السبت 21 أكتوبر 2017 م - ١ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / قضايا / اللاجئون السوريون: رحلة عذاب

اللاجئون السوريون: رحلة عذاب

ـ ميركل: غدا سنخبر أطفالنا أن اللاجئين السوريين هربوا
من بلادهم إلى بلادنا وكانت مكة بلاد المسلمين
الأقرب إليهم
ـ لم يتحرك العالم بصدد اللاجئين إلا بعد صورة الطفل إيلان
ـ ألمانيا مشغولة اليوم بترتيب استقبال مليون لاجئ

زهير ماجد

بكى المذيع العائد لإحدى المحطات الفضائية العربية من شدة ما يرى من عذاب لهؤلاء اللاجئين السوريين المرتعدين من البرد، التائهين في الجبال والوديان وعلى الطرقات، والذين لا تريد أية حكومة استقبالهم أو حتى مجرد منظمات أهلية غربية مساعدتهم ولو بشكل طارئ يخفف وجع المسيرة الطويلة التي لا يبدو أنها ستنتهي في وقت قريب.
هي حقا من أكبر الفواجع التي يعيشها المواطن السوري بقرار خروجه من بلاده هائما على وجهه دون تخطيط أو حساب .. أوروبا المنظمة لا تعترف بحسن النوايا ولا بصدق المشاعر ولا بالمشاعر الإنسانية، بل بالأوراق الثبوتية التي إن أريد الدخول إلى أراضيها فيجب أن تكون جاهزة تماما ولا غبار عليها.
لكن، هنالك ما قد يتجاوز العرف الأوروبي وقوانينه ليدخل في حجم مأساة سواء كانت وراء اللاجئين أو ما هم عالقون فيه. ولا بد لهذه القارة أن تعرف لماذا يخرج المرء من بلاده بهذه الطريقة غير المدروسة، بل الفوضوية ووجهته أن يصل إلى هدف لا يعرفه أيضا وإن كان يأمل الوصول إليه. ويعرف الأوروبيون أن هنالك مساحات من القوانين يمكن تذليلها من أجل غاية نبيلة إنسانية بالدرجة الأولى، ويمكنها أن تفعلها، لكن الذي حصل لم يكن كذلك، بل عومل اللاجئون معاملة قاسية كأن ضربوا بالهراوات وشتموا وتم طردهم ورميت لهم أكوام الطعام مثلما ترمى لأي حيوان جائع.
لعلها أبرز مآسي هذا القرن، أن يهيم آلاف على وجوههم، مرة يركبون خطر البحر فيموت منهم من يموت، ومع ذلك يكررون مرات المحاولة الخطرة، وإن وصلوا إلى الشاطئ فأمامهم مخاطر أخرى، وهو اختراق حدود الدول التي كما قلنا لا تعترف بهكذا اقتحامات، وليس في قوانينها سوى أن تلتزم الشروط التي تسمح لأي مواطن في العالم أن يجتاز حدودها بطريقة عادية قانونية.
يتحرك اللاجئون الهائمون على قاعدة الأمل دون تفكير بعواقب ما يفعلون .. هم قرروا ونفذوا، ولا شك أنهم وضعوا أنفسهم أمام المخاطر التي تواجههم، واعتمدوا على بعض الحظوظ، وطيبة الآخر .. كما أن بعضهم رأى من سبقه في رحلة العذاب إن وصل إلى هدفهن وها هو يعيش مستقرا، فأراد أن يقلده، وهو لا يدري أن بدايات المخاطر تلك بدأت بأفراد ثم صارت بالعشرات وها هي بالآلاف .. هنالك فرق بين ما بدأت به حيث إمكانية المعالجة ممكنة وسهلة، فيما الوضع الآن غاية في الصعوبة أمام الكثافة البشرية من اللاجئين.
إذن، هنالك وضع مأساوي يتطور بنهايات مأساوية وبدون حلول، أبطاله لاجئون سوريون قرروا المسير حتى النهاية وتحمل كل ما يمكن مواجهته من مخاطر ومصاعب وموانع، وصولا إلى أصعب ما يمكن أن يواجهه إنسان. وهذا التشرد بعينه، يواجهه العالم بيقظة متدرجة، حتى كأن هنالك أكثر من دافع إنساني يبدو في معظمه سياسيا. فقضية الطفل إيلان الذي وجد ميتا على الشاطئ فعل فعله لدى كل من رأى المشهد، وقد رآه كثيرون وعلقوا عليه، ومنهم من بكى حرقة أكثر من والده. هذا الطفل فتح الباب لاجتهادات ممكنة، كأن يتم البحث عن مخرج لائق لاستقبال اللاجئين وتوزيعهم بالطريقة التي تسمح له كل بلد. وأوروبا الغارقة في مشاكلها الاقتصادية، يبدو معظمها غارقا في وضعه السكاني المتناقص والذي قد يكون وجود اللاجئين حلا له على المدى البعيد. فإيطاليا تعيش تدهورا في عدد سكانها كأن صار عدد الوفيات أكثر من عدد الولادات، وكذلك الحال مع ألمانيا التي قيل معلوماتيا وتوثيقيا إنها عام 2030 ستصبح 56 مليونا بدلا مما هي عليه اليوم 82 مليونا. والوحيدة فرنسا تقريبا التي لا تعاني تلك المسألة ومع ذلك تقدمت إليها ويبدو أنها تتحمل جزءا من الحل الممكن.
لكن الأمر لم يتغير في مشهد المرور الذي اختاره اللاجئون وهم ماضون في طريقهم إلى غاياتهم وهي ألمانيا على ما يبدو .. وإذا ما سألنا عن نقطة انطلاق هؤلاء فيأتي الجواب أن معظمه أو جله من تركيا سواء عن طريق البحر أو غيره، واليونان التي هي جارة الأتراك لا تتحمل ولو ميزانية سندويش للاجئ، تراها ترعاهم حتى آخر حدودها، لكن الصدمة التي يواجهها اللاجئون في رحلة مسيرتهم، تبدو في تلك الدول التي كانت اشتراكية، ومن سمات الاشتراكية هي الإنسانية للجميع، إلا أن المجر التي حاولت الخروج عام 1956 من القبضة السوفيتية، دهستها دبابات الروس فهام أهلها على وجوههم لاجئين، لكن تلك الأيام تنسى، فها هم المجريون الجدد يستعملون كل العنف مع اللاجئين السوريين وكانت تلك صدمة لهم، ثم هي صربيا الاشتراكية سابقا، وكذلك مقدونيا التي كانت تابعة ليوغوسلافيا .. ربما لم يتعنف اللاجئون مثلما رأوا العنف في تلك البلدان وصل إلى حد جلدهم ووضعهم ضمن دائرة صغيرة مع كل المطر الشديد الذي يتساقط عليهم، فبكى الأطفال بحرقة، وحتى الكبار أيضا، لكن قلوب الشرطة لم ترأف.
ما زالت المسيرة حتى كتابة هذه السطور ماضية تبحث عن مأوى وهي من عراء إلى آخر، ومن مطر ووحل إلى أمطار ووحول، ومن طرف وعرة إلى ما يشبهها وأكثر، هي مسيرة لم نقرأ عن مثيل لها إلا في الكتب، وضمن ما نتذكره من شعر للشاعر العراقي المتوفى بدر شاكر السياب وهو يصف اللاجئين الفلسطينيين عام النكبة 1948 بقوله:” أرأيت قافلة الضياع/ أما رأيت النازحين/ الحاملين على الكواهل من متاهات السنين/ آثام كل الخاطئين”.
ـ سوريا التاريخ
هؤلاء اللاجئون الهائمون ليسوا الوحيدين الذين يتم الاهتمام بهم إعلاميا، هنالك ملايين آخرون يعيشون في مخيمات نصبت خصيصا لهم سواء في تركيا والأردن وفي العراق وبعضه في لبنان .. هؤلاء اختاروا الانتظار باللجوء إلى أمكنة قريبة من بلدهم على أمل خلاصه كي يعودوا إليه ويساهموا من جديد في مسيرة حياته .. وكل هذا اللجوء الذي صار بالملايين كما نعرف، لا يعني أن الوطن الذي ينتمي إليه مجرد واقع في التاريخ، فيما هو أبو التاريخ وسيده، بل هو مهد الحضارة وكلها بمقاييسه .. فلا غرو أن نزور سوريا لحاضرة تاريخية إنسانية لنتعرف عليها عن قرب كي ننسى مأساة شعبها الطارئة التي مهما طال الزمن، فلسوف يأتي اليوم الذي تتبدل فيه الأمور إلى حل يعيد أهلها إليها.
كل الكتب القديمة والحديثة تتحدث عن سوريا الطالعة في المكان والزمان على أنها ليست الشكل الجغرافي الحالي، هي بلاد الشام من شامة أي المرتفع، وهي الذاكرة التي حفظت لنا كل ما مر عليها من أحداث وغزوات وأشخاص وأبطال، إنها المكان الذي يعبق بحكايات منقولة من جيل إلى جيل عن أرض مباركة رفض الرسول العربي محمد صلى الله عليه وسلم أن يدخلها وهو من وصل إلى حدودها في تجارته الشهيرة، وعندما سئل عن السبب الذي منعه من دخولها أجاب “لا أريد أن أرى الجنة مرتين”، ومنهم من يقول إنه قال إني لا أريد أن أدخل الجنة مرتين. في كل الأحوال كانت سوريا قبل الإسلام مسرحا لأقوام ومهدا للحضارة الرومانية وكانت سهولها هي من يطعم الامبراطورية الرومانية بامتداداتها الهائلة قمحا وشعيرا وحنطة وكل مشتقات الزراعة، وفي تاريخها ثورة كبرى قادتها ملكة تدمر زنوبيا على الرومان واستقلت ردحا من الوقت إلى أن جهز الرومان عليها حملة كبرى.
وفي التاريخ أيضا أن الرسول العربي (عليه الصلاة والسلام) حين فكر بأول معاركه من أجل نشر الدين الحنيف، فإنه أرسل ثلاثة من قياداته الإسلامية إلى منطقة مؤتة في بلاد الشام وهي تقع اليوم في الأردن، فكان أن قابل هؤلاء الروم هناك ثم استشهدوا حيث ما زالت أضرحتهم موجودة هناك. ما من منطقة في العالم تقريبا تشبه سوريا التي عرفت جميع الحقب والعهود والعصور الإسلامية كما مرت عليها، ويزخر متحفها الوطني بذلك، كما تزخر أرضها بتلك الآثار المهمة التي تبرز هذا المفهوم .. ولعل حمص وحماه ودمشق وحلب ستكون دوما حاضرة في أي تسلسل عن حكاية الإسلام فيها .. ففيها حصلت أولى المعارك الكبرى لبسط الإسلام في منطقة بلاد الشام وهي معركة الروم التي قادها خالد بن الوليد والتي أدت لاحقا إلى فتح دمشق وسائر المدن تقريبا. ومن الأسف أن المسجد الذي دفن فيه القائد خالد في حمص تعرض لنهب المسلحين، لكن تم استرجاعه بيد الدولة والجيش وتتم إعادته إلى شكله الأساسي. لقد تسنى لي أن أطلع على جزء مهم من محتويات وكنوز سوريا، سواء في متحفها الطبيعي في العراء أو بين أروقته، وهو اهتمام نابع من طبيعة عمل تلفزيوني كان مطلوبا مني. المهم أن النقلة التي بدأت كعهد له ترجمته وفي ظل الخلفاء الراشدين، كان المرحلة الأموية التي قادها معاوية بن أبي سفيان وفي دمشق تحديدا، التي يشهد الجامع الأموي في العاصمة السورية على عراقة تلك المرحلة وتطوره عبر السنين، إضافة إلى الواجهة الموجودة في المتحف الوطني لأحد القصور الأموية التي كانت تتمايز بذلك الدفق الهندسي البديع.
وتعاقب على سوريا أيضا مرحلة العباسيين التي تركت بصماتها، سواء في دمشق بالعصر الفاطمي أو في حلب بالعصر الحمداني الذي ذاعت من خلاله شهرة شاعره المعروف أبو فراس الحمداني الذي يشمخ تمثاله وسط أكبر الحدائق في مدينة حلب. وبعدها سنجد أيضا ما تركته المرحلة الزنكية من آثار مهمة أبرزها ذلك البيمارستان الذي لا يزال معروفا في دمشق والذي تحول إلى متحف للعلوم الطبيعية، وهنالك مسجد باسمه أيضا .. كما يشمخ عاليا في تلك العاصمة ضريح البطل العربي صلاح الدين الأيوبي بما يعني أنه أبرز المرحلة الأيوبية التي عرفها الإسلام ودونتها المدينة والمنطقة .. وعلى مقربة منه سنرى ضريح أحد أبطال الإسلام أيضا وهو الظاهر بيبرس بطل معركة عين جالوت التي طردت المغول من بلادنا، إضافة إلى المكتبة التي أسسها وتحمل اسمه. كيفما التفت في دمشق ستجد معلما، إنها متحف في الهواء الطلق وفي الطبيعة .. فلقد كان من يحكم دمشق يضع يده على ما حولها، فهي بالتالي أول مدينة اتخذت لقب عاصمة في التاريخ، وهي أيضا عاشت كل المراحل الإسلامية على تنوعاتها على حلم أن تظل حاضرة الإسلام الأولى، لكنها مرة كانت في الواجهة ومرة تحولت إلى موقع ثانوي، لكنها في كل الأحوال لم تغب عن الدور الذي رسمته لنفسها كحاضنة للإسلام .. ولا ننسى أيضا وأبدا المرحلة العثمانية التي تتمايز بفنونها المتعددة من قصور ومتاحف للخط ومدارس وغيره. وما زال الشكل الزخرفي العثماني يزين الكثير من الأماكن. وإذا ما ذهبنا إلى حلب أيضا سنجد أعرق المدن التي يقال إنها بزت دمشق بعراقتها .. فهي أيضا مسرح للآثار المهمة، يكفيها قلعتها الشهيرة التي تقع في وسطها والتي قيل إن الإرهابيين دمروا جزءا منها فكان ذلك مثار حزن شديد لأنها من التحف التاريخية التي لا مثيل لها. لقد كانت حلب جوهرة محطات طريق الحرير التاريخية وظلت دائما مسرحا لأحداث كبرى، ولعل الأشهر أيضا فيها بعد قلعتها، أسواقها التي تمتد على مسافة ستة عشر كيلومترا وقد تم إحراقها بكل أسف من قبل الإرهابيين، وتعد تلك الأسواق الأكبر في العالم والأكثر شهرة.
إذا قلنا إذن ما هو تاريخ المنطقة؟ فنحن ننطق سوريا تقريبا، ولهذا ظلت على مداره حاضرة بقوة، بل لاعبة مهمة، وكان الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر لا يرضى بأية وحدة عربية إن لم تكن سوريا هي أساسها، بل إن الوحدة التي قامت بين مصر وسوريا كانت تجربة عربية مهمة أعطت أملا بوحدة عربية شاملة، وهي قد جعلت من الجيش العربي السوري الجيش الأول مقابل الجيشين الثاني والثالث في مصر.
ظلت سوريا عرضة للانقلابات تقريبا إلى العام 1970 حين تسلم الحكم الرئيس حافظ الأسد فأرسى فيها قواعد نظام جديد، وبعث فيها حياة مستقرة، شعر فيها كل سوري بالأمان والاطمئنان على حياته بعدما أصبح العلم مجانا من الابتدائي إلى مرحلة التخرج من الجامعات إضافة إلى أن الطبابة مجانية، لقد كان عصر الرئيس الرئيس الأب الأسد عصرا مزدهرا دونت فيه سوريا حضورا عربية متمايزا جعلها الأساس في سياسة المنطقة إن لم تكن مرجعها. ورغم ما واجهه الرئيس السوري الراحل من أزمات سواء في الداخل أو بالنسبة للحرب اللبنانية تحديدا، إلا أنه ظل ممسكا بقوة بتلك الملفات الشائكة بل قادرا على انتزاع مكاسب جمة فيها. ولا ينكر أصدقاء الأسد وحتى أعداؤه قدرته الفائقة على تحويل سوريا إلى لاعب كبير في الشرق الأوسط، هي سياسة لم تكن معروفة في سوريا من قبل.
تغيرت سوريا كثيرا في عهده، لكنه حافظ على أن تظل خارج التكبيل بالديون الخارجية، فكانت الدولة الوحيدة في العالم تقريبا التي لا دين عليها. فإذا أضفنا إلى ما كان يتمتع السوري من مميزات ليست موجودة عند غيره من العرب مثلا أو عند الكثير من بلدان العالم، نعرف عطاءاته لشعبه بما يستحق هذا الشعب، بدءا من التعليم المجاني الشامل من الابتدائي حتى التخرج من الجامعة، وصولا إلى الطبابة المجانية أيضا، وانتهاء بالكثير من الفرص المتاحة التي جعلت من سوريا مسرحا لجيوش من المتعلمين، وكان هذا رأيه الصائب في أن يقضي على الأمية تماما. ومع أنه لم يرتبط بأحلاف معروفة، إلا أنه ظل سوفيتي الهوى، كما أنه حالف إيران منذ لحظة إعلانها جمهورية إسلامية .. ولإثبات عروبته، فقد غير علم سوريا بأن أعاد علم الوحدة مع مصر علمها، فيما ظل جيشه يحمل اسم الجيش الأول لجيش الجمهورية العربية المتحدة حيث لمصر جيشها الثاني والثالث، كما قلنا.
أزمة اللاجئين
واجهت سوريا في عهد الرئيس بشار الأسد تلك الحرب الكبرى عليها في سبيل إسقاط الدولة والنظام، وتفتيت الجيش وضرب وحدة الشعب، وإنهاء المؤسسات القائمة، وذلك على غرار ما حصل في العراق حين احتله الأميركي .. لكن صمود الجيش العربي السوري وبسالة الشعب في حفاظه على وحدته، وقدرة الدولة على التحكم بكل صغيرة وكبيرة تقريبا، إضافة إلى عقل القيادة الذي عرف المؤامرة منذ قبل أن تطلق رصاصة واحدة، أفشل المخطط الخطير تماما، لكن لاعبيه ظلوا على عنادهم وخصوصا من بعض العرب من أجل إسقاط الرئيس والدولة .. إضافة إلى تركيا التي كان لافتا تجهيزها لمخيم على حدودها قبل أن تنطلق الأحداث في سوريا، ما أعطى انطباعا للقيادة السورية بأن هنالك حدثا جللا يخطط له الأتراك وإن لم يكن ظاهرا في ذلك الوقت باعتبار أن العلاقة بين الدولتين التركية والسورية كانت في أحلى حالاتها.
وحين دخلت الحرب سنتها الخامسة كانت لبنان وسوريا وتركيا والعراق قد عرفت خلال السنوات الأربع ما يمكن تعداده بأربعة ملايين لاجئ سوري على الأقل .. أقيمت على أثره مخيمات في الأردن وفي تركيا، وأما في لبنان فقد توزع هذا العدد الكبير على مساحة لبنان كله وتحول إلى قنبلة موقوتة نظرا لما يضمه في داخله من تناقضات.
لكن المشكلة التي واجهها الشعب السوري جاءت لاحقا خلال هذا العام تحديدا، كأنما هنالك سحر ساحر دفع بعض اللاجئين السوريين إلى ركوب المخاطر من أجل الوصول إلى أوروبا، فكان أن ركبوا البحر ضمن مراكب لا تصلح لعبور مياهه ضمن مسافات طويلة، فكان أن غرق المركب الأول، لكن السوريين ظلوا على إصرارهم بمعاودة الكرة مرات، وكان معظم المحاولات تبوء بالفشل وتؤدي إلى كارثة، بحيث وصل عدد الغرقى في مياه البحر أكثر من ثلاثة آلاف، لكن التجربة ظلت وواصل اللاجئون تجربة الموت السريع حتى أفاق العالم على طفل مرمى على الشاطئ اكتشفوا لاحقا أنه سوري الجنسية وأنه من غرق مع أهله وأناسه، مركب أدى إلى هذه الفاجعة الجديدة .. عندها استفاق هذا العالم على بشر يريد أوروبا مهما طال السفر، وإذ بأوروبا كلها تستنفر مقابلهم .. كأنه وباء قادم من الشرق، أو كأنه اللعنة التي ستحط في هذه القارة العجوز، فتغير واقعها وربما تاريخها وديموغرافيتها وإلى ما هنالك. ومن يتطلع إلى حركة مستشارة ألمانيا أنجيلا ميركل يعرف كم الاهتمام الهائل الذي كان يتملكها لحل تلك المعضلة الطارئة على بلادها، خصوصا وأنها كانت الهدف الأكبر للاجئين. ويومها قالت جملتها المشهورة “غدا سنخبر أطفالنا أن اللاجئين السوريين هربوا من بلادهم إلى بلادنا وكانت مكة بلاد المسلمين أقرب إليهم”.
كان مشهد اللاجئين ـ كما قلنا ـ غريبا يعيش إصرارا لا مثيل له، فأناسه ما فتئوا يسيرون غير آبهين بالمخاطر والمصاعب والمسافات الطويلة والعذاب الذي ينتظرهم والصد الذي سوف يلاقونه. لم يشعروا أن محنة ستواجههم بل هي ترافقهم في خط سيرهم، كانوا ولهين بالوصول إلى غاياتهم فقط وهي ألمانيا بالدرجة الأولى، وإذا تمكن أي بلد على الطريق أن يقدم لهم حياة فضلى فلا بأس أن يصبحوا من رواده.
اللافت، أن المستشارة ميركل قالت كلاما غريبا حين اعتبرت أن بلادها تضع خططا للاجئين سوف تدوم إلى عام 2020 وكأنها بذلك تعترف أن الحرب في سوريا باقية إلى هذا التاريخ .. في كل الأحوال يمكن فهم كلامها كذلك، وقد لا يعني أيضا أن الحرب ستستمر كل هذا الوقت بينما مسألة اللجوء إلى بلادها لن تتوقف سواء من السوريين تحديدا أو من غيرهم.
في كل الأحوال يمكن القول إن ألمانيا التي هي بيضة القبان في عملية اللجوء قد يصل عدد اللاجئين الذين ستستقبلهم إلى المليون وأكثر، ويبدو أنها وضعت الترتيبات لاستقبال هذا الرقم الكبير، وإذا كانت ألمانيا تعاني من تراجع نسبة الولادات وأنها في العام 2030 ستتراجع من 82 مليونا إلى 56 مليونا كما أسلفنا، نعرف حاجتها إلى اليد العاملة وإلى المزيد من اللاجئين مهما كثر عددهم. أما بقية الدول فيقال إن اللاجئين في إيطاليا تجاوز 120 ألفا تقريبا، في حين وصل إلى المجر 150 ألفا، دون أن يعني ذلك أن بقية الدول خلت منهم، ففرنسا يمكنها أن تستقبل مئة ألف، وأسبانيا في حدود الأربعين ألفا، وبقية الدول الأوروبية الصغيرة وغير الفاعلة بين ثلاثة وسبعة آلاف. حتى أن الولايات المتحدة قدرت إمكانية استقبالها عشرة آلاف، وكذلك حال فنزويلا أيضا ..
أما العرب الآخرون فمن المؤسف القول إنهم لم يعيروا المشهد أي اعتبار، فهم مشغولون بأمور أخرى، وخصوصا في الخليج العربي. بل إنهم نسوا أن ما يرونه ليس مشهدا عاديا على أوروبا أن تدبر نفسها كي تبعد عنهم أي علاقة مستقبلية بهذا الملف الشائك.
ثمة من يعتقد أن ملف اللاجئين سوف يكبر ويتضخم، وأن أي حل لهذا البعض الذي أوصله إصراره إلى مبتغاه، سيدفع بآخرين إلى التجربة ذاتها للحاق بالركب .. فالوضع السوري لا يبدو أن ثمة حلا له في المدى القريب، وتجربة السنوات الأربع مرة وقاسية، وإن نذر التآمر على سوريا قد يدفع بأكثر من نصف شعبها ليصبح لاجئا أو خارج أراضي دولته، وبالتالي سوف يؤدي ذلك إلى متغيرات .. فكلما طال أمد الحرب، سوف يختفي الأمل بالعودة، ومن هنا سنكون أمام حالة ثابتة وهي أن من خرج من سوريا قد لا يعود كله وأن الأعداد الكبيرة التي تعيش خارج دولتها يتم الحديث عن توطينها حيث هي .. أما أولئك الذين بلغوا أوروبا وأميركا وغيرها من المسافات البعيدة فلا أمل في عودتهم إذا ما طالت الحرب لأنهم يكونون قد كيفوا نفسهم على الواقع الجديد.
لا شك أن سوريا مقبلة على متغيرات مهمة شئنا أم أبينا سوف تطول بالدرجة الأولى شعبها بتعداده بالدرجة الأولى، والبقية سوف تأتي. ومن الواضح أن الهجرة التي نراها تبدو معظمها من فئة عمرية متقاربة هم الشباب الواعد الفتي الذي تعول عليه الدول باعتباره منتجا وقادرا على دور إذا ما أنيط به فلا يتراجع عنه. ولهذا تجد ألمانيا غير قلقة بمستقبل المهاجرين إليها، لأنهم سيكونون الجيش الجديد الذي سيبني مع القديم صروح الدولة الألمانية. ودولة كألمانيا يمكنها أن تستوعب بسرعة شتى الحالات الطارئة عليها، وهي قادرة على ذلك، ولا شك أنها وضعت كافة السبل لجعل هذا الملف مربحا بالنسبة إليها أكثر منه مقلقا، فهؤلاء اللاجئون لن يشكلوا خطرا على أحد، إنهم شعب مسالمون يبحثون عن الماء والهواء والطعام والمستقبل المختلف، ولديهم كل الإمكانيات لبذل أي عطاء إلى مصدر يحقق لهم تلك الغايات.

إلى الأعلى