السبت 27 مايو 2017 م - ٣٠ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / “شيطنة”غربية لروسيا !

“شيطنة”غربية لروسيا !

د. فايز رشيد

” لا أحد ينكر الدعم الروسي للجيش السوري، الذي يثير الإعجاب في تماسكه، وقد بدأ يحقق انتصارات فعلية على الأرض، وهو ليس مهددا في مرحلته الحالية. لقد راهنوا على تفسخه على مدى أربع سنوات، كما راهنوا على سقوط النظام خلال شهرين فقط وفشلت كل رهاناتهم. روسيا ليس لديها الاستعداد للتدخل مباشرة في سوريا.”
ــــــــــــــــــــــ

حملة إعلامية شعواء يجري شنها على روسيا وعلى بوتين شخصيا. المقصود منها محاولة إظهار المساعدات الروسية لسوريا وكأنها تشبه التدخل السوفياتي في أفغانستان، روسيا أعلنت مرارا على ألسنة بعض مسؤوليها: أنها لم ولن ترسل جنودا ليقاتلوا في سوريا. هي ترسل معدات عسكرية ومدربين لتدريب زملائهم السوريين على استعمال الأسلحة. غريب امر الرئيس أوباما.. فكوبا في أزمة خليج الخنازير كانت ستمثل شرارة الحرب العالمية الثالثة .. لولا الحكمة التي أظهرها الزعيم السوفياتي خروتشوف أمام تصلب الرئيس كنيدي وعنجهيته. الموقف الأميركي من الصواريخ السوفياتية التي جرى نصبها في كوبا آنذاك.. رأت فيها أميركا حينها خطرا على الولايات المتحدة. أما المساعدة الروسية لسوريا التي تحاذي إلى حد ما المناطق الاستراتيجية الروسية، فممنوع في العرف الغربي! منطق أعوج إن دلّ على شيء فإنما عن الصلف الأميركي والغربي عموما. اسرائيل الصهيونية تحذو حذو ولية نعمتها الأميركية في مهاجمة روسيا.
بلغت الوقاحة بنتنياهو أن تحدى بوتين ! ذلك في تصريحاته ضد استئناف تسليم روسيا لصواريخ S300 التي كانت قد أبرمتها مع ايران وقد دفعت الأخيرة ثمنها البالغ 4 مليارات دولار منذ مدة طويلة. ذلك بعد اتفاق إيران مع مجموعة 5+ 1 المعروف بـ اتفاق لوزان. قال نتنياهو في اجتماع مجلس الوزراء الأسبوعي حينها : ” إن إسرائيل تنظر بمنتهى الخطورة بإمداد ايران بصواريخ أرض – جو، وأن إسرائيل ستفعل ما هو ضروري للدفاع عن أمنها ومواطنيها”. الرئيس بوتين لم يتأخر في رده الحازم والواضح الذي لا لٌبس في كلماته التحذيرية .. فقال تعقيبا: “نحذر من النتائج العكسية لقرار إسرائيلي كهذا، وإن روسيا لن تسمح بتغيير المعادلات على الارض، وهي ستقوم بمعاقبة كل من يقوم بذلك، فضلا عن كون هذه الخطوة لن تغير شيئا على أرض الواقع، وإنما ستؤدي إلى سفك المزيد من الدماء”. العين بالعين والسن بالسن هذا ما تطبقه روسيا في عهد بوتين.عقوبات أميركية وأوروبية ضد مسؤولين روس يقابلها بوتين بعقوبات ضد مسؤولين أميركيين.
أراد بوتين في مجمل خطاباته وتصريحاته مؤخرا (وبضمن التصريحات – تحذيره نتنياهو) التأكيد على أن العالم لم يعد أحادي القطبية بتفرد الولايات المتحدة الأميركية به وبقضاياه، وأن روسيا اليوم هي غير روسيا في عهد يلتسين وأن اتحادها الفيدرالي هو الوريث الطبيعي للقطب العالمي الذي كان يشكله الاتحاد السوفياتي. لقد وضع الرئيس الروسي في فترات رئاسته الثلاث حداً للأحادية القطبية، وهو الذي تحدث مراراً في خطاباته عن ضرورة “التعددية القطبية” .كان أبرزهذه الخطابات: خطابه في مؤتمر الأمن في ميونخ في عام 2007 ، وكان يستعد حينها للانتقال لمنصب رئيس الوزراء في عهد ميدفيديف. استمرت السياسة الروسية بكافة تفاصيلها لكن مع خطاب ميدفيديف أكثر ليونة، إلى أن عاد بوتين إلى الرئاسة ليعود الألق والبريق إلى خطواته السياسية بمقدار أكبر مما كان عليه في فترتي رئاسته الأولى. لطالما تعبت روسيا من “حشرها في الزاوية” من قبل الغرب الذي اتهمه بوتين: بأنه دائماً ما”خدع روسيا واتخذ قرارات من وراء ظهرها”.
اعتبر بوتين أن الغرب يتمسك بسياسة ” تفتيت روسيا منذ عهد القيصر في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وصولاً إلى القرن العشرين في مواجهة الاتحاد السوفياتي”.اعتبر بوتين أن الأوروبيين والأميركيين” اجتازوا الخط الأحمر… حين ساعدوا على تنصيب حكومة موالية للغرب في كييف، ضاربين عرض الحائط بالاتفاق الذي وُقّع بين يانكوفيتش والمعارضة”، فما كاد حبر الاتفاق يجف (وقد جرى توقيعه بحضور مندوبين غربيين) حتى جرى خلع يانكوفيتش!.
لا أحد ينكر الدعم الروسي للجيش السوري، الذي يثير الإعجاب في تماسكه، وقد بدأ يحقق انتصارات فعلية على الأرض، وهو ليس مهددا في مرحلته الحالية. لقد راهنوا على تفسخه على مدى أربع سنوات، كما راهنوا على سقوط النظام خلال شهرين فقط وفشلت كل رهاناتهم. روسيا ليس لديها الاستعداد للتدخل مباشرة في سوريا. وهي بعد درس أفغانستان, من الصعب بل من المستحيل أن تقوم يإدخال طياريها وضباطها في معارك مباشرة لحلفائها (خارج حدودها). على صعيد آخر فإن مبالغات أميركية وغربية كثيرة تواكب ما يسمى بـ “الحرب على داعش”… والتي تتمدد تحت سمع وبصر الطائرات الأميركية والغربية، إن مثل هذه المبالغات أقرب إلى “غزو” منها إلى انخراط في المعركة ضد الإرهابيين والتكفيريين والظلاميين والمرتزقة، الذين يعيثون دمارًا وتقتيلًا وتخريبًا في سوريا بدعم معلن من تركيا وعواصم الغرب الاستعماري، التي فقد بعضها حياءه ولم يعد يُخفي انخراطه ومشاركته الإجرامية في الحرب على سوريا: الدولة والتاريخ والوجود والمكانة والدور كلاعب مهم في المنطقة العربية.
ولأن روسيا بوتين لا تترك أمورها إلى الصدف، وتحسب خطواتها بدقة وبرود أعصاب، فإن خطوة التدخل المباشر، لا يمكن أن تُتخذ إلا في ظروف وأوضاع ميدانية استثنائية جداً وخطيرة، يمكن أن تتعرض لها الدولة السورية على نحو يُهدد بقلب موازين القوى ويدفع الأمور نحو المواجهة الحتمية، وهي ظروف مُستبعدة ميدانيًّا وعمليًّا حتى هذه اللحظة، ما بالك وأن محاولات تجري وتتصاعد في اتجاه الحل السياسي.. بعد أن ثبت للولايات المتحدة والكيان ولتركيا ولبعض العرب استحالة الحل العسكري للصراع السوري.
إسرائيل ليست بعيدة عن دعم المعارضات السورية. تركيا مارست ولا تزال دورا تضليليا خداعيا بما أعلنته عن طلعات جوية للهجوم على مقرات داعش! هي عمليا تمارس حربا على الأكراد، الذين يعتبرون مكونا رئيسيا من مكونات الشعب التركي. تبقى الحقيقة: أن الولايات المتحدة وحليفتها الصهيونية وبعض الأوساط الإقليمية والعربية هي التي أنشأت داعش، ولا تزال تراهن عليها لتخريب سوريا.
لقد انتقد بوتين الدول الغربية وسياساتها الحمقاء في يوغسلافيا، وكوسوفو وأفغانستان، والعراق، وليبيا، بالفعل تصرّف الغرب في هذه الدول على قاعدة الصلف والعنجهية، وفي بعضها الاحتلال المباشر تحت مسمى” نشر الديموقراطية”و”إزاحة الأنظمة الدكتاتورية”و”مصادرة أسلحة الدمار الشامل ” كما جرى في العراق. الذي تبين أنه لا أسلحة دمار شامل في العراق، وأن الفوضى وانعدام الأمن هو الذي جرى في العديد من هذه البلدان على ضوء التدخل الأميركي ـ الغربي فيها. العديد من هذه الدول عادت عقوداً إلى الوراء، وهي تعاني من النزاعات الطائفية والمذهبية والإثنية والاقتتال فيما بينها،إضافة إلى إمكانية تقسيمها.هذا ما جلبته السياسات الأميركية – الغربية على هذه الدول. إنها بالفعل “سياسة تدميرية” مثلما وصفها بوتين…”يعتقدون أنهم يتمتعون بمكانة استثنائية، ويشعرون بأنهم المختارون وبإمكانهم تقرير مصائر العالم وأنهم فقط من هم على حق”.هكذا وصف بوتين الغربيين.
يبقى القول: أن بوتين حتى لو صلى باتجاه الأبيض … فسيظل شيطانا في نظر القادة الأميركيين والغربيين… وكذلك روسيا في رأيهم .. شيطانا أكبر من رئيسها!.

إلى الأعلى