الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / العراقيون بين الغياب وجدلية الأمل

العراقيون بين الغياب وجدلية الأمل

عادل سعد

أغلب الاعتقاد السائد والحمد لله، أن المخلصين العراقيين لبلدهم ليسوا قلة. لم يأتِ هذا الاعتقاد من استبانة أعدها مختصون في الاستطلاعات، وإنما تستطيع تلمسه من خلال جملة حقائق يومية لا يرقى إليها الشك، في مقدمتها المساعي الدائمة لتشخيص الأخطاء، والشكوى المريرة المتكررة التي تظهر في الحياة اليومية بسبب حصول هذا الخطأ أو ذاك.
كما نجده في الصبر المتجذر لدى أكثر من ثلاثة ملايين نازح ومهجر قسرًا داخل البلاد، إذ ما زالوا يعيشون في مخيمات لا تتوافر فيها أبسط مستلزمات الحياة اليومية، مع أن أغلبهم نزحوا من مراكز مدن وبلدات وقرى كانوا مرفهين فيها سكنًا وطعامًا ومتطلبات حديثة، ومع كل إغراءات أحلام الهجرة ومغادرة البلاد، إلا أن أعدادًا قليلة جدًّا منهم عزمت على الرحيل، ولا تغرنا الأرقام المتداولة إعلاميًّا عن الذين رحلوا إلى خارج البلاد.
وتجد هذا الإخلاص، بل والشرف في الصبر المضني لملايين العراقيين الباحثين عن فرص عمل من دون أن يسقطوا في براثن اليأس والانحراف رغم طول انتظارهم، وبينهم أكثر من نصف مليون خريج جامعة أو معهد علمي، حيث تستطيع أن تمسك بهذا الهامش الأخلاقي الوطني، وهم يفترشون الأرصفة نهارًا في انتظار فرصة عمل تسد رمقهم.
وبمقابل ذلك فإن المسيئين، أو قل الفاسدين الذين يمثلون أغلبية الطبقة السياسية هم قلة، لكن سطوتهم عالية؛ لأنهم بغطاء النفاق الإعلامي والسياسي الطائفي والمناطقي، والدليل على ذلك، هذه الغوغاء اليومية التي تتميز بثنائية قائمة على التناقض بين طروحات مجملها ينطلق من الدعوة إلى الإصلاح، وتبني سياسات جديدة لتطهير البلاد من أدران التلكؤ والتخلف والتسويف والبيع والشراء ضمن تجارة الذمم، وفي الوقت نفسه يعتمدون الكثير من الادعاءات بالضد من هذه الممارسات.
لقد كانت لي فرصة المشاركة في مؤتمر للنخب المجتمعية عقد في إحدى قاعات مجلس النواب العراقي يوم الثالث عشر من شهر سبتمبر/أيلول الجاري، وقد تناول المؤتمر أربعة محاور أشرت الانحدار البياني الواضح للشأن الاقتصادي، وانعدام المسؤولية الاجتماعية، والتداول بالقانون والتشريعات على الأساس الذي يلبي مصالح هذه الكتلة أو تلك، ومع أن هناك تباينًا قاطعًا في الطروحات، إلا أنني لمست وجود غياب مشهور يمثل قاسمًا مشتركًا للمشهد العراقي، وفي المقدمة من ذلك غياب الأولويات، ولعل المفارقة المفيدة للتندر هنا، أن مجلس النواب مرر خلال الأسبوع الحالي تشريعًا للسيطرة على الضوضاء، في حين أن هناك 20 مادة من الدستور تحتاج إلى تشريعات لتفعيلها ولم يتم الاتفاق عليها حتى الآن رغم مضي عدة سنوات، وكأن السيطرة على الضوضاء هو الهدف الوحيد المتبقي لكي يعيش العراقيون سعداء!
وللغياب أيضًا سطوته الواضحة المتمثلة في انقطاع عشرات النواب عن الحضور جلسات البرلمان بالرغم من أن حالات عدم الغياب المتكررة لهم تقتضي اتخاذ إجراءات صارمة ضدهم، غير أن تبادل المنافع في هذا الغياب يحول دون ذلك.
أما الغياب الأكبر الذي يسيطر على المشهد العراقي وله مخاطره الجسيمة في الحاضر والمستقبل، فهو الغياب المتعلق بالتحسب من احتمالات أن يدخل الاقتصاد العراقي غيبوبة متواصلة نتيجة الهبوط الحاد في أسعار النفط، مع عدم وجود مراجعة واضحة وحاسمة للكلف المالية المطلوبة لتغطية نفقات الموازنة العامة.
ولك أن تعد غيابات أخرى، منها غياب الاتفاق على مفردات للمخاطبة المتوازنة في اعتراضات الكتل على بعضها البعض، مع هامش من غياب الكلمة المناسبة في الوقت المناسب.
إن ظاهرة الغياب في المشهد العراقي قد تحولت مع الأسف إلى عنوان كبير يتصدر هذا المشهد بالكثير من الإلحاح، أما الخشية فهي أن تغيب القناعة بأن ما يحصل هو مفردات للانهيار، لكن الضمير الوطني الحي ما زال يصول، وهنا تكمن جدلية الأمل بالتصحيح.

إلى الأعلى