الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / إلى بحرِ إيْجَة

إلى بحرِ إيْجَة

علي عقلة عرسان

إلى بحر إيْجَةَ.. كان السَّفَرْ،
وكانت طقوسٌ على الماء، كان السَّهَرْ.
ترامت شُموسٌ هناكَ، وغاضَت همومٌ كبارٌ،
وعادَ الكبار صغارًا..
وطابَ اللقاءُ وطابَ السَّمَرْ.
وراحتْ سرايا من الرَّغباتِ، على صهواتِ الرياحِ، تجوبُ البحارْ،
عرايا على صفحاتِ سرابٍ، بعيدِ المنالِ، قريبِ النظرْ..
تُحبُّ المرايا، ورسمَ العرايا، وكشفَ الخفايا، وخطفَ الصُّوَرْ.
وأشرَق في الماءِ، في بحرِ إيْجَةَ،
سربُان باللازورد المزنَّر بالاحمرارْ،
سربُ عرابٍ صبايا، وسربُ محارْ،
على ليلكٍ ناضرٍ، وبقايا نهارْ،
ومرجان شِعبٍ يموجُ، وما لتمواجه من قرارْ..
تُكاثِرهُ موجةٌ من خدَرْ..
فيُخفي المحارَ المعرَّى، ويبدي الصبايا على سررٍ من بهارْ.
نظرنا.. انبهرنا، وذبنا انبهارًا..
وشابت شفاهَ الكبارِ اشتياقًا..
لأيام كانوا صغارْ..
وماج الصغارُ، وغابَ الحذَرْ..
وأطلق شيخٌ عنانَ الصِّبا في المدارْ..
وأبحر قلبٌ على قاربٍ،
ليتبع قلبًا يصيدُ المحارْ..
فصحنا: مُهَيلَك يا شيخ..
فاشتدَّ، واشتدَّ، حتى استبدَّ،
وراح يباري الرياحَ، وينفثُ شوقًا بنارْ..
ضحكنا، فرِحنا، طرِبنا..
تراشقت الأعينُ ضحكاتِنا،
وراحتْ، مع الموجِ، نحو الديارْ..
يرتِّلها الطيرُ مثلَ التسابيحِ،
يغنِّي مسارًا، وينسى مسارْ..!!
فرِحنا.. طربنا.. وصرنا صفاءَ المرايا..
وصار المدى مفعمًا بالندى،
بصوتَ أصواتنا، والصدى..
وكلُّ الدنا لغنانا انتظارْ..
ـ ٢ ـ
وفي بحرِ إيجةَ، من بحرِ إيجةَ..
أقبَلَ غيمٌ يجرُّ الإزارْ..
ثقيلٌ الدِّثار، كئيبُ الظلال، بعيدُ المزار، يُظَنُّ.. قريب المزارْ..
يراسلُ بالبرق كلَّ الجهاتِ، وكلَّ البحارِ، وكلَّ القفارْ..
ويرعدُ.. نهتزّ رعبًا، ونَسْتافُ بردًا، ويَستاف نارْ..
وينشر تطييبَ عشبٍ، وآثارَ تربٍ، وموجاتِ غارْ..
وينهَلُ من كلِّ عرقٍ دماءً، وماءً.. حياةً،
ليسقي شروخَ البلادْ..
ويروي قلوبَ العبادْ..
ويحكي الحكاياتِ في كلِّ وادْ..
يغنّي “العتابةَ، والمَيْجَنا”..
على بيدرٍ من ثمار المنى..
ويعطي الجمالَ، ويعطي الغِنى..
ويحيي الصَّبابَةَ في كلِّ قلبٍ..
وعُرسًا تضجُّ به كلُّ دارْ،
ويزجي إلى الأرضِ بُشرى الربيعِ..
ففي الأرض تنمو المنى بالمطرْ.
ـ ٣ ـ
على بحرِ إيجةَ كان السهرْ..
وكان اللقاءُ، وكان السَّمرْ..
وكان الغناء، وكان البَطرْ..
وكانت لنا وقفة في الزمان..
كقصف الرعودِ، وزخِّ المطرْ.
ومن بحرِ إيجة عدنا سرايا..
خسرنا المطايا، ولهوَ السفرْ..
وما عادَ سربُ الرِّغاب العرايا على صهوات الرياح،
ولا عاد لحن الوترْ.
وغابَ سرابٌ يحبُّ المرايا، ويختارُ رسمَ العرايا، وكسرَ الصورْ..
وأمعنَ في الغوصِ حتى النهاية، سربُ الصبايا، وسربُ المحارْ..
وشيخٌ شديدُ المراسِ تَصابى، فأعيا الرياحَ، وعلَّا وطار..
وما عاد عطر البراري إلينا، ولا سهرات السَّمَرْ..
لقد عاد زخُّ المطر..
وعدنا يتامى المطر..
ومن بحر إيجة جئنا،
لنبدأ أصل الحكايةِ، سِفرَ السَّفرْ..
ونحكي عن المبتدا والخبرْ..
عن اليوم، والأمسِ، والمنتظَرْ.
ومن بحرِ إيْجَة..
إلى بحرِ إيْجة..
بدأنا السفر.

يا لقلبي.. كيف يبقى؟!

كلما أشرقت الضحكةُ في بيتٍ سعيد،
كلما غرَّد طفلٌ في مُهيدٍ من ضلوع السنديان،
كلما أشرقت الفرحةُ في عينينِ، وامتدَّ الحنان..
جنةً.. فيضَ أمانٍ وأمان..
كلما دارت دواليبُ الزمان..
غام مني الرأس، والعينان، واسودَّ المكان..
وانطفا مصباح قلبي..
وتغشَّاني ظلامٌ، راح يُبدي ويُعيد..
يسرد القصةَ من أوَّلها،
ثم يحكي، ثم يحكي ويزيد.
خطوةٌ في العتمة السوداء يخطوها دمي..
ثم أخرى في محيطٍ من دماءٍ وجليدْ..
آه.. قدَّامي محيطٌ من دماءٍ وجليدْ..
فيه ليلٌ، وأفاعٍ، ورياحٌ هائجاتْ..
وبقايا من أنينٍ، وقصيدْ..
وكُسيْراتُ قديدْ..
وتفاصيلُ حياة تترامى من بعيدْ..
وضفافٌ للسبايا، وضفافٌ للعبيدْ..
وفحيحٌ للنوايا، وزئيرٌ للوعيدْ.
ـ ٢ ـ
ذكرياتي، ودموعي..
نبضُ قلبي، وخشوعي..
وتفاصيلُ ذهابي، ورجوعي،
في فضا روحي، وفي الكون البعيدْ..
كلها تُبدي، تُعيد..
وتحاكي ذلك الوقت الشديد..
يومَ ودَّعتُ صغيري في متاهات النشيدْ..
بين أنواحِ الصبايا، وجراحٍ، وصديد.
راح يحبو عبرَ بواباتِ موت..
وسياط تتولاني، وأسياخُ حديد..
وصراخ الكَبْدِ يُبدي ويُعيد.
”آه يا كبدي، ويا وجدي، ويا طفلي الوحيد..
آه يا ظِلي، ويا حبلَ الوريد..
كيف تدنيني وأبقى في البعيدْ..
كيف يا ترياق روحي..
كيف تبقي في يدي قيدًا، وفي قلبي نشيدْ..
وأنا زحفٌ على الجمرِ، إلى ظلٍّ على نهرِ الجليد..
كيف يا ترياق روحي.. وأنا أنتَ، أبيدٌ في أبيدْ”؟!
صامدُ الروح، ولكن..
كيف لم أكسرْ قيودي..؟
كيف لم أقطع صِلاتي بوجودي، بالعبيدْ..؟
كيف أبقى.. والبقايا، والمنايا، والحكايا..
في خلايايَ.. صديدٌ في صديدْ..
رملُ بيداءٍ مسجّى، ورياحٌ من جليدْ..
وأمامي ظلمة الوقت بحارٌ..
وأنا الزنجي محمولًا إلى سوق العبيدْ..
في ضلوعي مرضُ السلِّ، وفي عينيّ رعبٌ، ونزيفٌ في الوريد..
يا لهذا القلب من غِرٍ، ومجنونٍ، وجبارٍ عنيد،
سرَّحَ الروحَ ببيداء الزمان..
وانتشى حلمًا على وسع المكان..
في دهاليز حياةٍ من رمادٍ، وجليدٍ، وحديد..
يتحدَّى وينادي،
مثل مفتون البوادي،
مثل مفجوعٍ بحبٍ،
مثل مسكونٍ بجان في النوادي:
“أين حُبي، وحياتي، وصِغيري، ونشيدي..
أين عيدي..
فيضَ روحي، ومسرّاتي،
مجالاتِ الأمان..
أين قومي، أين أهلي..
أين ظِلّ البيت، والبسمة، إسْفارُ الحنان..
أين ما كُنّا، وكان..
أين يا هاذا الزمان..”؟!
ـ ٣ ـ
يا لهذا القلب من غِرٍ، ومجنونٍ، وجبَّارٍ عنيدْ..
يقطفُ اللحظةَ من نبضٍ وئيدْ..
في مدى شريانِ قلبٍ أو وريدْ..؟!
كيف يُبدي ويُعيد..
كيف يبقى صامدًا، في حُلْكَةِ الظلمِ، وأسواقِ العبيد..
كيف يبقى، وحصادُ الوقتِ أطفالٌ، وأرواحٌ، وأوطانٌ.. تَبيد..
وصبايا، وسبايا..
مُقلٌ تدمى، وأجسادٌ عرايا..
عبرَ صحراءٍ ترامت،
عبرَ تيارِ الجليدْ..
كيف يبقى، ورجالٌ من صديد..
أفسدوا الأرض، وما زالوا المزايا..
و”ضياءَ الناس”، والرأي السديد؟!
كيف يبقى حالمًا بالنورِ، واليوم السعيدْ..
كيف يُبدي، ثم يُبدي، ويُعيدْ..
وهو شلوٌ في المكان..
وأنينٌ في الزمان..
وصدى للموت في حيٍّ يُهانْ..
يا لقلبي، كيف يبقى..
كيفَ يبني، ويشيد؟!

إلى الأعلى