الأحد 23 يوليو 2017 م - ٢٨ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / انتفاضة المرابطين…هبَّة يا وحدنا

انتفاضة المرابطين…هبَّة يا وحدنا

عبداللطيف مهنا كاتب فلسطيني

مع بداية أسبوعنا المنقضي حلت مناسبة بدء الأعياد اليهودية بحلول ما يدعى “روش هاشناه”، أو رأس السنة العبرية، والذي يليه “عيد الغفران”، وتتلوه ما تعرف بـ”أعياد العُرَش”، أو المظلة. وتصادف في هذه المرة أن يتاح للصهاينة أن يضموا لأعيادهم هذه، التي تستمر ما يقارب الخمسة والعشرين يومًا، مناسبةً أخرى يحتفلون بها، إذ تطابق مرور ذكراها الثانية والعشرين مع بداية الأول في مسلسل مجموعة أعيادهم المشار إليها، إنها توقيع “اتفاقية أوسلو”، أو ما دعاها الفلسطينيون في حينها “اتفاقية العار”، والتي حققت للصهاينة، ووفق قولهم هم قبل غيرهم، ما لم يكونوا يحلمون به، فباتت بالتالي القمينة باحتفائهم بمرور ذكرى توقيعها وضمه عيدًا إلى سلة أعيادهم المتلاحقة هذه…وأوله:
تنازل موقعيها من الفلسطينيين، وليس الشعب الفلسطيني، وداعميهم من العرب، وليس الأمة العربية، عن 78% من فلسطين العربية، عبر الاعتراف بكيانهم الاستعماري الاستيطاني الغاصب، وتحويل المحتل مما تبقى منها، أي الـ22%، إلى أراضٍ متنازع عليها، مع تعهدهم بنبذ الكفاح المسلَّح، وبالتالي تخليهم عن خيار المقاومة، بمعنى التنكُّر لمبدأ التحرير، الذي سالت من أجله دماء القوافل من الشهداء الأبرار، وكان المنطلق الأساس للثورة الفلسطينية المعاصرة، ولا يزال المُكنَّى للمنظمة التي كان من المفترض أنها، قبل العبث بميثاقها تنفيذًا لهذا الاتفاق، الوطن المعنوي الجامع والممثل النضالي لكل الفلسطينيين وطنًا وشتاتًا، واعتماد بديل عنه خيارًا ما ثم لديهم سواه أطلقوا عليه “المفاوضات حياة”، والذي في نفقه انتهجوا كل ما من شأنه أن لا يفضي بهم إلا إلى مزيد من التفريط في مسلسل لا قاع له من التنازلات، وأن يوصلوا في ظل موازين القوى المختلة، من يومها وحتى الراهنين الأبأسين العربي والفلسطيني، إلى ما أوصلوا القضية إليه. ناهيك عن أنه أدى بهم إلى درك التنسيق الأمني مع العدو، وحوَّل سلطتهم، أو هذا الإفراز الأشوه الناجم عن هذه الاتفاقية، إلى أقل من بلدية تحت احتلال مهمتها إراحته من أعباء احتلاله، وشاهد زور على تهويد ما تبقى لشعبها من أرض، وأن تظل أسيرة في الأخذ بحسبانها في كافة مواقفها أن بقاءها من عدمه هو رهن بالتزامها القيام بدورها الذي شاءوه لها، أي ما لا يزد عن كونها أداة أمنية وظيفتها موضوعيًّا خدمة أمن المحتلين، عبر مطاردة المقاومين، والحؤول دون اندلاع انتفاضة شعبية شاملة باتت وحدها التي من شأنها فحسب قلب الطاولة وإعادة الاعتبار للنضال الوطني الفلسطيني المعمَّد بالتضحيات على مدار ما ناف على القرن.
في حينها، وإثر توقيع الاتفاق المشؤوم، الذي وجه ضربةً قاتلةً للنضال الوطني، ومزَّق الوحدة الوطنية شر ممزق، ومنح الذريعة المنشودة لعرب نفض اليد من قضية أمتهم المركزية، وانسحاب مثله على كثير من الدول الصديقة والتي كانت تؤيد عدالة قضية العرب وتقاطع الكيان الغاصب، كتبت مقالا متعلقًا تحت عنوان “وعد بلفور فلسطيني”، وها هم الصهاينة اليوم في بدء موسم أعيادهم يتوجون احتفالاتهم المصادفة لذكرى هذا الوعد باستثمار تداعياته الكارثية بتصعيد مدبَّر وغير مسبوق لانتهاكاتهم عبر اقتحاماتهم المبرمجة التي بدأوا في الإكثار منها لقدسية المسجد الأقصى بما له من رمزية وطنية وقومية ومكانة إسلامية، وذلك تنفيذًا رسميًّا لما يتم التخطيط له مسبقًا في إطار عملية إنجاز ما تبقَّى من استراتيجية تهويدية تليدة، وإرضاءً لمن يمثله في تجمُّعهم الاستعماري الاستيطاني اثني عشر تنظيمًا من غلاة المتزمتين العاملين ليل نهار وبرعاية رسمية للتهيئة لتقسيمه زمانيًّا ومكانيًّا، كخطوة في سياق التحضير للحظة التي لا يكتمون سعيهم لتقريبها، وهي إزالته وبناء الهيكل الثالث المزعوم مكانه.
مثل هذا التصعيد تمثّل في توالي الاقتحامات التي شنتها قطعان المستعمرين يتقدم أولها وزير الزراعة أوري أريئيل بحماية مشدَّدة ومكثَّفة من جيشهم، والتي تكررت واستمرت يوميا على مدار الأيام التي تلت، وتم التمهيد لها بتصنيف المقدسيين المرابطين في حرمهم القدسي ذودًا عنه خارجين على القانون وملقي الحجارة على المحتلين إرهابيين، ثم ما رافقها من بطش بالمصلين لإخراجهم من المسجد، الذي اعتلاه قنَّاصوهم وجاسوا في أروقته بأحذيتهم، ضربًا بالهراوات واستخدامًا للرصاص المطاطي وقنابل الغاز والقنابل الصوتية، ثم إقفال أبوابه ومحاصرة المرابطين في مصلاه القبلي وقطع الكهرباء عنهم بغية إرغامهم على إخلائه ليستبيحه غلاتهم ويقيمون شعائرهم فيه…
لكنما مرابطو المقدسيين المستفرد بهم، سواءً داخل الحرم أو في حواري قدسهم خارجه، صمدوا رغم ما لحق بهم من عشرات الإصابات والاعتقالات وذادوا بأسنانهم وأظافرهم عن ما يعنيه ويرمز له أقصاهم، هذا الذي تعرض هذه المرة لاعتداءات لا سابق لها منذ أن دبَّروا جريمة إحراقه عام 1969، إذ حتى الآن، ونقول حتى الآن، لأن الاعتداءات متتالية ومستمرة، هُشِّمت حوالي 35 نافذة من نوافذه التاريخية، إلى جانب اقتلاع باب وتضرر سبعة من أبوابه، واحتراق سجَّاده في أكثر من 12 موضعًا، وتدمير إنذار الحرائق فيه.
…في مواجهة هذه الاقتحامات تحوَّل كل المقدسيين إلى مرابطين، وحيث تناطح كف البطولة العزلاء مخرز الاستفراد المدجج المعربد انتفض مرابطوها، وإذ لا من معتصم عربي يُنتخى ولا من نصير مسلم يُنتصر، وحدها حجارة القدس من تضامن مع هبَّة يا وحدنا المحاصرة الآن خلف أسوارها الصامدة… ووحدها من يسارع نتنياهو إلى إعلان الحرب على راشقيها، وتعتبر وزيرة عدله إيليت شاكيد “من يتم اعتقاله لإلقائه الحجارة مثل شخص يحمل سلاحًا قاتلًا”…

إلى الأعلى