الأحد 22 أكتوبر 2017 م - ٢ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / السياسة / هم لم يسعوا إلى الموت إنما هربوا منه

هم لم يسعوا إلى الموت إنما هربوا منه

من أفظع الأمور في الدنيا أن يمضي الإنسان في طريق وهو على علم مسبق بمخاطره، وأنه من الممكن أن يؤدي في النهاية إلى حتفه، ولكنه لم يجد بديلا عنه، وقد أُرغم على فعله أملا في النجاة والحصول على مستقبل أفضل (إن وجد) له ولأطفاله.
حروب وإرهاب، بؤس اقتصادي واجتماعي، وأحيانا قمع سياسي واضطهاد وعنف، أسباب تدفعهم عائلات، وأفرادا، ومجموعات، للقيام بـ(رحلة الموت) بحثا عن الحياة، وهروبا من ذلك الواقع المرير الذي يعيشونه في بلدانهم.
نعم هم اللاجئون، الذين تصدرت أزمتهم التي وصفت بالأسوأ منذ الحرب العالمية الثانية، عناوين الصحف العالمية والعربية مؤخرا، والذين بلغ عددهم بحسب آخر إحصائية للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين، نحو ربع مليون لاجئ منذ بداية 2015، و60 مليون لاجئ حول العالم.
بعيدا عن أرقامهم وأعدادهم، وأسباب هجرتهم التي لا تخفى على أحد، تثار تساؤلات بشأن ما قدمه العالم لهم والغرب تحديدا للتخفيف عن معاناتهم في ظل التزايد المستمر بأعدادهم، وسلسلة الحوادث المأساوية التي يتعرضون لها، من اختناق داخل الشاحنات وغرق المئات في أعماق البحر المتوسط.
الحقيقة واضحة، فالشاشات لا تتجمل، وعدسات الكاميرات لا تكذب، والصورة (صورة الطفل ايلان وغيره من آلاف الغرقى والمختنقين ممن لم يتم تصويرهم أو نشر أسمائهم) لا تحتاج إلى قارئ نشرة يتصنع البؤس أو يختلق الخبر.
أما الناجون منهم، فبمجرد وصول قواربهم إلى الميناء، يقف في استقبالهم مئات من قوات الأمن، بعضهم مدجج بالسلاح، وبعضهم الآخر بزجاجات المياه والوجبات الخفيفة والأغطية. سرعان ما تقترب كاميرات التصوير ليتضح المشهد الرهيب، أعداد غفيرة من الهاربين من الجحيم الذي زُرع في بلدانهم. وما أن يدرك هؤلاء أنهم باتوا هناك (ملاذهم الأوروبي) حتى تنفرج الأسارير، بعضهم يلوح بعلامة النصر، لم يعلموا أنهم سيمضون ليالي عدة على أرصفة الطرقات أو وسط الأسلاك الشائكة أو قد يلقون حتفهم على يد مجموعة من الشباب الكارهين للأجانب أتباع اليمين المتطرف.
باختصار، لم تمد أوروبا يد العون لهؤلاء اللاجئين كما يجب، ولم نجد جهدا حقيقيا لمنع هروبهم بالآلاف من بلدانهم مثلما ينبغي، فيوميا تزداد هوة الانقسام بين الدول الأوروبية اتساعا، بسبب تباين الرؤى بشأنهم. حتى ألمانيا التى كانت انتهجت سياسة اليد الممدوة بدافع نفعي (براغماتي) خلال الأسبوعين المنصرمين، انضمت إلى قوافل دول سياسة السياج وإغلاق الحدود ومراقبتها، بسبب مشاكل لوجستية، حسب برلين.
الرئيس السوري بشار الأسد تطرق في حوار له مع الإعلام الروسي، الثلاثاء الماضي، إلى موضوع اللاجئين السوريين والسبب الحقيقي وراء هروبهم من الأراضي السورية، حيث أوضح أن تعامل الغرب، ومن خلال الدعاية الإعلامية الغربية مؤخرا، وبصرف النظر عن الاتهام بأن أولئك اللاجئين يهربون من الحكومة السورية، أو ما يسمونه النظام، فإنهم يبكون على اللاجئين بعين، بينما يصوّبون عليهم رشاشًا بالعين الأخرى، هذا لأن أولئك اللاجئين تركوا سوريا في الواقع، بشكل أساسي بسبب الإرهابيين وبسبب القتل، وثانيًا بسبب نتائج الإرهاب. عندما يكون هناك إرهاب، وعندما تدمر البنية التحتية، لن تبقى الاحتياجات الأساسية للحياة متوافرة، وبالتالي فإن الناس يهربون بسبب الإرهاب، ولأنهم يريدون كسب رزقهم في مكان ما من العالم. مضيفا (الرئيس السوري) “طالما استمر الغرب في اتباع هذا النهج الدعائي، فإنهم سيستقبلون المزيد من اللاجئين، فالمسألة لا تتعلق بأن أوروبا لم تقبل أو تحتضن اللاجئين، بل تتعلق بمعالجة سبب المشكلة، إذا كانوا قلقين عليهم، فليتوقفوا عن دعم الإرهابيين”.
إن استمرار دعم الإرهابيين وغياب استراتيجية أوروبية موحدة يفاقم الأزمة، فكل دولة تحاول اتخاذ إجراءات منفردة، بعضها في شرق أوروبا رفض بحزم الموافقة باسم القيم الأوروبية على استقبال الحصص المخصصة لهم من اللاجئين.
وبدلا من المتاجرة بقضية اللاجئين يجب تطبيق سياسة واضحة لمعالجتها، سياسة تبدأ بإنقاذهم من قبضة السماسرة تجار البشر وتفكيك شبكاتهم، واتخاذ إجراءات حاسمة ضد المتورطين في تلك العمليات “القذرة”، والعمل على تجهيز مراكز استقبال حضارية تحفظ كرامتهم، بدلا من تضييق الخناق عليهم ووضع الأسلاك الشائكة والجدران المرتفعة أمامهم، أيضا من الضروري أن تعيد تلك الدول النظر في موضوع طلبات اللجوء، ومراعاة القانون الدولي في التعامل معها.
ويبقى اللاجئ أو المهاجر، ضحية الحروب والإرهاب والعصابات المجرمة التي ولدت من رحم مؤامرات الغرب وعملائهم في المنطقة وأيديولوجياتهم المأفونة، فهو لا يسعى وراء حتفه، بل يهرب من الإرهاب الذي زرعه الغرب وعملاؤه، بحثا عن الأمان والحماية في رحلة يواجه خلالها عقبات شديدة، رحلة محفوفة بالمخاطر والعنف واللامبالاة من قبل سلطات دول العبور أو اللجوء، فالمسألة هي أزمة ضمير وأخلاق وقيم إنسانية.

طارق علي سرحان
Mr.tarek3010@hotmail.com

إلى الأعلى