الخميس 21 سبتمبر 2017 م - ٣٠ ذي الحجة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الانتخابات النيابية المصرية .. صراع الفلول والسلفيين

الانتخابات النيابية المصرية .. صراع الفلول والسلفيين

محمد عبد الصادق

هناك تخوف كبير من تدني نسب المشاركة في الانتخابات القادمة؛ خصوصًا من الشباب الذي يشعر بالإحباط والتهميش، وعدم وجود دور مؤثر له في المشهد الانتخابي، وكثيرون سيقاطعون اعتراضًا على عودة الوجوه القديمة التي ثاروا عليها في الـ”25 من يناير”, وآخرون بسبب رفضهم لكثير من السياسات والقوانين التي يرون فيها تضييقًا على الحريات، ووأدًا للممارسة الديمقراطية السليمة.

حتى آخر لحظة قبل إغلاق باب الترشح للانتخابات البرلمانية المصرية التي أعلن عن إجرائها منتصف أكتوبر القادم, شهدت القوائم الانتخابية للأحزاب والائتلافات حالة من التخبط والارتباك؛ ما بين قوائم انسحبت أهمها قائمة “صحوة مصر” التي كان يعول عليها في مواجهة فلول الحزب الوطني وبقايا الإخوان والسلفيين، وكانت تضم أغلب أحزاب اليسار، وعلى رأسها حزب التجمع التقدمي الوحدوي ـ اعتراضًا على تقسيم الدوائر وقانون ممارسة الحقوق السياسية واحتجاجًا على أداء اللجنة العليا للانتخابات التي لم تطعن على إلغاء قراراتها المتعلقة بصلاحية الإجراءات (الرسوم والمستندات والكشوف الطبية) التي سبق وتقدم بها المرشحون عند فتح باب الترشح للانتخابات البرلمانية في مارس الماضي, قبل أن يصدر حكم قضائي بوقفها بسبب عدم الدستورية ليخرج البعض يشكك في سبب انسحاب “صحوة مصر”، وادعى أنها جاءت استجابة لدعوة الدكتور محمد البرادعي نائب رئيس الجمهورية السابق الذي استقال وغادر مصر اعتراضًا على فض اعتصامي رابعة والنهضة في أغسطس 2013م, ودأب بعدها على معارضة النظام الحاكم من خلال تغريداته على شبكات التواصل الاجتماعي “تويتر وفيس بوك”.
وهناك قوائم انتخابية اندمجت؛ منها قوائم حزب النور السلفي (الحزب الإسلامي الوحيد المشارك في الانتخابات) الذي حاول طمأنة منافسيه بأنه لا يسعى للهيمنة والسيطرة على مقاعد البرلمان القادم، وأنه يمارس سياسة ولا يتاجر بالدين رغم سابق تحالفه مع الإخوان في مواجهة الأحزاب المدنية خلال فترة حكم مرسي في برلمان 2012م المحلول, ويواجه السلفيون حملة شعواء من تيارات مدنية وحزبية؛ تهدف لإقصائهم عن مقاعد البرلمان استنادًا لمادة في دستور2014م تحظر قيام الأحزاب السياسية على أساس ديني.
ودافع حزب النور السلفي عن نفسه وراح يؤكد مدنيته؛ من خلال ترشيحه امرأة ومسيحيين على قوائمه, وفتح باب العضوية لغير المسلمين, ويروج خصومه بأن حزب النور سيكون الباب الخلفي لدخول القيادات الوسطى للإخوان والوجوه الإسلامية غير المعروفة للأجهزة الأمنية في البرلمان القادم، لمحاولة إسقاط نظام حكم السيسي وتخريب وشل عمل البرلمان القادم.
ومجلس النواب القادم له صلاحيات واسعة تفوق صلاحيات رئيس الجمهورية بموجب الدستور؛ منها اختيار الحكومة وسحب الثقة منها, وتوجيه اتهام للرئيس بالخيانة بشرط موافقة أغلبية الأعضاء الذين يقترب عددهم من 600، ويخشى مؤيدو النظام الحاكم في مصر من تشكيل أغلبية داخل المجلس تعيق السيسي عن تنفيذ خططه وسياساته التي يرون أنها تهدف لدفع مصر إلى الأمام في بلد يعاني أزمة اقتصادية مستعصية, أو ممارسة دور تشريعي ورقابي صارم ينذر بصدام بين السلطتين التنفيذية والتشريعية؛ لذلك دعا السيسي أكثر من مرة لتشكيل قائمة موحدة تضم كافة الأطياف السياسية, لخوض الانتخابات على الـ120 مقعدًا المخصصين للقوائم, ليضمن وجود ظهير برلماني قوي في المجلس القادم.
وهناك قائمة “في حب مصر” التي تدعي أنها تمثل النظام الحاكم، وتحظى بدعم الحكومة والأجهزة الأمنية, وهي القائمة الوحيدة التي تقدمت بقوائمها كاملة في القطاعات الأربعة على مستوى الجمهورية, وبالتالي ضمنت فوز قائمتين على الأقل بالتزكية بعد فشل بقية القوائم في إعداد 4 قوائم تدخل بها الانتخابات بسبب التناحر على عدد المقاعد وترتيب الأسماء, ولا ينافس “في حب مصر” إلًا قائمتا حزب النور السلفي: الأولى في معقله بالإسكندرية والبحيرة, والأخرى فرصها ضعيفة في الصعيد, وتضم قائمة في حب مصر مرشحين مستقلين وحزبيين من “الوفد” و”المصريين الأحرار” وحزب مستقبل وطن، وهو حزب ناشئ. ورغم ذلك تضمنت القائمة 13 اسمًا من أعضائه المغمورين باستثناء محمود بدر صاحب حملة “تمرد” التي جمعت التوقيعات المليونية التي أطاحت بحكم الإخوان ومحمد مرسي, وخلت قائمة “في حب مصر” من مرشحي تحالف الجبهة المصرية التي يرأسها آخر رئيس وزراء في نظام حسني مبارك الفريق أحمد شفيق, الذي فر خارج مصر خوفًا من بطش الإخوان, وما زال يخشى العودة من منفاه, بعد رفض السيسي إرسال تطمينات له تبرئ ساحته وتمنع توقيفه في حال قرر العودة لمصر.
وإذا كانت القوائم تمثل 20% من مقاعد البرلمان, فإن المعركة الانتخابية الحقيقية ستكون على مقاعد الفردي التي يبلغ عددها 448 مقعدًا يتنافس عليها قرابة 6 آلاف مرشح من المستقلين والأحزاب, وهناك 28مقعدًا للمعينين بمعرفة رئيس الجمهورية, لعل أبرز الظواهر الانتخابية وضوحًا حتى الآن هو تهافت فلول الحزب الوطني المنحل على الترشح في جميع محافظات مصر, من بينهم زعيم الأغلبية في برلمان 2010م, ورؤساء اللجان ووكيلا المجلس في آخر برلمان لمبارك, والعديد من رجال أعمال النظام السابق الذين سبق اتهامهم في قضايا فساد والاعتداء على المتظاهرين السلميين خلال ثورة الـ25 من يناير فيما سمي بموقعة الجمل, بعدما أقرت لجنة الانتخابات أحقية نواب الحزب الوطني المنحل ومزدوجي الجنسية في الترشح، وبعد حذف مادة العزل السياسي من دستور 2014م التي كانت تمنع ترشحهم دورتين برلمانيتين.
عودة “فلول الوطني” يجدد المخاوف من عودة الممارسات الفاسدة لعصر مبارك وعودة المال السياسي والرشاوى الانتخابية وحرمان البرلمان الجديد من الكفاءات القادرة على الرقابة والتشريع, خصوصًا وهؤلاء الفلول يدعون قربهم من السيسي, ويصرون أنهم أصحاب الفضل في نجاح ثورة 30/6/2013م التي أطاحت بحكم الإخوان, مؤكدين أن عودتهم لمقاعد البرلمان تستهدف محو آثار “25يناير” والدفاع عن مصالحهم التي تأثرت جراء الحملة التي شنت ضدهم من الإخوان ونشطاء الثورة.
هناك تخوف كبير من تدني نسب المشاركة في الانتخابات القادمة؛ خصوصًا من الشباب الذي يشعر بالإحباط والتهميش، وعدم وجود دور مؤثر له في المشهد الانتخابي، وكثيرون سيقاطعون اعتراضًا على عودة الوجوه القديمة التي ثاروا عليها في الـ”25 من يناير”, وآخرون بسبب رفضهم لكثير من السياسات والقوانين التي يرون فيها تضييقًا على الحريات، ووأدًا للممارسة الديمقراطية السليمة بجانب حالة الانقسام والتفكك التي أصابت الإئتلافات الشبابية لثورة يناير, وفشلهم في التواصل مع القواعد الجماهيرية على أرض الواقع, نتيجة الحملة الشرسة التي تعرض لها شباب الثورة واتهامهم بالعمالة والخيانة والتمويل الأجنبي, كما أن ضعف الإمكانيات المادية وغياب التمويل اللازم للصرف على الدعاية والحملة الانتخابية ستجعل المجلس القادم خاليًا تقريبًا من الشباب.

إلى الأعلى