضر والمدنية وسيغضب الدول الغربية؟!! لا تخبروني أن تطوير مناهجنا الدراسية وتعريبها في المستويات الجامعية وإعادة التربية الإسلامية وكتب الحضارة والتاريخ الإسلامي والعربي، وزيادة جرعات التربية الوطنية والتاريخ الوطني بحاجة إلى قرار من اليونسكو؟
نعم… (هل تطبيق المناهج المستوردة أصبح هو الحل؟ هل تحويل لغة التعليم إلى اللغة الإنجليزية هو الحل؟ هل هناك دراسات علمية دقيقة وموثقة تثبت تفوق طلاب المناهج الأجنبية وخصوصا الأميركية والإنجليزية على طلاب المناهج الوطنية الذين يدرسون باللغة العربية؟). إن اللغة العربية بإهمالها هذا الإهمال المتعمد من قبل أدعياء الثقافة والنخبوية ستصبح يوما لغة ضائعة, وبالتالي ستضيع وراءها كل ما يتعلق بها كالهوية الوطنية والقومية تبعا لذلك.
وإني لأستغرب كثيرا من إصرار البعض على تهميش اللغة العربية بهذه القدر المخجل, وتجاهل تدريس الحضارة والتاريخ الإسلامي والعربي والتربية الإسلامية، وزيادة جرعات التربية الوطنية, وتعليم الطلبة مصادر تراثهم، وأهم رموزهم الإسلامية والعربية والوطنية, كما أنني أستغرب أكثر من اللجوء للتجارب التعليمية الغربية بشكل رئيسي، والاستعانة بالخبراء الأجانب في تطوير التعليم, فأين ذهبت الكفاءات الوطنية التي تتميز بقدرتها على طرح الرؤية الصحيحة التي تفيد الوطن والمواطن؟ أين ذهب صناع المناهج العرب؟ أين ذهب أساتذة التربية والأخلاق في بلادنا العربية؟
هل باتت الحلول المستوردة, والأساتذه المستوردون, والمناهج المستوردة هي الحل؟ هل التعليم باللغات الأجنبية وفي المدارس الأجنبية وعلى يد الأساتذة الأجانب سيعيد أبناءنا إلينا وهم يقدسون تراب أوطانهم, وسيحفظ هويتنا الوطنية وقيمنا الوطنية والاجتماعية؟ هل تستطيع جامعات النخبة في بلاد الغرب أن ترسخ في الأجيال العربية القائمة والقادمة حب الوطن والمحافظة على ممتلكاته وثرواته وخيراته, وستزرع في نفوسهم حب القيم الاجتماعية الوطنية والعادات والتقاليد والثقافة الإسلامية وستربيهم تربية دينية فاضلة؟ هل سألت وزارات التربية والتعليم والتعليم العالي نفسهما: لماذا يقوم بعض المسؤولين في حكوماتنا العربية وأصحاب الدخول المرتفعة بإخراج أبنائهم من المدارس الحكومية وتدريسهم في مدارس خاصة وعالمية؟!!
أما الذين (لا يزالون بين الحين والآخر ينشرون الدراسات اللسانية التي تؤكد صلاحية اللغة العربية لأن تكون لغة الدين والأدب والشعر فقط, لا لغة العلوم والتكنولوجيا, وهم الذين يقفون اليوم ضد حركات التعريب) في الجامعات ومؤسسات التعليم العربية نقول: إن التعريب ليس عملية لغوية يا أيها المتفيهقون المدعون للنخبوية, بقدر ما هو عملية قومية وتدخل في صميم أمننا الوطني, تزرع في الأجيال القادمة حب اللغة ومنها المحافظة على الهوية القومية والوطنية، وتحفظ الأمن القومي العربي، وتؤسس مجتمعا مؤمنا بقيمه الإسلامية الاجتماعية والوطنية, يقول شاعر النيل حافظ إبراهيم واصفا مكانة وحال اللغة العربية اليوم: وَسِـعْتُ كِـتَابَ الله لَـفْظًا وغَـايَةً, وَمَـا ضِـقْـتُ عَـنْ آيٍ بـهِ وَعِـــظِاتِ , فـكيفَ أَضِـيقُ اليومَ عَنْ وَصْفِ آلَــةٍ, وتـنـســيقِ أَسْــمَـاءٍ لـمُخْـتَرَعَاتِ …… أَيَـهْجُرُني قَـوْمي ـ عَـفَا اللهُ عَـنْهُمُ ـ إلى لُـغَـةٍ لـم تَـتَّصِلْ بـــرُوَاةِ.
فيا أيها القائمون على التعليم في العالم العربي, والمسئولون عن تطوير مناهجه, أيها المؤتمنون على الأجيال العربية القائمة والقادمة أمام الله عز وجل والتاريخ, اتقوا الله في التعليم, فإن التعليم لن يصلح ومنه تلك الأجيال سوى إن عدتم به وبها إلى المنهج الرباني القائم على ترسيخ التربية الإسلامية والثقافة الإسلامية والحضارة الإسلامية والتاريخ الإسلامي والعربي, لن يصلح إلا بعودة اللغة العربية إلى الواجهة كلغة أساسية في التعليم المدرسي والجامعي, لن يصلح سوى إن ربيتم تلك الأجيال على مناهج وطنية عربية تزرع في نفوسهم الوطنية والولاء والانتماء لهذا الدين والوطن, لن تصلح الأجيال إلا بزرع القيم الفاضلة وتوثيق تلك القيم من خلال رموزنا الإسلامية والوطنية.
خلاصة الأمر، إننا اليوم أمام مفترق طرق تاريخي في مختلف جوانب الحياة, وعلى رأسها التعليم؛ لذا يجب أن يتم تأسيسه على مناهج مستقبلية تراعي في مادتها العلمية والأدبية التركيز على المحاور سالفة الذكر, وذلك لأهميتها البالغة في معالجة العديد من الإشكاليات والتحديات المستقبلية, وخصوصا تلك التي تدخل في صلب هويتنا الوطنية وأمننا القومي, كما يجب الاستعانة في ذلك بخبرات وطنية يشهد لها بالدين والأمانة والإخلاص.

إلى الأعلى