الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / قصة سيدنا إبراهيم ـ عليه السلام (6)

قصة سيدنا إبراهيم ـ عليه السلام (6)

عزيزي القارئ: يقال إن بيت الله الحرام (الكعبة) بناها سيدنا آدم ـ عليه السلام ـ وبقى الحال على ما هو عليه إلى أن جاءها طوفان نوح ـ عليه السلام ـ الذي جرفها, وبقت أسسها وقواعدها, ولمّا أن هاجَر سيدنا ابراهيم بالسيدة هاجر وبابنه الطفل الصغير إسماعيل ـ عليه السلام ـ تبينت كثير من مناسك الحج حيث طافت هاجر حول قواعد البيت سبعا بحثا عن الماء ثم وقفت على الصفا وطافت إلى المروة ووقفت عليها فعلت ذلك سبعة أشواط وكانت تنظر هل أحد من المارّة قريب فتسأله عن الماء, لكن قدر الله الرحيم بعباده كان واصبا فقد رأت أحدا فإذا هو جبريل عليه السلام فضرب بعقبه الأرض فنبع ماء زمزم وكاد أن يفيض فيصير ماء جاريا كالأفلاج لولا أن قالت له (زم زم) أي تجمع فسمَّي (زمزما) لقولها ذلك.
ولمّا كبر اسماعيل وشبَّ , أمر الله جل جلاله خليله إبراهيم ـ عليه السلام ـ ببناء الكعبة وساعده ابنه اسماعيل وكان يجمع الحجارة ويناولها أبيه ليرصها في البناء, ولقد بنيا الكعبة بارتفاع عالٍ الشيء الذي ينبئ عن تلبيتهما لأمر الله بشكل أكثر من المأمور به, ثم جاء جبريل ـ عليه السلام ـ إلى إبراهيم وعلمّه جميع مناسك الحج, وبعد ذلك أمر الله ابراهيم بالأذان في الناس بالحج فقال: وكيف يا رب؟ فقال الله: أذن وعلينا البلاغ, فأذن وهو واقف على المقام الابراهيمي وأسمع مَن في أصلاب الرجال وأرحام النساء بقدرة الله تعالى, وأجابه من كان في زمانه من المؤمنين وجميع المؤمنين الحجاج إلى قيام الساعة وهم يأتون ملبين دعوته بقولهم: لبيك اللهم لبيك.
وهنا سنتعرض إلى بعض النكت البلاغية في الآيات المتعلقة بالموضوع المذكور, إلى جانب مناقشة التكرار فيها, فنقول:
1ـ قال الله تعالى:( وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) ( البقرة ـ 125), وقوله تعالى:(وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) ( الحج ـ 26) لماذا ورد العاكفين في سورة البقرة والقائمين في سورة الحج؟, أولا: ينبغي الإشارة إلى أن العكوف هي الملازمة والإقامة والقيام فمعناهما إذا قريب و من عادات العرب البلاغية أن لا يعيدوا اللفظ إلا عند التهويل والتعظيم , فلمّا ورد قوله سبحانه في سورة الحج:(سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) ( الحج ـ 25) لم يعد سبحانه اللفظ فأتى بلفظ آخر وهو(القائمين).
2ـ قال الله سبحانه:(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (البقرة ـ 126), قال الله سبحانه:(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ) (إبراهيم ـ 35), التبعية لاسم الإشارة تهدف إلى بيان جنسه, وبيان جنسه في سورة البقرة قد تحدّد بـ (البيت) و (بيتي) في الآية (125) لذلك جاء (بلدا) منكرا أي لا تابعا , وأُعرب (هذا) مفعول به أول و (بلدا) مفعول به ثان و(آمنا) نعت لـ (بلدا), إما في آية ابراهيم لم يتقدم اسم الإشارة (هذا) ما يقوم مقام التبعية الذي يبين جنسه لهذا ورد (البلد) تابعا معرفا لـ (هذا) الذي هو مفعول به أولً, و(آمنا) مفعول به ثان.
هذا ومن الوقائع التأريخية فأن دعاء البقرة كان عند ترك ابراهيم ابنه اسماعيل وزوجه هاجر في مكة عند بداية الأمر فقد كانت غير بلد فلا بيت به ولا أية سكنى وإنما واد قاحل بينما دعاء سورة ابراهيم كان بعد سكنى جرهم بمكة وبعد تحولها إلى بلد.
3ـ قال الله تعالى:(رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (البقرة ـ 129)، وقال سبحانه في آل عمران، الآية(164):(إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ), وفي التوبة ،الآية (128):(لقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ), لأن آية البقرة جاءت في متن دعاء ابراهيم بينما الآيتين الأخريين جاءتا في معرض امتنان الله تعالى على المؤمنين, فناسبه ذكر (أنفسهم وأنفسكم) ليذكرهم بأنه منهم نفسا وقُرِأت أيضا:(أنفَسِكم) بمعنى: النفاسة أي من أرفعكم قدرا وشرفا.
4ـ هذا وقد جاءت قصة سيدنا ابراهيم الخليل في سورة البقرة من الآيات (124 ـ 134) لبيان المنهج الصحيح الناجح للخلافة في الأرض وكذلك ردا على مزاعم اليهود والنصارى والمشركين باتباعهم هذا المنهج العظيم منهج ابراهيم فمنهجهم غير رباني فلقد خالفوا أوامر الله ونواهيه وكفروا بالله وصفاته واسمائه وشبهوه بخلقه و شبهوا خلقه به, و كذلك لبيان أن الابتلاء منهج رباني في خلفاء الأرض من الإنس دون محابة نبي على غيره أو تفرقة بين هذا وذاك, كما أن سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) هو دعوة ابراهيم ـ عليه السلام ـ وكل ذلك يتناسب مع محور سورة البقرة من بيان الخلافة في الأرض وبيان موقف بني اسرائيل من الدعوة الاسلامية, كما إنه يتناسب مع الفاتحة حيث جاء بيان المنهج الحنيفي من قِبُل الله جل وعلا استجابة لدعاء المؤمنين كما حكى الله عنهم بقوله:(اهدنا الصراط المستقيم) وهذه الأدعية في الآيات من سورة البقرة التي سبق ذكرها بعضها قيل قبل بناء الكعبة وبعضها الآخر خرج من فم ابراهيم واسماعيل عليهما السلام بينما الدعاء الوارد في سورة إبراهيم (الآيات 35 ـ 41) من قوله تعالى:(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ) وحتى قوله تعالى:( رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ) فقد خرج من فم ابراهيم ـ عليه السلام ـ وهدفه إخراج الناس من ظلمات الشرك إلى نور الإسلام وهو المحور العام لهذه السورة, لذا فالدعاءان وليسا نفس الشيء ومنه أتى التخالف بينهما فلا يُدَّعى وقوع التعارض في القرآن.
5ـ (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) (البقرة ـ 125) ذُكِر أن الله جعل – بمعنى أمر- أن يجعل بيته الحرام مكانا يؤوب الناس إليه ويجتمعون كما إنه سبحانه كلف ابراهيم واسماعيل بتطهير البيت للحجاج والزوار والعاكفين وهذا يتناسب مع محور السورة , بينما في سورة ابراهيم، الآية (37) حيث قوله تعالى:(رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) ورد دعاء ابراهيم بأن يجعل الله قلوب من الناس ـ وهم المسلمون لا الناس كلهم ـ تهوي لذريته وعبّر سبحانه بـ(أفئدة) لتشتمل على معاني السمو الروحاني من الحنان والحب والتعظيم لأولئك الذرية وهو معنى قلبي وكأن كل الجسد صار قلبا ينبعث منه هذا الحنان وهذا الانجذاب وهذا الحب و التعظيم وكأن كذلك تلك الإفئدة تخرج من منطقتها المظلمة نسبيا إلى مكان النور الإلهي وهي مكة المكرمة, فأجابه الله جل وعلا بأن أقام قواعد البيت الحرام وأبلغ الناس بالحج ليأتون بيته من آمن منهم بالله من كل فج عميق وبعث سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) الذي هو من ذريته يخرج الناس من الظلمات إلى النور في أكمل صوره واقعية حيث أتى بالمحجة البيضاء ليلها كنهارها, وهو الذي يقدسه المسلمون تقديسا يليق بمقامه كسيد الخلق بلا تفريط ولا افراط, ولا تنقطع زيارتهم عن قبره على مدار الساعة, كذلك ذكر شعيرة الصلاة التي طلبها إبراهيم (عليه السلام) لمن يحج وهي أعظم العبادات وكل ذلك تمهيد يتناسب مع محور السورة الذي هو اخراج الناس من الظلمات إلى النور على يدي خير البشر محمد (صلى الله عليه وسلم).

علي بن سالم الرواحي

إلى الأعلى