الأربعاء 26 يوليو 2017 م - ٢ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / ثلاثي الأبعاد

ثلاثي الأبعاد

الجامعة الأولى بين شد وجذب المجتمع

لم تكن جامعة السلطان قابوس مجرد مرحلة دراسية يلتحق بها الطالب لإكمال مشواره في الدراسات الجامعية، بل كانت حلما يراود كل طالب وهو على مشارف الانتهاء من مرحلة المدرسة. حلما؛ لأنها تحمل اسم حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه. حلما؛ لأنه أعلن عنها شخصيًّا في خطاب العيد الوطني العاشر، ولأنه ـ أبقاه الله ـ كان يكرم المجيدين فيها ورعى تخريج طلبة الدفعات الأولى، ولأنه أشرف عليها منذ وضع أول حجر إلى أن قامت كصرح علمي كبير، فحرص على افتتاح كل مرحلة فيها، ولأن جلالته ـ أيده الله ـ عول على من ينضمون إليها الكثير حتى قال في كلمته الشهيرة في أول زيارة لها (نفخر بهذه الجامعة، بل نفاخر بكم في عُمان وفي غير عُمان) هي حلم لأنها الجامعة الحكومية الوحيدة حتى الآن لذلك تحظى باهتمام ورعاية من الحكومة وتمويل سامٍ سنوي للبحوث العلمية، ولأنها لم تكن تقبل إلا الحاصلين على نسب عالية، بالتالي كان الطالب يبذل قصارى جهده ليلتحق بها، فكانت تستقبل النجباء فتصقلهم وتوردهم للمجتمع ليكونوا قادرين على بناء مستقبل عُمان.
كانت حلما، ولكن الحلم أصبح واقعا حقيقيا، وما أن تتحول الأحلام إلى واقع يبدأ البشر في فرض أنظمتهم عليها بما يتناسب وظروفهم، فكان أول تلك الظروف بأن تساوت نسبة القبول في الجامعة مع الجامعات والكليات الأخرى، وبالتالي لم يعد الدخول إلى الجامعة يشغل بال الطلبة في الدبلوم العام، لأنه أصبح أمرًا سهلًا ولا يحتاج إلى تنافس. وأعتقد أن هذه من التنازلات التي قدمتها الجامعة لصالح المجتمع، ولكن لم يأتِ بالنتيجة المتوقعة بل أثر سلبيًّا على جودة المخرجات التي لم تعد كالسابق، وطبعًا الاستثناءات موجودة، ولا يمكن أن نعمم ولكن هذه النتيجة بشكل عام.
المجتمع الذي قدمت الجامعة من أجله تنازلات من حيث نسب القبول لاستيعاب عدد أكبر بدأ ـ للأسف ـ يتذمر من جودة التعليم المقدمة للطلبة، وربما هذه حجة لا واقع لها، فقد لوحظ في السنتين الأخيرتين بأن نسبة كبيرة من خريجي الدبلوم العام يُفضلون البعثة الخارجية عوضًا عن الدخول للجامعة أو أي من مؤسسات التعليم العالي المحلية، هذا لا يعني بأن هذه المؤسسات ذات تصنيف سيئ، بل لأن البعض يرى أن الكثير من المعلومات الخاصة عن هذه المؤسسات التي على أساسها يفترض من هذه المؤسسات أن تقدم أفضل خدمات التعليم والأبحاث مقارنة مع جامعات عربية في دول يمكن أن يقال عنها شبه فقيرة عدد سكانها يتعدى الثمانين مليون نسمة، ولا تملك الدعم والميزانية التي تحصل عليها الجامعة الحكومية الوحيدة، ولكنها تقع في المراتب المتقدمة في تصنيف الجامعات العالمي وتتصدر القائمة في التصنيف العربي.
يسيئني أن يتداول المجتمع في وسائل التواصل الاجتماعي، وهي الوسائل التي يعبر فيها فئة الشباب عن رأيه بأن الجامعة ليست المكان الأمثل لإكمال التعليم الجامعي، نعم هناك بعض الثغرات ويمكن سدها لتزداد جامعة السلطان قابوس قوة، كما بدأت. وكما أراد لها جلالة السلطان المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ، وليتحقق ذلك لا بد أن تستأصل الأمراض من جذورها أولها رفع نسبة القبول، (قد لا يتفق الكثير مع هذه النقطة)، ولكن الوصول للقمة ليس بالطريق السهل، ولتعود الجامعة في القمة لا بد من بذل جهد للوصول إليها، وحتى لا تكون القمة في متناول الجميع، وبالتالي من السهل تشكيلها والتلاعب بها. ثانيًا الطالب نفسه له دور أساسي في الجامعة؛ لأن الجامعة ليست كالمدرسة (تربية وتعليم)، بل هي توفر كل ما يحتاجه الطالب في تلك الرحلة، وعلى الطالب أن يستقبل، وأن يطوع ما يستقبله لصالحه ولصالح الجامعة بحيث يساهم في البحوث وفي خدمة المجتمع يبذل جهدا في دراسته حتى لا يهبط مستواه ويطرد من الجامعة وأن يعرف كيف يطوع الأنشطة الطلابية لحساب العملية التعليمية وأن لا يطغى اهتمامه بالأنشطة على دراسته وغيرها من الأمور التي تعول على الطالب، فهو المقياس الحقيقي لمستوى الجامعة؛ لأن الاستثمار يكون في الطالب والنتيجة تظهر من خلاله، أعتقد أن المجلس الاستشاري سيمكن دور الطالب بشكل أكبر وخاصة في القرارات التي تأتي لصالحه بشكل إيجابي.
يتحدث الكثير عن القصور في البحث العلمي في الجامعة ـ وهذا ما لا أتفق فيه ـ حيث إن البحث العلمي في الجامعة يسير في الاتجاه الصحيح، فهناك الكثير من المراكز البحثية في الجامعة التي يستفيد منها المجتمع، كما أن هناك تمويلا خاصا من حضرة صاحب الجلالة ـ حفظه الله ورعاه ـ لعدد من البحوث سنويا يعلن عنها في يوم الجامعة إلى جانب التسهيلات البحثية والترويج للبحوث.
إذًا، قضية الجامعة أو غيرها من مؤسسات التعليم العالي لا يمكن حصر أي قصور ـ إذا كان هناك قصور والكمال لله وحده ـ في مسؤول فقط، بل جميعنا شاركنا في الوصول إلى الخلل، سواء مجتمع الجامعة بكل فئاته أو المجتمع الخارجي، ولنصحح الخلل لا بد أن يتكاتف الجميع، وأن لا ننقد لمجرد النقد.
“قررنا إنشاء (جامعة قابوس…)، يتلقى فيها أبناؤنا ثمار العلم والمعرفة على أعلى المستويات العالمية، بمشيئة الله تعالى وتوفيقه.” من خطاب جلالة السلطان قابوس بن سعيد في العيد الوطني العاشر.

خولة بنت سلطان الحوسنية
@sahaf03

إلى الأعلى