الثلاثاء 24 يناير 2017 م - ٢٥ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / نذر الحرب الباردة بين كييف ودمشق

نذر الحرب الباردة بين كييف ودمشق

أ.د. محمد الدعمي

لا مفر من أن يشعر المرء بأن العالم يحبس أنفاسه الآن وهو يراقب تداعيات الأوضاع عبر أقاليم ساخنة، خشية الوقوع في غياهب حرب باردة جديدة، خاصة وأنه يلاحظ أن تبادل الأحضان والمصافحات والابتسامات بين قادة الدبلوماسيتين الأميركية والروسية لا تكمن على شيء من المصداقية، وكأنهما يحتضنان بعضهما بيد ويخفيان خنجريها في اليد الأخرى. والدليل هو أن من يتابع هذه المشاهد “الحميمة” ويقارنها بما يجري في سوريا وأوكرانيا من حرائق ودمار يصدم ببون مهول بين الصورة والحقيقة، أي الأداء أمام الكاميرات، وبين الأداء على الأرض إما بالإنابة أو بتيار الإعلام والإعلام المضاد.
للمرء أن يلاحظ هذا الأمر، مستذكرًا رعب الحرب الباردة الذي حدا بأعداد لا بأس بها من الأميركان والكنديين والأوروبيين للهجرة إلى أستراليا ابتعادًا عن مصدر الرعب والاحتكاك، متوهمين أن حربًا كونية بين العملاقين الأميركي والروسي يمكن أن تستثني أقاليم جنوب المحيط الهادي النائية!
لا يفلت من يتابع الأنباء من ملاحظة مؤشر التوتر المتصاعد، ليس فقط في المقابلات بين مسؤولي الدولتين الكبريين (أوباما، بوتين)، بل كذلك في الشكوك المتبادلة وفي الشد والجذب على “مسارح العمليات” الساخنة في الشرق الأوسط، والآن في أوكرانيا.
في الحال الثانية، يجهل الكثيرون أهمية أوكرانيا بالنسبة للاتحاد الروسي الآن، وبالنسبة للاتحاد السوفييتي سابقًا: فأوكرانيا تشكل العمق الإستراتيجي لموسكو اقتصاديًّا وعسكريًّا أو سياسيًّا وثقافيًّا وسكانيًّا (لاحظ أن 60% من الأوكرانيين هم من التبعية الروسية)، الأمر الذي يفيد بأن الروس لن يتسامحوا مع وقوعها تحت المظلة الغربية، ناهيك عن أنهم لا يمكن أن يسلموا هذا البلد المطل على روسيا مباشرة للجبروت الأميركي.
أما مسألة خرق عسكري روسي مباشر عبر الحدود الأوكرانية، فيمكن للمرء أن يتوقع حدوثه، خاصة عندما تتصاعد التحديات والتنافسات على المحك الحقيقي، وخاصة بعدما غزت الولايات المتحدة العراق دون استئذان الروس، وسواهم.
الرئيس بوتين يدرك جيدًا الآن أن أية إشارة على تهاون روسيا في قضية نفوذها بأوكرانيا يعني نهاية الأولى كقوة عسكرية كبرى عمليًّا، فالغرب سيفعل كل ما بوسعه للاندفاع وانتزاع العمق الأوكراني من الكرملين. بل إن الأغرب يتجلى داخل أوكرانيا اليوم حيث رفعت “الرايات الحمراء” في أقاليم أوكرانية يسودها استخدام اللغة الروسية، وكأنك تشهد دبيب الحياة بعروق الشيوعية التي يتوقع الكثير من المراقبين أنها قد قضت نحبها منذ بداية التسعينيات. أقول هذا وأنا أتابع فضائية RT الروسية حيث لا مفر لمن يتابعها من تحسس ذبذبات الدعاية الشيوعية إبان الحرب الباردة على نحو متواصل، ليس فقط في حقل نقد اقتصاديات رأس المال، وإنما كذلك في حقول التشبث باختلالات المجتمعات الرأسمالية.
أما على الأرض، فثمة مؤشرات نذر غزو اعتباري غربي يحاول جاهدًا استثمار تراجع الرئيس الأوكراني إلى المنفى، بالسرعة الخاطفة التي لن تترك مجالًا لعودة روسية.

إلى الأعلى