الثلاثاء 23 مايو 2017 م - ٢٦ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / أصداف .. الإبحار نحو المجهول

أصداف .. الإبحار نحو المجهول

وليد الزبيدي

لم تتمكن الصور المرعبة للطفل المهاجر الذي غرق في البحر والتي انتشرت على أوسع نطاق من كبح جماح الهاربين من جحيم بلادهم مع أطفالهم في مواصلة رحلات الهجرة الهائلة، وعندما نقف أمام رقم كبير وهو رسمي يؤكد هجرة ما يقرب من نصف مليون مواطن من المنطقة العربية إلى دول أوروبا خلال الأشهر الماضية، فإن ظاهرة بهذا الحجم تستدعي الوقوف عندها طويلا ومناقشتها والغوص في أعماقها أو على الأقل التعرف على تداعياتها الخطيرة.
بالتأكيد يعرف هؤلاء وهم بمئات الآلاف أن رحلتهم “السعيدة” محفوفة بالأخطار الكبيرة، وأن مشهد غرق الطفل أو موت هذه السيدة وذاك الرجل قد يقتحم الكثيرين خاصة أن أسباب الموت في مثل هذه الرحلات كثيرة ومتعددة، إلا أن هؤلاء وبهذه الأعداد يصرون على السير وسط حافات تزخر بالمخاطر غير آبهين للنتائج مهما كانت قسوتها، وهذا يعني من بين ما يعني أن ما يتركه هؤلاء خلف ظهورهم أسوأ وأخطر من تلك المحتملة في هذه الرحلات القاسية والمرعبة.
الهاربون من جحيم متعدد الألوان والأشكال يغذون السير وسط حقول ألغام، ويتجهون نحو حياة ليست مثالية وفيها الكثير من المصاعب ولا تخلو من إذلال الغربة ومشاكلها، إلا أن قياس كل ذلك بالحياة التي يعيشون في بلدانهم أصبح بمثابة الجنة في الدنيا، وقبل الرحيل يفكر الأب والأم باحتمالات سيئة كثيرة، فقد يفقدون طفلا أو أكثر، وقد تفقد العائلة جميع أفرادها، وقد يكون الموت غرقا في المياه أو عطشا وسط طريق مقفر موحش، وقد ينتهي المطاف بالعائلة وسط عصابات، وفي حال وصلوا الهدف المرتجى فإن رحلة عذاب أخرى ستبدأ ولن تنتهي بسعادة مرجوة على الإطلاق، لكنهم يرون أن الخلاص هو ما ينشدون، سواء كان بالموت وسط الطريق أو بين أمواج البحر وحتى العيش على فتات الدول فهو خلاص أيضا.
الخلاص عند مئات الآلاف من الهاربين أن يتخلصوا من الغبار المتكدس على حياتهم اليومية في بلادهم، والبقاء بعيدا عن أحزان الليل والنهار والظلام الهابط عليهم في كل لحظة وغبار الأزمنة المتكدس بالأطنان.
لم نشهد جهدا حقيقيا وناضجا لدراسة ظاهرة هروب الملايين، وقد اتخذ إجراءات للحد من ظاهرة هروب الناس من أوطانهم، والبحث المعمق في أسباب ذلك، وإعلان خطط وبرامج لتخفيف الأذى عن الناس على طريق فتح نوافذ للطمأنينة والأمل في الحياة على أرض بلادهم وبين الأهل والأحبة وتحت سقوف بيوتهم.
ويبدو أيضا أن بعض الحكومات المعنية فرحة بهذه المشاهد حيث يهرب الملايين داخل البلد الواحد ويتوزع هؤلاء على مدن وخرائب وصحارى ومخيمات، ويهرب ملايين إلى دول مجاورة، ليعانوا مختلف أنواع العذاب والألم والمأساة اليومية.
وفي آخر ظواهر فرار الملايين من بلدانهم ما نشاهده اليوم من ظاهرة مخيفة تقف خلفها آلام وهموم ومخاوف ليس لها حدود، رغم ذلك لم نسمع بخطوة واحدة لتخفيف هذه المخاوف وتقليلها.

إلى الأعلى