الإثنين 23 يناير 2017 م - ٢٤ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / السياسة / كلمات: أيها السياسيون .. اكتبوا مذكراتكم

كلمات: أيها السياسيون .. اكتبوا مذكراتكم

زهير ماجد

كم يطلب من المرء أن يدون رحلته مع الحياة، بل أنا من دعاة كتابة المذكرات، كل من كتب أو عمل في الشأن العام أو مارس السياسة أو الحياة الاجتماعية أو واكب مرحلة وله فهمه الخاص لها، أن يتقدم للكتابة وبكل التفاصيل التي له وعليه .. ليس سهلا كتابة هذا النوع الأدبي الذي هو خليط بين المشاعر وبين استدراج الماضي ليكون حاضرا .. فكثير من السياسيين لا يدونون يومياتهم، فيما البعض حقق هذا المبتغى .. وأعرف مثلا أن الدبلوماسي الأردني وهو من أصل فلسطيني له مجموعة مراجع تحمل اسم يوميات أكرم زعيتر، فقد كان يدون الصغيرة والكبيرة .. ثم أني أسأل عما كان يدونه ياسر عرفات في أوراقه ودفاتره الصغيرة الحجم. وخصوصا أثناء المعارك الكبرى أين صارت؟ وأذكر أن من كان يحمل محفظة عرفات أثناء الاجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982 كان يتنقل بها من مكان إلى آخر، ففيها أموال (كاش) لمدفوعات طارئة، وفيها أوراقه الخاصة وأهمها دفاتر مذكراته. وذات تنقل كان مسجد جمال عبدالناصر في جامعة بيروت العربية ملجأ له حيث صلى وارتاح قليلا ثم أراد أن يكمل المسيرة، لكن مرافقه نسي المحفظة في المسجد، وخلال دقائق كان هنالك من يطلق النار عليها ظنا أن بداخلها متفجرات وحين لم تنفجر تم الاستيلاء عليها، وكادت أن تؤدي إلى معركة بين فصيل عرفات والفصيل الذي استولى عليها، إلى أن تم إعادتها إلى صاحبها الأصلي، ولكن بثقوب الرصاص الذي أصابها.
التاريخ بحاجة لمعلومات، والغد ملك القادم لمعرفة الماضي .. عاش الإنسان ما قبل التدوين، ثم جاءت عصور القلم والكتابة واللغات المتعددة التي صارت لها قواعدها ودخلت في منهج الحياة الإنسانية. والحياة محطات، وبعضها راية تسلم من يد إلى أخرى، فلماذا نحرم جيلا مثلا من ماضٍ بحاجة لمعرفته؟ وكيف تترك فجوات في التاريخ إذا لم نضع فيها المعلومة والوثائق مثلما فعل الكاتب الراقي محمد حسنين هيكل حين وصف المراحل المهمة في تاريخ مصر إبان مرحلة معينة وأغناها بالوثائق المهمة، حتى أنها سجل اللحظات الحميمة بينه وبين زعيم تلك المرحلة جمال عبد الناصر في كتاب أيضا؟
كان العلامة اللبناني محمد حسين فضل الله يدعو جميع السياسيين في لبنان إلى كتابة مذكراتهم دون استثناء من أحد، المشهورون وغير المشهورين .. لا بد من إيجاد رابطة بين المذكرات المختلفة كي يتدخل التاريخ في نصها. أقف أحيانا في مكتبة عامة في نية شراء الجديد من الكتب، ألمح مذكرات جديدة لأسماء لم نكن نعرفها، أسر في نفسي لأن هنالك كما من الأحداث التي حصلت في المنطقة، وفي بعض الأقطار تستدعي ذلك. كان كارل ماركس يقول لا علم إلا بالتاريخ، وهذا العلم له أبوابه، فنحن مثلا نقرأ عن أقوام وعن قادة وعن أحداث وعن علاقات إنسانية، نقرأ ونقرأ بلا ملل، فلولا تلك المعلومات لتخشب العقل ولما تطلع المرء إلى حاضره بمعرفة وثيقة، فالماضي هو حقيقة الحاضر وما سيجري في المستقبل.
من المحزن أحيانا أن تكتشف أن شخصا ما كان له حضور مميز لم يترك وراءه كتابا يخص حقبته. كلنا مدينون بالتالي إلى كتبة مذكراتهم، فنحن لولاها لما عرفنا من نحن حقيقة .. لنتصور مثلا أن تاريخ الإسلام لم يدون منذ انطلاقته وحتى مرحلة معينة .. حتى الآن هنالك من يقرأ الإسكندر الكبير بعين فاحصة ويتعلم من هذا القائد الصغير لعبة الطمع في الاستيلاء على العالم، ومثله فعل نابليون، وكذلك هتلر، نحن أمام شخصيات تتكرر اهتماماتها في التاريخ، إذا درست شخصياتها بكل أبعادها الاجتماعية والنفسية ومن كل نواحيها قد نجد قاسما مشتركا في ما بينها، وقد يفيدنا ذلك للتحذير من خروج شبيه لهم ليقود البشرية في مغامرة خطرة، كما فعل الرئيس الأميركي جورج بوش الابن حين احتل العراق ونسي ما الذي يؤديه فعل الاحتلال إلى نهوض وطني، ناسيا مثلا أن هنالك تجارب كبرى حصلت منها ما جرى في جنوب لبنان حيث ظل المقاومون هناك يقاتلون حتى إخراج جيش الاحتلال الإسرائيلي وأعوانه منه، ومنها الجزائر التي قدمت المليون من الشهداء وأكثر من أجل طرد المحتل، ومنها فيتنام وغيرها من الدول العزيزة على حريتها، فكيف فعلها هذا الرجل الذي غرر به نخبة من المستشارين الذين هم بدورهم نسوا مخاطر وضع جيش دول عظمى أمام خطر المقاومة التي لن ترحم، وأمام إرادة الشعوب التي تأبى السكوت على احتلال أرضها.
اكتبوا مذكراتكم إذن، ضعوا فيها الحقائق إذا كنتم على صدق مما تكتبون، وإذا كان لديكم حبكم الوطني وحلمكم الوطني، وهذا الحلم ملك للناس من بعدكم، لكنهم يكبرون بالكلمة حين تمسهم هم وحين يخاطبهم من قبره ذلك السياسي أو المسؤول عما يجب أن يفعلوه.
كان ستالين يعتبر كتابة المذكرات هرطقة بورجوازية، وأعتقد أن المسؤولين في الاتحاد السوفيتي لم يكتبوا مذكراتهم .. كان الكرملين وما زال محط أسرار كبرى مثله مثل البيت الأبيض وكل المواقع الحساسة جدا في الدول .. فكم هي الأوراق التي إن عرضت على الناس سوف تصدمهم .. حين ذهب ميكويان وكان وزيرا للخارجية السوفيتية أثناء الحرب العالمية الثانية لتوقيع اتفاق مع هتلر بعدم الاعتداء من قبل الطرفين، ما أن أمسك القلم ليوقع حتى سمع صوت طائرات في الجو تقصف برلين فقال ممازحا هتلر “وكيف تقولون إن عاصمتكم محمية” فنهره الزعيم النازي بأن يوقع، وحين عاد الوزير السوفيتي إلى بلاده فرحا بما أنجزه، أسقط في يده، لأن القوات الألمانية كانت قد بدأت الهجوم على بلاده.
نحن أمام عالم مليء بالأحداث، متناقض في طبعه، ولدى كباره نزعات استعمارية مخبأة دائما وخصوصا الولايات المتحدة الأميركية التي لم تترك بلدا منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية إلا ونخرته بطريقة ما، ومن المؤسف أنها تمسك دفة القوة الفائضة مما يجعلها غير نزيهة وجديرة بأن تحكم في الأزمات نتيجة ميولها وخصوصا في الشرق الأوسط الذي يعوم على مشاكل مثل عومه على النفط والغاز. ولهذا نحتاج جميعا أن نواكب ما يحدث، أن يكتب لنا أحدهم ملخصا في كتاب عما جره من خلال مئات آلاف الصفحات ..
لكننا بالمقابل هل نقرأ ونحن أمة لا تقرأ .. الكتب التي تزين واجهات المكتبات كثيرة لكن من العرب من يقترب إليها ليسأل ولو عن سعرها .. كان الكاتب كولن ولسن يشعر بالقزمية كلما وقف أمام واجهة إحدى المكتبات لأنه مضطر أن يقرأ كل ما يعرض وهو لن يستطيع، ثم أن العمر لا يسمح كما كان يقول ويردد.
فهل صحيح أن العربي لا يقرأ في السنة كلها سو ست دقائق؟ أعتقد أن في الإحصاء الذي قرأته عن هذا الموضوع مبالغة، مع علمي أن القراءة والمطالعة عند العرب معدومة، وأن العربي أدخلوه في عالم الخلوي فصرنا نرى أماكن عامة كل يغرز رأسه في حاسوبه الصغير يرسل الرسائل ويتلقى، أو يلعب ألعابا معينة، فيما لا يمكن أن ترى أجنبيا في بلاد الغرب يجلس بلا كتاب. العرب يهرسون الوقت ضياعا، والغرب يستفيد من لعبة الزمن،هو يتوصل إلى تجديد حياته، ونحن نتأخر، نعتبر أن إنشاء المولات الضخمة حضارة مثلا، وكذلك الشوارع العريضة المنظمة أو العمارات التي تطول السماء، الحقائق تكمن في مراكز الأبحاث وفي الجامعات والمدارس .. أما الأولى فغير متوفرة بعدما حاول البعض تحقيقها لكنه اصطدم بأفكار المسؤولين الذين يعتبرون تلك المراكز لا تشكل أهمية، بل إن أحدهم أخبرني أن مسؤولا عربيا قال له ولماذا مركز للأبحاث طالما أن الغرب يفكر عنا ويقدم لنا زبدة أفكاره ونحن ننفذها.
في كل الأحوال، نحن بحاجة لصيرورة التاريخ، لكي لا ينقطع، أو يشوه، وهذا يحتاج إلى من يكتب الجزء الذي يكمله آخر وهكذا، فالمسألة ليست اختيارا، إنها عمل إجباري يتوقف عليه مصير أجيال قادمة لا بد أن تكون خياراتها أوسع من ما سبقها، مع علمنا أننا لا نراهن على جيل تأخذه وسائل التعليم الحديثة للتآمر على لغته الأم أي العربية، فقد باتت كل المواد في المدارس والجامعات باللغة الأجنبية والإنجليزية تحديدا بعدما صارت هذه اللغة تعم الأرض، ولأنه كذلك، صار الطالب ينصرف عن الاهتمام بلغته إلى الحد التي يكرهها كما سمعت كثيرا من طلاب عرب بلغوا مرحلة متقدمة في صفوفهم فإذا بقراءتهم العربية غير سليمة بتاتا.
هنالك من يصنع التاريخ وهنالك من يصنعه التاريخ .. الزعماء والقادة الكبار يصنعون تاريخا ويصوبونه في الاتجاه الملائم، وفي كل الحالات لا بد من ثورة في الكتابة، ندفع فيه كل من له شأن في عالم السياسة وغيره أن يكتب مذكراته، أن يدون مرحلته، أن يقدم مادة محفوظة لزمن كان مسؤولا فيه أو حتى غير مسؤول ولو كان بصفة مراقب .. إنها مسؤولية بالدرجة الأولى، ومن المفيد معرفته أنها لا تخضع لمزاج، بل يجبر هذا أو ذاك على الإمساك بالقلم والبدء بالتدوين وإعادة الشريط الذي نحتاج إليه كي نعرف، والمعرفة ليست سهلة لأنها تأتي بالمتابعة والتعب وراء الحقيقة.
أحد الأصدقاء العمانيين حدثني عن مرحلة من أدق مراحل السلطنة واستفاض في المعلومات والكلام الطيب الذي يضبط الأعصاب والأنفاس. سألته عما إذا كان هذا الكلام متوافرا في كتاب أو كتب، أصر أنه ليس موجودا .. حزنت، ثم طالبته بكتابته، وأنا أعرف أن الكتابة ليست سهلة، فيها الكثير من الصبر والمعاناة، لكن الوطن يستأهل الاهتمام بتاريخه، بإضافة أسرار على أسراره وعلى حقائقه، لتكون ملك أجيال قد تظمأ ذات مرة فترى في مكتباتها ما يستحق أن يقرأ.
ومثل هذا الصديق كثر قابلتهم في حياتي، وأعرف تماما ما مارسوه وما فعلوه وبمن التقوا كيف عاشوا .. الخ .. لكنهم أيضا لم يمسكوا أقلامهم بعد ولم يبحروا في أهم إنجازات حياتهم .. فكيف تذهب هباء مراحل، وكيف نريد للأجيال القادمة أن تتعلم من الماضي، وهو لم يتم تسجيله كي تقرأه. كل مذكرات تكتب تقدم للأمة خبرة وطنية لا تعوض.
زهير ماجد

إلى الأعلى