الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / النظام والنظافة

النظام والنظافة

” بالطبع لم يكن أحد ينتظر من آلاف، أو حتى مئات آلاف الشباب أن يخلصوا بلدانهم من مشكلة تراكم النفايات والقمامة على مدى سنوات. لكن كان الأمل أن تغير الاحتجاجات من السلوك ـ خاصة ما يتعلق بالنظافة ـ بما يخفف من حدة أزمة الزبالة وعدم النظام في كل شئ، من قواعد المرور إلى تخليص المعاملات في المكاتب الحكومية.”
ـــــــــــــــــــــــــ
ربما كان أهم ملمح أثار الإعجاب في مظاهرات الاحتجاج على حكم الرئيس المصري السابق حسني مبارك مطلع عام 2011 هو تنظيف الشباب لميدان التحرير من مخلفات الاحتجاجات والاعتصامات. ومع موجة التفاؤل غير المسبوقة وقتها، كانت بعض التعليقات تربط بين تنظيف الشباب للميادين والشوارع وتنظيفهم للنظام القديم ومخلفاته. كما كان هناك حرص على تلوين الاحتجاجات بألوان “ربيعية” من قبيل “ثورة الياسمين” في تونس على غرار احتجاجات دول اوروبا الشرقية في الربع الاخير من القرن الماضي كثورة البنفسج وغيرها. وراح النظام في تونس ومصر وبقيت “الزبالة”، وكأنما التنظيف كان أمام الكاميرات فقط لبث التفاؤل.
ما حدث في مصر سبقته صور مماثلة في تونس، التي بدأت فيها احتجاجات ما سمي “الربيع العربي” ـ أيضا على غرار “الربيع الأوروبي” الذي اعتبره الغرب خروجا من الشتاء السوفييتي إلى الصيف الأميركي ـ ودعونا الآن من ليبيا وسوريا وبعدها اليمن. والآن، تشكو تونس من تراكم القمامة في الشوارع وتفاقم أزمة الزبالة إلى الحد الذي أصبح يشكل خطرا صحيا مع انتشار أمراض بسببها. وفي مصر حدث ولا حرج، فمشكلة الزبالة ما زالت أزمة أما ما أعقب الاحتجاجات من عدم النظام (حتى سير السيارات في الاتجاه العكسي بالشوارع والطرقات) وتعطل مصالح الناس فقد كان انفجارا من “عدم النظام والنظافة” لم يسبق له مثيل. صحيح أن بعض النظام بدأ يعود للحياة في مصر بعد أربع سنوات من استقرار “عواصف الربيع”، لكن الأوضاع ما زالت أبعد ما يكون عن النظام والنظافة.
تزامنت أخبار تفاقم مشكلة الزبالة في تونس مع احتجاجات لبنانية بسبب الزبالة جعلت البعض يتحدث عن “ربيع لبناني” رغم أن لبنان ليس فيها رئيس جمهورية منذ نحو عام وحكومتها مؤقتة لتصريف الأعمال وبرلمانها ممدد له ـ أي ببساطة ليس بها نظام لتغييره. هي إذا ثورة على الزبالة والفساد، فمشكلة شركة النظافة الشهيرة في لبنان (سوكلين) كانت وما زالت منذ أكثر من عقد من الزمان مثالا على الفساد الصارخ الذي وحد كافة الأحزاب والقوى السياسية اللبنانية المتناحرة على كل شئ ووحدها الفساد. تلك الاحتجاجات اللبنانية على الزبالة ونظام الفساد لم تتجاوز حدود لبنان بعد، إذا استثنينا مظاهرات العراقيين ضد الفساد. ولم تلهم الشباب التونسي والمصري للاحتجاج على الزبالة وتنظيف الفساد وخلافه. لكن من يدري، فشرارة يمكن أن تشعل السهل كله.
وليس مهما هنا أن الاحتجاج على الزبالة حتى الآن يتركز على مشكلة النفايات والقمامة والتخلص منها، فقد ينسحب يوما على بقية أشكال الزبالة في السلوك والممارسات. فالنظافة شرط أساسي للبناء من جديد، وإذا بدأت بالقمامة المنزلية فلعلها تصل إلى تنظيف كل مخلفات فترات التدهور والتراجع على كل الأصعدة وفي كافة مناحي الحياة. وللتوضيح: دعونا من السياسة، والنظام بمعنى نظام الحكم. إنما القصد نظافة السلوك والتعامل والنظام في العمل وتعامل البشر مع بعضهم البعض. وما استبعدنا ليبيا وسوريا واليمن في البداية إلا لأن التنظيف لا يبدأ إلا بعد توقف أعمال الهدم والتخريب. فكيف تنظف مخلفات الحرب ما لم تتوقف الحرب أولا؟ وللأسف والمرارة يبدو أن القائمين على الهدم والتخريب في البلدان الثلاثة حريصون على زيادة حجم المخلفات وكأنهم يملكون أسهما في شركات التنظيف التي ستتولى مهام التخلص من مخلفات الأزمات فيها. ولا غرابة في الأمر، فقد أعقبت أحداث 11 سبتمبر 2001 (تفجيرات نيويورك وواشنطن) فورة في الشركات الأمنية كان النصيب الأكبر فيها لمستشار الأمن القومي الأميركي وقتها ريتشارد (ديك) تشيني. أما حرب الخليج واحتراق آبار النفط في الكويت ففتحت مجال أعمال غير مسبوق لشركات اطفاء حرائق النفط وتنظيف الشواطئ (ومن بينها شركة رئيسية كان تشيني يرأسها).
بالطبع لم يكن أحد ينتظر من آلاف، أو حتى مئات آلاف الشباب أن يخلصوا بلدانهم من مشكلة تراكم النفايات والقمامة على مدى سنوات. لكن كان الأمل أن تغير الاحتجاجات من السلوك ـ خاصة ما يتعلق بالنظافة ـ بما يخفف من حدة أزمة الزبالة وعدم النظام في كل شئ، من قواعد المرور إلى تخليص المعاملات في المكاتب الحكومية. إنما كانت بداية متفائلة ما لبثت أن خبا بريقها، وعادت الزبالة لتصبح أزمة وتأرجح عدم النظام بين قلة النظام واهتراء النظام. لن يتوقف البشر عن الاستهلاك، وبالتالي عن انتاج المخلفات، ومع زيادة عددهم وحجم استهلاكهم يزيد حجم الزبالة وتتفاقم أزمتها. ومع تعقد حياة الناس بسبب التطور لا تستطيع القواعد والأسس القديمة استيعاب حركتهم ونشاطهم ويصبح النظام غير صالح ويتمزق من هنا وهناك اهتراء. قد يستحيل وقف نمو استهلاك الناس وزيادة مخلفاتهم بالتالي، أو وقف التقدم والتطور، إنما يمكن دفع الناس للتفكير في مخلفاتهم ومشاكلها قبل أن يلقوا بها في وجه أنفسهم للأسف .. أما النظام، فيحتاج لما هو أكثر من قوانين وتشريعات: يحتاج لتربية سليمة من جديد.

د.احمد مصطفى
كاتب صحفي مصري

إلى الأعلى