الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / هل يحيل “ترامب” الانتخابات الرئاسية إلى سيرك؟

هل يحيل “ترامب” الانتخابات الرئاسية إلى سيرك؟

أ.د. محمد الدعمي

الطريف هنا هو أن الصينيين، الذين لا يقلون خبرة في صيد المثالب قد راحوا يردون عليه، مع إشارة خاصة إلى نرجسيته، أي شعره الأصفر الذي يفتخر به، درجة دعوة واحدة من الحاضرات في أحد تجمعاته الانتحابية، للصعود على المنصة والتدقيق في فروة رأسه للتأكد فيما إذا كان شعره طبيعيًّا أم أنه مستزرع أو اصطناعي، وشكرًا للكوفيات في عالمنا العربي! وهذا شيء صغير مما أقدم عليه ترامب لإحالة سباق الانتخابات إلى سيرك.

إذا كان “السيركس” Circus، أو “السيرك”، كما نسميه في العالم العربي، هو الخيمة التي يرتادها الجمهور لمشاهدة العجائبيات والمدهشات من الحركات البهلوانية والإيماءات التهريجية والحيوانات الغربية وملاعباتها، فإنه بقي مرادفًا للملاهي للترفيه واستدرار الضحك وقضاء الوقت. لذا لا يمكن توظيف لفظ “سيرك” لتوصيف مكان أو جماعة أو مناسبة إلا ينطوي على شيء من الاستخفاف واستدعاء التندر.
والحق أقول، بأني لم أمنح نفسي حرية وصف ما يجري في سباق الانتخابات الرئاسية الأميركية منذ وقت ليس بالقصير، بلفظ “سيرك”، إلا بعد أن شاع هذا الوصف لهذا السباق المحموم عبر وسائل الإعلام وآنية الثقافة الشائعة الأميركية ذاتها. إن ما يجري اليوم في خضم التسابق للفوز بالبيت الأبيض يميط اللثام عن الكثير من جوانب الشخصية الأميركية ومنها الشخصية السياسية المتنفذة. والشكر في هذه الفضيلة (أي فضيلة نشر الغسيل بين المتنافسين) إنما يعود لواحد من أبرز المرشحين الجمهوريين، دونالد ترامب Trump، الذي دشن حملته الانتخابية بعدد من الإعلانات التي لا يمكن أن تخدمه، مثل توعد ملايين المكسيكيين العاملين في الولايات المتحدة، عمالة رخيصة، بالتسفير حال دخوله البيت الأبيض، رئيسًا. وإذا كان هذا الإعلان الانفعالي المبكر قد نجح في توجيه الأضواء إلى ترامب في وقت مبكر، فإنه قد ساعد هذا المرشح كذلك على استمراء المزيد مما يدعي بأنه سر تفوقه على بقية المرشحين، أي سجية الإفصاح عما “في قلبه” دون تشذيب أو دبلوماسيات أو حتى ملاحظة لياقات غير ضرورية. وبحجة أن ما في قلبه على لسانه، راح ترامب يجمع المؤيدين، بنفس القدر الذي راح فيه يستجمع المعارضين له. وقد كانت هجمات ترامب الأولى من نصيب مديرة الأخبار المذيعة الرئيسة لفضائية فوكس نيوز Fox، وهي الحسناء Megan Kelly التي تورطت في لمحة نقدية ضده، كي يفتح عليها نار غضبه، منتقيًا ملامح شكلية شخصية لإهانتها، ومنها أنه وصفها كامرأة “تنزف” من مكان ما، في إشارة مبطنة إلى أنها تحيض!
وإذا كانت مديرة الأخبار الحسناء هذه قد قررت الرد عليه بطريقة اصطياد الأخطاء، فإنها لم تجد صعوبة بالغة في إلقاء الضوء على مثالب ترامب، ومنها ضعف معرفته في السياسة الخارجية وقيادات دول العالم، ناهيك عن تهجماته المتكررة على الصين التي “سرقت وظائفنا ومنتجاتنا وأفكارنا وصناعاتنا ومعاملنا” دون أن تجد من يقف في وجهها. الطريف هنا هو أن الصينيين، الذين لا يقلون خبرة في صيد المثالب قد راحوا يردون عليه، مع إشارة خاصة إلى نرجسيته، أي شعره الأصفر الذي يفتخر به، درجة دعوة واحدة من الحاضرات في أحد تجمعاته الانتحابية، للصعود على المنصة والتدقيق في فروة رأسه للتأكد فيما إذا كان شعره طبيعيًّا أم أنه مستزرع أو اصطناعي، وشكرًا للكوفيات في عالمنا العربي! وهذا شيء صغير مما أقدم عليه ترامب لإحالة سباق الانتخابات إلى سيرك. إذ إنه قد أعلن منذ بداية حملته بأنه رجل غني، غني بحق! قائلًا أمام الجمهور: “يا الله كم أنا غني، أنا غني بحق”. ولكسب ولاء الجمهور الأميركي الذي يوازي الثراء بالاستحقاق والكفاءة، فإنه قد قدم شعر رأسه ضحية للنقاد، ومنهم الصينيين، إذ ظهر أحدهم في التلفزيون ليعلن بأن شعر ترامب الأصفر والمنتفخ فوق رأسه إنما هو مادة لا تخضع لقانون جاذبية الأرض؛ لأنه يبقى منتصبًا برغم الدهونات والملطفات.
وإذا كان ترامب قد بدأ بنبرة عدائية ضد الصين وبعض الدول، فإنه لم ينسَ أن يعلن بأنه سيلغي الاتفاق النووي مع الجمهورية الإسلامية حال تسنمه منصبه رئيسًا لأقوى دولة في العالم. زد على ذلك تلويحه بالعصا الغليظة لدول كبرى منافسة. أما ما تلقاه منافسوه في الانتخابات الرئاسية، فهو لا يمكن إلا أن يعد عدائيًّا وخاليًا من الدبلوماسية، بدليل هجومه على المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون، ثم هجومه على زميله الجمهوري “جيب بوش” (ابن الرئيس السابق بوش)، إذ دمغه بالركاكة والضعف، الأمر الذي لا يؤهله للرئاسة. وقد كانت السيدة كارلي فيورينا Fiorina، منافسة ترامب الجمهورية في السباق الرئاسي، هي آخر ضحاياه؛ فبدون استفزاز ولا تقارب في المنافسة طلب ترامب من جمهوره ومن المستهلكين للإعلام تأمل وجه هذه السيدة والسياسية البارزة، بقوله “هل هذا وجه يستحق أن ينتخب للرئاسة؟” كناية عن عدم جمال وجهها، أو ربما عن عدم تناسب أبعاد ملامحه!
وهكذا، بقي ترامب يلكم ويركل ذات الشمال وذات اليمين، معتمدًا تفاصيل وملامح شخصية لا صلة لها بالسياسة، حتى استلم ردًّا قاسيًا من مرشح جمهوري آخر من أصل هندي، اسمه بوب جندال Jindal، اتهم جندال ترامب بالنرجسية المفرطة التي ترمز لها تسريحة شعره الأصفر، وهي ذات الرجسية التي، حسب جندال، تجعل ترامب لا يقرأ أي كتاب مالم يتأكد من أن اسمه قد ورد على صفحاته، فيا لها من نرجسية مفرطة.

إلى الأعلى