الأحد 28 مايو 2017 م - ١ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن: الدعوة لضبط النفس لا تردع معتديا

رأي الوطن: الدعوة لضبط النفس لا تردع معتديا

في ظل ما يتربع على عرش المشهد العربي من إرهاب وتكفير تقف خلفهما قوى دولية وإقليمية، لا أحد يمكنه أن ينكر حقيقة أن المنطقة أضحت فريسة للإرهاب والتكفير، وهذا هو المصير الجديد المراد والمعد بكل عناية في مطابخ استخبارات الاستعمار القديم ـ الجديد؛ لكي يتمكن من تحقيق أهدافه بالسيطرة على المنطقة وثرواتها، وإعادة تقسيم دولها ووضع فتاتها بين أنياب هذا الاستعمار بقديمه وجديده، بما يحقق الهدف الأكبر الذي تدور حوله كل الجهود والمؤامرات والدسائس، وهو تنصيب كيان الاحتلال الإسرائيلي شرطيًّا ووصيًّا على المنطقة، وهذا الهدف لن يكتمل إلا بتصفية فلسطين وقضية الشعب الفلسطيني.
وفي عمق هذا التوجه وهذه النزعة الجامحة والمنافية لكل المبادئ والقيم، والمتوافقة مع قيم الاستعمار القديم ـ الجديد، كان الإرهاب المرتكز والأداة الفاعلة والاستعاضة بها عن الحروب العسكرية التقليدية المباشرة لإخضاع المنطقة وتحقيق أهداف الإخضاع، ولما كانت الرغبة في إعطاء أداة الإرهاب قوة دفع أكبر للتعجيل بتحقيق الأهداف والمشاريع الاستعمارية كان لا بد من أن تدهن هذه الأداة بسموم الطائفية والمذهبية، ما أدى إلى نمو خيارات لم يألفها الإنسان ذو الفطرة السليمة واتجاهات كانت بمثابة المجهول أو المعلوم الذي لا يصلح للتداول، لتشهد المنطقة ولادة معادلة الإرهاب والتكفير، وليكون جناحاها وجهين للمعادلة، فصار التكفير مادة لتغذية الإرهاب وزيتًا لمضاعفة نيرانه، وتحول الإرهاب إلى مادة جاذبة ومثبتة للتكفير.
وإزاء هذا القدر المتيقن، وبين قوى ملَّكت ما لا تملك لمن لا يملك ولا يستحق، وقوى استلمت المهمة وبنت سياساتها واستراتيجياتها على شحذ خنجر الاحتلال الإسرائيلي، والعمل على أن يبقى غارزًا في خاصرة الوطن العربي، اكتفى مجلس الأمن بالإعراب عن “قلقه البالغ” إزاء تصاعد التوترات في القدس المحتلة، جراء الانتهاكات الإسرائيلية غير المسبوقة بحق المسجد الأقصى والمرابطين به، داعيًا “إلى ممارسة ضبط النفس، والامتناع عن الأعمال الاستفزازية والخطابة، والمحافظة ـ ودون تغيير ـ على الوضع التاريخي الراهن في الحرم الشريف ـ قولًا وممارسة”، ومطالبًا “بالاحترام الكامل للقانون الدولي، بما في ذلك القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي”.
طبعًا لا أحد يستغرب من هذه اللغة الباهتة التي صيغت في بيان صحفي وقد أعيدت صياغتها مرات ومرات، وحذفت عبارات، وأضيفت أخر من قبل أعضاء في مجلس الأمن الدولي كانوا ولا يزالون حامي حمى الاحتلال وجرائم حربه، وفق ما بينه المندوب الروسي في المجلس الذي تتولى بلاده الرئاسة الدورية هذا الشهر. فليس غريبًا أن تعيد وتزيد دول مثل بريطانيا وفرنسا ومعهما الولايات المتحدة في البيان الذي لا يساوي قيمة الحبر الذي كتب به.
والجدير بالملاحظة، هو أنه في الوقت الذي يواصل فيه كيان الاحتلال الإسرائيلي انتهاكاته وتدنيسه للمسجد الأقصى ويدمر الآثار والرموز الإسلامية فيه وعلى منبره، منبر صلاح الدين، ويعتدي على المصلين المرابطين المدافعين عن حرمة المسجد بالضرب المبرح والاعتقال والقنابل والغازات والرصاص، ويمضي في تقسيم المسجد مكانيًّا وزمانيًّا، كانت أذرع الاستعمار القديم ـ الجديد تلوي أعناق بيان مجلس الأمن بهدف ذر الرماد في عيون العرب والفلسطينيين، ورفع العتب والحرج، ولهذا لم يرقَ البيان إلى الإدانة. لكن تلك الأذرع مع هذه الخيبة من مجلس الأمن، هي في صلب المهمة نحو إيصال الاحتلال الإسرائيلي إلى أمتاره الأخيرة، سواء بتقسيم المسجد مكانيًّا وزمانيًّا، أو بتصفية القضية الفلسطينية، فبيان مجلس الأمن ذاته فيه ما يوحي بتأييد الانتهاكات الإسرائيلية خاصة ما يتعلق بتقسيم المسجد، وذلك حين طالب بـ”السماح للمصلين بممارسة شعائرهم في سلام، بعيدًا عن العنف والتهديدات والاستفزازات، وضبط النفس واحترام قدسية المنطقة”، و”الوقف الفوري لأعمال العنف والامتناع عن أي أعمال استفزازية، بهدف استعادة الحياة الطبيعية بطريقة تعزز آفاق الأوسط السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين”.
إن هذا الموقف هو رسالة واضحة لعرب “الحريق العربي” الذين يدعمون تلك الأذرع والقوى في مجلس الأمن التي تدخلت بكل قوة لتخرج هذا البيان الباهت، والذين يعملون على تحقيق أهدافها التدميرية والاستعمارية بحق المنطقة، فمتى سيصحون؟ ‏

إلى الأعلى