السبت 21 أكتوبر 2017 م - ١ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / الشرق الأوسط في أوروبا

الشرق الأوسط في أوروبا

أ.د. محمد الدعمي

” إني أزعم هنا أن أوروبا ستستفيد من العناصر الساميّة المسلمة السمراء التي تتدفق اليها، ليس بالمعنى الإستغلالي الذي يتمسك به الفاشلون في بعض وسائل الإعلام لدينا، وإنما بالمعنى العولمي المتمثل بالتلاقح الثقافي والتمازج الإثني والديني المدرين عليها. الإنفتاح الأوروبي الإنساني لغوث لاجئينا سيدر على أوروبا وعلى حضارتها الكثير في جميع الحقول والمجالات”
ـــــــــــــــــــــــــ
عندما نشرت مقالتي، “الهر هونيكر المحمداوي” في صحيفة (الوطن) الغراء يوم 12 سبتمبر، 2015. انصب جهدي على منح القارىء الكريم لمحة عما يطويه المستقبل للقارة الأوروبية نتيجة للهجرات والإزاحات السكانية المتجهة من الشرق الأوسط نحو أوروبا. وإذا كانت طرافة عنوان الموضوع مثيرة للإهتمام، فانها لا يمكن أن تنفي حقيقة تاريخية مفادها أن الصلات بين أوروبا (الآرية، المسيحية)، وبين الشرق الأوسط (السامي، المسلم)، إنما بقيت صلات توتر وتنافر عبر أهم محطاتها: من حملات هارون الرشيد العسكرية التي أطلق المؤرخون عليها عنوان “حروب الثغور”، الى العصر الذهبي للكولونياليات الأوروبية (البريطانية والفرنسية، الإسبانية والبرتغالية)، مروراً بالحملات الصليبية عبر العصر الوسيط.
لقد لاحظ سراة القوم من الراسخين في العلم أهمية هذه المحطات في تطور العلاقات بين الكتلتين السكانيتين، الأوروبية والشرق الأوسطية، خاصة فيما تركته من تلاقح ثقافي وإثني وحوار ديني لم يغلق في حوارات السيد جمال الدين الأفغاني مع أصدقائه في فرنسا وبعدها في بريطانيا. إلا أن هذا التلاقح راح يكتسب أبعاداً أوسع اليوم، أي في عصر العولمة، هذا العصر الذي تمكن من الجدران والحواجز الثقافية والإقتصادية والسكانية حتى لأن المرء شعر بأنه يحيا في عالم مفتوح، بلا حدود ولا تأشيرات ولا جوازات سفر. هكذا انتصرت إرادة الإنسان للذوبان في دورق “الإنسانية الألفية الجديدة” كي نشهد اليوم أوروبا، الصليبية سابقاً، تفتح أذرعها لموجات الهجرة السكانية القادمة من الشرق الأوسط، والمعبأة بأفكار ومفاهيم وعقائد لا تمت بأية صلة للكنيسة ولا لجنس الشقر الطوال من الأقوام الشمالية. ثمة نوع آدمي جديد يولد اللحظة: نوع لا هو عراقي ولا سوري، لا هو ألماني أو اسكندنافي، إنسان أشقر/أسمر، إنسان ألفي جديد، بكل تأكيد.
وإذا كانت “أريحية أوروبا” أوسع صدراً من أريحيات العديد من دول الشرق في إستقبال اللاجئين والمشردين للعناية بهم، فإنه من المعيب على البعض منا أن يزعم أن ألمانيا أو السويد أو النرويج أو سواها من دول البشر ذوي الشعر الأحمر، إنما تقبل السوريين والعراقيين من أجل استخدامهم لتنظيف حماماتهم أو لغسل الصحون في مطاعمهم، لأن في هذا الزعم إدانة ضمنية لدولنا كذلك، بدليل أن المهاجر الشرق أوسطي قد فضّل النفاد بجلده وبأبنائه من نزاعاتنا البينية ومن معطيات الضغائن الطائفية التي أحالت بلاد الشام وبلاد الرافدين الغناء الى خرائب وبقايا طللية، فضّل ذلك على أن ينتظر ذليلاً حتى يأتي دوره في طوابير الموت المجاني على أيد مسلحي الميليشيات وعصابات الجريمة المنظمة، بأدوات الثروات وبأدوات العنف والرشوة لتبقى الأنظمة الشمولية على سدة الحكم.
إني أزعم هنا أن أوروبا ستستفيد من العناصر الساميّة المسلمة السمراء التي تتدفق اليها، ليس بالمعنى الإستغلالي الذي يتمسك به الفاشلون في بعض وسائل الإعلام لدينا، وإنما بالمعنى العولمي المتمثل بالتلاقح الثقافي والتمازج الإثني والديني المدرين عليها. الإنفتاح الأوربي الإنساني لغوث لاجئينا سيدر على أوروبا وعلى حضارتها الكثير في جميع الحقول والمجالات وستكون النتيجة النهائية لعملية الخلط السكاني العولمي المتواصلة اليوم هي المزيد من التقدم لأوروبا والمزيد من التراجع والتخلف للشرق الأوسط الذي لم يحسن العناية بأبنائه درجة تفضيلهم الموت، غذاءً لأسماك البحر المتوسط، على العيش، غذاءً لغياب العدالة وللفساد وللصراعات الأهلية والضغائن الطائفية، للأسف.

إلى الأعلى