الخميس 23 مارس 2017 م - ٢٤ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الاقتصاد / اليابان تكافح للاستمرار في التفوق الاقتصادي
اليابان تكافح للاستمرار في التفوق الاقتصادي

اليابان تكافح للاستمرار في التفوق الاقتصادي

القاهرة ـ من حسام محمود
سنوات عديدة كان الخبراء يطلقون على اليابان وصف أرض الشمس الغاربة، فقالوا إن تحقيق النمو يصبح مستحيلاً في اقتصاد ناضج كاقتصاد اليابان، وقالوا إن ديونها العامة غير قابلة للاستدامة .. لكن نادرا ما نسمع مثل هذه الأصوات الآن، فقد تحول الاقتصاد من الانكماش إلى النمو، وأصبح الآن على وشك الإفلات من الانكماش المزمن، وسترتفع الأجور وهو تطور طال انتظاره وسيؤدي إلى المزيد من الاستهلاك، كما تحسن الوضع المالي بشكل مضطرد وأصبحت الحكومة على المسار الصحيح لتعزيز الموارد المالية العامة.
تغيير المسار
مع تحول الاقتصاد أصبح شعب اليابان أكثر حيوية وتفاؤلا، وهو المزاج الذي تجلى في الحماس الشعبي لاختيار طوكيو لاستضافة دورة الألعاب الأولمبية والألعاب الأولمبية للأشخاص ذوي الإعاقة عام 2020، لذا فإن ما تشهده اليوم ليس غسق المغيب، بل إنه فجر جديد يبزغ في سماء اليابان، وهذا لأنها نجحت في التغلب على فكرة استحالة تنفيذ بعض الإصلاحات، وقد أكدت استعدادها للعمل كمثقاب حفر قوي بالدرجة الكافية لاختراق الصخور الصلبة المتمثلة في المصالح الخاصة, على سبيل المثال، سوف يحرر سوق الكهرباء في اليابان بالكامل، ومع وصول الرياضيين الأولمبيين بعد ستة أعوام فإن قطاع الطاقة سوف يكون قادرا على المنافسة بشكل كامل مع فصل نشاط توليد الكهرباء عن عملية التوزيع، وسوف تعزز الرعاية الطبية لتصبح صناعة، فقد أصبحت اليابان في طليعة الدول في مجال الطب التجددي (تجديد الأنسجة التالفة)، ومن الممكن توليد الخلايا الجذعية في مختبرات القطاع الخاص، وقد اقترحت إصلاحات إضافية نظرا للحاجة أيضاً لمؤسسات قادرة على تقديم الرعاية الصحية على نطاق كبير على هيئة شركات قابضة، على غرار شركة مايو كلينيك في الولايات المتحدة، وتعمل حكومة طوكيو على إلغاء نظام تقويم إنتاج الأرز الذي ظل قائماً لأكثر من أربعين عاما، وإزالت أيضاً الحواجز التي تحول دون دخول شركات القطاع الخاص إلى القطاع الزراعي ، وسيُسمَح للمزارعين بزراعة المحاصيل التي يريدونها دون فرض سيطرة رسمية على العرض والطلب، وقريبا سوف تطلق حزمة إلغاء للقواعد التنظيمية، وعلى مدى العامين المقبلين لن تظل المصالح الخاصة منيعة في قطاعات محددة، فمثلا في المدن اليابانية التي تطمح لاكتساب مكانة عالمية ستصبح القيود المفروضة على المساحات بشكل تدريجي جزءا من الماضي، وقريباً ستشهد اليابان ظهورا لمدن تتسم بالمساكن والمجمعات التجارية العالية الجودة وبانعدام الانبعاثات الكربونية فيها تماما.
إدارة الأموال
إن الشراكة عبر المحيط الهادئ سوف تظل ركنا أساسيا من أركان سياسات الاقتصاديين اليابانيين، وسيمضون في تفعيل اتفاقية الشراكة الاقتصادية بين اليابان والاتحاد الأوروبي، ونتيجة لهذا فإن اقتصاد اليابان سيصبح أعمق اندماجاً في التدفقات العالمية من المعرفة والتجارة والاستثمار، وسوف تكتشف الشركات والناس من الخارج أن اليابان من بين أكثر الأماكن ملاءمة لإنشاء الأعمال التجارية في العالم .. كما ستخضع إدارة اليابان للأموال العامة مثل صناديق استثمار التقاعد الحكومية التي تحتوي الآن نحو 1.2 تريليون دولار لتغيرات بعيدة المدى، وتمضي حكومة اليابان قدماً في الإصلاحات بما في ذلك مراجعة محافظ صناديق استثمار التقاعد الحكومية من أجل ضمان إسهام الأموال العامة في الاستثمارات الداعمة للنمو , وجعل ضرائب الشركات ذات مزايا تنافسية على الصعيد الدولي ، ففي شهر أبريل المقبل سيتقلص معدل ضريبة الشركات بنحو 2.4 نقطة مئوية ، وسوف تقدم حوافز ضريبية تهدف إلى تشجيع الشركات على استخدام أموالها في استثمار رأس المال ، والبحوث والاستثمارات ، وزيادة الأجور، بجانب توجه طوكيو لإصلاح قواعد سوق العمل التي تربط العمال بالصناعات القديمة، إن الصناعات الجديدة تتطلب موارد بشرية مبدعة وخلاقة ، وسوف تعيد اليابان توجيه إعانات الدعم بحيث يصبح بوسع العاملين الذين يفتقرون إلى وظائف مجزية في الصناعات المتدهورة الانتقال والبحث عن وظائف مجزية في القطاعات الصاعدة.
إمكانيات وتحديات
بطبيعة الحال ، سيطرح المستثمرون سؤالاً واضحاً في ضوء سرعة شيخوخة السكان وتناقص عدد المواليد هو أين قد تجد اليابان الموارد البشرية المبدعة والخلاقة التي تحتاج إليها، ذات يوم قالت أريانا هافينغتون ساخرة لو كانت شركة الإخوة ليمان تحمل اسم الإخوة والأخوات ليمان فإنها كانت لتتمكن من البقاء، والواقع أن ثقافة الشركات في اليابان أكثر ذكورية مقارنة بالولايات المتحدة ، فهو عالَم تقليدي شديد المحافظة، فالناتج المحلي الإجمالي الياباني من الممكن أن يصبح أكبر حجماً بنحو 16% إذا شاركت المرأة في سوق العمل بنفس معدلات الرجال ، والواقع أن قوة العمل النسائية في اليابان تُعَد المورد الأقل استغلالاً في الاقتصاد، لابد أن تصبح اليابان مكاناً تتألق فيه المرأة لتحتل 30% من المناصب الإدارية القيادية بحلول عام 2020 ، وهو الهدف الذي يستلزم تحقيقه وجود بيئة عمل أكثر مرونة ، ودعم هذه البيئة بالعمال الأجانب لتولي الخدمات المنزلية والشخصية . وستشكل الإصلاحات القانونية التي ستُطرَح في الدورة البرلمانية المقبلة زخماً قوياً للتغيير وتهدف إلى زيادة عدد المديرين من الخارج في مجالس إدارة الشركات . ولكن ما يزال الكثير من العمل مطلوبا ، فقريباً تحين الذكرى الثالثة لكارثة الزلزال والتسونامي التي ضربت شمال شرق اليابان في 11 مارس 2011 ، والتي تسببت في تعطل محطة فوكوشيما دايتشي لتوليد الطاقة النووية . ورغم أن التعافي الكامل لا يزال بعيدا ، فإن ما تجلى من حب ومودة في الاستجابات العالمية لتلك الكارثة مس شغاف الاقتصاديين . إن اليابان مُحاطة بدول مجاورة تتمتع بإمكانيات غير محدودة : الصين وكوريا الجنوبية ، وبلدان منظمة رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) ، والهند وروسيا ، وعبر المحيط الهادئ البلدان الشريكة في اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ . والواقع أنه مع تحول آسيا إلى المحرك الذي يدفع الاقتصاد العالمي ، فإن الحاجة إلى إحلال السلام الدائم والرخاء باتت أعظم من أي وقت مضى ، وذلك لأن التأثير العالمي المترتب على أي تهديد للاستقرار الإقليمي سوف يكون هائلا اقتصاديا وسياسيا .

إلى الأعلى