السبت 21 يناير 2017 م - ٢٢ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / المؤرّخُ المفقودُ في التاريخ

المؤرّخُ المفقودُ في التاريخ

مِنْ حسناتْ برنامج المحادثة الهاتفي “الواتس أب” أنْ يبهركَ بمعلومةٍ تُعيد ترتيب أوراق التاريخ من جديدٍ في تدوينتك الفكرية ، رغم أني مع زلت أتهم الواتس أب مع سلالته الالكترونية الفيس بوك والتويتر وغيرهما أنهما من أسباب ضعفنا القرائي ومحصلتنا الثقافية.
عند الكثيرين من قارئي التاريخ العماني، يتسلسل الترتيب الزمني بتولي الإمام الخليل بن شاذان الخروصي الإمامة ثم الإمام راشد بن سعيد الخروصي، وهذا مُثبت في معظم المصادر والمراجع التي كتبت التاريخ العماني ككشف الغمة والتحفة، وسلَمَ به اللاحقون بدءًا من (المؤرّخ) المنغمس في نقْعِ التاريخ إلى قارئِ التاريخ البسيط، ولا أظنّ أنّ هناك من كلّف نفسَهُ عناء التدقيق ومراجعة التاريخ، لعل نقطة حبرٍ سقطت في حرفٍ فغيّرتْ معنًى تغيّر بها كتابة التاريخ وسينمائيته في أذهان مُتلقِّيهِ مِنْ بَعد، حتى أنفتح لي الفتحُ العظيم برسالة في مجموعةٍ تهتم بالتاريخِ في برنامج “الواتس أب” الذي كثيرًا ما تُحذَف رسائله دون قراءة لتشابهها كتشابه وجوه الحصى في الطريق.
فحوى تلك الرسالةُ أنّ الإمام راشد بن سعيد اليحمدي هو الذي تقدم على الإمام الخليل بن شاذان ، وليس العكس، حتى كشفت عمليات الترميم التي كانت تقام على جامع قلعة بهلا عن “كنز” ثمين، ومعيار “كنزيّته” هنا ليس في العثور على مسكوكات تعود للقرن الخامس الهجري تؤكد تَقَدُّم واستقلال عمان في سكّ وإصدار عملاتها النقدية فحسب، بل لتغيّر مسار المعلومة التي تُحاول هذه المسكوكات تقديمها، وهي أنّ الإمام راشد بن سعيد سبق الإمام الخليل بن شاذان، اعتمادًا على تاريخ سكّ النقود الموضح في العملات.
مِنْ باب وجوب نسبة الحق لأهله والاقرار به، فإنه يُذكر للشيخ “المؤرخ” سيف بن حمود البطاشي أثناء ترميمه لبعض الوقائع والتواريخ اكتشافه خللا في تأريخ بعض الوثائق والتواريخ، طارحًا رأيه “المُسْتَجَدْ وربما الصادم” أنّ إمامة الخليل بن شاذان كانت بعد إمامة راشد بن سعيد ، وليس العكس كما هو مشهور، وهذا التحقيقُ الذي قام به الشيخ البطاشي يُحْسَبُ له كمحاولة جادّة في استقصاء التاريخ من مصادرهِ العسيرة، وعدم نقلِهِ ما دوّنه سابقوه، وهي صفة ضرورية مفقودة عند أكثر مُدَوِّني التاريخ ، ربما حتى عند مُعاصري الحدث التاريخي، ومصادر التاريخ الأسهل في اللمحة الأولى من البداهة التي يركُنُ إليها مُتناوِلُ التاريخ هي الوثائقُ والمخطوطاتُ فقط، بينما كشف لنا “كنز العملات البهلوي” عن معلومَةٍ أدقُّ بحُكْمِ القرب الزمني من الإمَامَيْن، وهكذا فنحن أما مصدَرٍ مفقود من مصادر التاريخ البشري مَغَيّبٍ عن البصر والبصيرة، إلّا عند الحذقين من المشغوفين بتتبع مصادر التاريخ المهجورة، وكذلك هنا أستذكر البحاثة خالد بن سليمان الخروصي الذي تتبع شواهد القبور واستخرج منها تواريخ الوفيات لأعلام نزوى العريقة، وغيرها من الأعلام العُمانيين.
لا يوجد في المخيال العلمي أو الأدبي شخصية “شارلوك هولمز” الذي يُمكنُ أنْ يُطِلّ مِنْ نباهةِ الزمن ويُصوِّبَ مسار الأحداث كما يُعيدُ طفلٌ ترتيب لعبة “الأوريغامي” حتى يصل للصورة الحقيقية الصحيحة، وفي الحديث عن التاريخ فإنّ “شارلوك هولمز” يحتاجُ إلى قرائن تاريخية لإثبات مسار التاريخ، ربما قد يكون ذلك بعد أنْ تمتلئُ التوابيتُ بالتراب، وتُصبح لا حاجة في الوثائق إلّا قراءة التوقيع أسفلها مذيّلا بكلمة “للعلم”، ولِتَصحيح المعلومة.
أكبر مشكلة في تدوين التاريخ هي عدم وجود التاريخ نفسه ، فماذا سيُدوّنْ إنْ لم يكن التاريخ موجودًا، أو مغيّبًا أو مُحوّرًا أو مزيّفًا أو… ، وهذا يتماهى مع مقولة سيد قطب “إنّ التاريخ ليس الحوادث، بل هو تفسير الحوادث” ، وهذا أوجدنا كذلك مع مشكلة أخرى في سؤال متكرر وهو مَن المؤرّخ؟ وهي أسئلة استقصائية شبعت جدلًا وبحثا، حتى أوجدت معارف “فلسفة التاريخ” التي تثير الأسئلة، وتناقش قضايا الاشتباك الثقافي بين المفكرين، بل بين الدول في تداخلاتها الثقافية التي استُخدِمت أو بسببها نشبت الأزمات السياسية، فالتاريخ ناموسٌ روحيّ، وهو من مقوّمات التدافع الذي جعله الله قدرًا في البشرية، لذلك أجدنُي أقولُ: “إنه يصعبُ الإقرارُ أنّ التاريخ سواءً كان معاصرًا أو غائرًا تاريخ دقيق صحيحٌ بنسبة كاملة، وذلك ليس بسبب كتابته فحسب، بل بسبب تأويله كذلك، كيف لا، والخصومات لَمْ تَشُبّ، الفِرَقُ لَمْ تتطاحنْ إلّا بِعلّةِ التأويل؟ وهذا قد يؤول إلى تاريخ ينتجُ تاريخا آخر.
في عمان قَبْلَ أنْ نُسْلِمَ لقول أن معظم تاريخ عمان مغيّب، لعامّة الناس ، -وليس للبحّاثة كأقل تقدير – ولأسباب عديدة منها أو أهمها هو عدم “توفره، ومنها الأسباب السياسية والاجتماعية والعلمية وغيرها من الأسباب-، فإننا نجدُ أنّ معظم القراءات التاريخية الآنيّة –لغير المختصين – تُؤخذ عن كتاب “تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان” للإمام نور الدين السالمي، الذي جمع كتابه من مصادر متفرقة، وبه بعضُ تعليقاته عليه في محاولة منه للتحقيق، لكن الإمام السالمي لا يُمكن أنْ يكون مؤرّخًا بالمعنى الحرْفي لكلمة المؤرّخ، وخصوصا في تأريخه عن القرون الغابرة التي استقى الإمام السالمي مادتها التاريخية ناقلا غير مُطّلِعٍ على الوثائق أو الدلائل أو القرائن أو الشواهد، وهذا المقال لا يتقصّد تتبع منهج الإمام السالمي في تحفة الأعيان، ولمن يريد ذلك فعليه العودة لبحث للدكتور إسماعيل بن صالح الأغبري، الموسوم بـ”دراسة وصفية حول تحفة الأعيان” خصوصا الفصلين الثاني والثالث منه، والبحث مرفوع في موقع كوكب المعرفة على شبكة المعلومات العالمية الإنترنت، وهذا يظلُّ ينقرُ جرس السؤال عن وجود مؤرّخ عماني حقيقي، يوازي منكبًا بمنكب هيرودت أو ابن الأثير وغيرهما ، هناكَ مُدَوِّنو تاريخ عمانيون، بعضُهم عاصر الأحداث ودوّنها فقط ككاتب سيرة الإمام ناصر بن مرشد مثلا، أو غيرها والأمثلة كثيرة شهيرة، وبعضُهم حلّلها وفق منظومتِهِ الأيدلوجية كالشيخ أبي المؤثر في كتابه الفقهي التاريخي العظيم “الأحداث والصفات” والشيخ الموسوعي أبي بكر الكندي في كتابه الإهتداء، لكني لستُ متأكِّدًا من وجود المؤرِّخُ المحقق الذي يُحايدُ في كتابة الأحداث ويُحلِّلها ، وينبشُ في الوثائق، وأعترفُ أنّ ذلك قد يكون توافرُهُ صعبًا في شخصية واحدة. أعترفُ أنه بدا عليّ أنني أتطلّب ذلك المؤرخ بقدرات استثنائية خارقة ، من طراز “أنا بكل شيءٍ عليم” يعلمُ النوايا وما كان ويكونُ وسيكون، لا يعزب عنه ولا يغيب مقدار ذرّة من غبار التاريخ، وهو ما يُقولُ لي أنّ ذلك قد يكون في المخيال الأدبي والفني.

يونس بن مرهون البوسعيدي

إلى الأعلى