الأحد 24 سبتمبر 2017 م - ٣ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / تقزيم الذات وتعظيم الغرب خطأ أيتام الحضارة

تقزيم الذات وتعظيم الغرب خطأ أيتام الحضارة

د.أحمد القديدي

” .. كان الزعيم بورقيبة يؤمن بأن التقدم له وصفة جاهزة تصلح لكل زمان ومكان وكان هذا خطؤه الأكبر في التقييم والتقدير. فحدثت مصادمات بينه وبين شيوخ الزيتونة حين هاجم بورقيبة ركنا من أركان الإسلام وهو صوم رمضان ثم توج كل هذا بالدفع إلى سن قوانين الأحوال الشخصية التي انفردت بها تونس وحدها في العالم العربي والإسلامي”
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
من خلال أدبيات الجدل الفكري العربي الذي نتابعه اليوم بعد مصائب الهزات وطغيان الفوضى نستنتج أن الصراع قائم بين من يسمون أنفسهم (حداثيين وأتباع دولة مدنية محض) ومن يدعون أنهم (مناصرون للهوية والتمسك بالمرجعية الإسلامية) ولعل جوهر هذا الخلاف هو إيديولوجي ومصلحي في الحقيقة يتخفى وراء ستار الشعارات. فنجد أنموذج تونس على سبيل المثال قائما أمامنا وقد بلغ الجدل بين النخب درجة التخبط بين من يعتقد أن (النمط التونسي) هو نمط حداثي نهائي لا تراجع عنه إلى الأبد (نفس ما اعتقده الإيرانيون الحداثيون تحت طغيان شاه ايران
وثورته البيضاء واحتفالات قورش الأكبر حين صنعت (نمطا إيرانيا نهائيا !!! بعد ثمانين عاما من النظام الشاهنشاهي العلماني) حتى زلزلت الأرض في فبراير 1979 ووصل الإمام الخميني على طائرة فرنسا الجوية من باريس ليسقط ذلك النمط الحداثي إسقاطا مدويا ودمويا ويؤسس الملالي بعده وعلى أنقاضه نظاما يفرض قوة إقليمية وحضورا لا لبس فيه مهما كانت اختلافاتنا معه ومأخذنا عليه!!!.
الذي يجري في تونس هو أن من يدعون إقصاء أية قيم دينية عن إدارة المجتمع بعد ثورة يناير 2010 يقدمون لنا دائما رؤية ثابتة وهي أن الغرب حين استعمرنا قام بتمديننا وإلحاقنا بركب الحضارة ! فنحن اليوم نتكلم لغته ونعبر بها (حتى أغلب وزرائنا يتكلمون فرنكو ـ عربية! افتح التلفزيون التونسي وقل لي ما رأيك ؟) ونلبس لباسه ونورد قوانينه في تنظيم الأسرة بعد أن تخلى هو نفسه عنها ! إن نظرية التفوق الفرنسي (والغربي عموما) هي نظرية خاطئة وبائسة وهي مرجعية العلمانيين التوانسة والمغاربيين جميعا.
فتونس لو حللنا هندستها الوراثية في تاريخها الحديث نجد أن الجيوش الفرنسية احتلتها سنة 1881 بينما كانت مملكة تنعم بالاستقرار والأمن على مدى قرنين وكانت كأغلب شعوب المسلمين ولاية من ولايات الخلافة العثمانية إلا أنها تملك قرارها وتسن قوانينها دون وصاية حتى أن الفرنسيين لما غزوها وقتلوا المقاومين (حسب شهادة موثقة في كتاب كتبه ملازم في الجيش الفرنسي شارك في الغزو منشور سنة 1895 ولدي نسخة نادرة منه) وأخضعوا النخب البورجوازية التي روضوها بحملات تبشيرية متعاقبة فسلمتهم مفاتيح المدن رغم أن مقاومة مدينة مثل صفاقس أو الأرياف والقبائل دامت سنوات وحين إحتلوا بلادنا إكتشفوا أن مدننا كانت تنعم بالإضاءة البلدية لشوارعها وأن الشوارع مرصوفة وأسواقنا خاضعة لرقابة أمناء السوق من حيث الجودة والأسعار وملاحقة الغش وتقنين التجارة وأن مستشفياتنا مفتوحة تستقبل بطواقمها الطبية مرضانا وتعالجهم وأن لدينا مدرسة عليا للهندسة المدنية والصناعات الحربية بضاحية (باردو) يديرها المصلح محمود قابادو ولدينا المدرسة الصادقية للتعليم العصري أنشأها ملك تونس الصادق باي بل حتى جمعيات أهلية لتعليم الموسيقى وصيانة تراث الفنون مثل الجمعية الرشيدية نسبة للأمير رشيد باي والحياة الفكرية تعج بالفقهاء والمصلحين مثل الوزيرخير الدين باشا صاحب كتاب (أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك) وقد تولى بعد خروجه من تونس منصب الصدر الأعظم لدى السلطان العثماني في اسطنبول وكذلك العالم المؤرخ ابن أبي الضياف صاحب كتاب (اتحاف أهل الزمان في أخبار ملوك تونس وعهد الأمان) ولدى تونس أعرق الجامعات العربية وهي جامعة الزيتونة. أما المستعمر الذي يتفوق عسكريا فحسب فأعلن أننا أمة بائسة متخلفة ونعتنا بأننا برابرة “بمعنى المتوحش لا بمعنى العرق البربري الأمازيغي الأصيل” و بأن الاستعمار جاء ليلحقنا بالمدنية ويعلمنا دينه ولغته ويكسونا لباسه
ويفرض علينا قوانينه إلى أن بدأت تتشكل طلائع المقاومة التحريرية منذ 1911 بمناسبة ما يعرف بانتفاضة (مقبرة الجلاز) ثم في العشرينات التحق بالمقاومة شباب تخرج من جامعات فرنسا وأولهم الحبيب بورقيبة فأثار في النفوس رغبة التمسك بالهوية ورفض الانصهار في الذات الفرنسية ومقاومة الذوبان في الجسم الاستعماري ونشأ الكفاح التحريري مراوحا بين المقاومة المسلحة والمقاومة الفكرية إلى أن استقلت تونس سنة 1956 وأصبحت دولة ذات مقومات ومؤسسات.
وهنا وفي هذه المحطة التاريخية الأساسية طرحت النخبة التونسية مشكلة الهوية والدين واللغة أي في الحقيقة مشكلة استعادة المخزون الحضاري لتونس العربية المسلمة بعد تحريرها من الاستعمار التنصيري ومحاولات مسخ ذاتها القومية والوطنية. فإذا بالزعيم الحبيب بورقيبة الذي كان أثناء مرحلة الكفاح يستعمل براهين الهوية لحشد الجماهير(كتب سنة 1932 افتتاحية صحيفته العمل بعنوان الحجاب يدعو فيه التونسيات الى التمسك بالحجاب ومقالاته ورسائله مليئة بالأيات القرأنية والأحاديث النبوية) إذا به مباشرة بعد الاستقلال الداخلي يلتف على أقدس تلك المقومات الحضارية بدعوى الانتصار في معركة الخروج من التخلف ووهم اللحاق بركب الحضارة ! كما كان يسميه هو نفسه، فالحضارة في نظره هي حكر على الحداثة الغربية وبالطبع حين تبناها بورقيبة وحاول تقليدها اعتمدها لكن بتصرف أي دون الأخذ بأدواتها الأساسية كالديمقراطية واحترام حقوق الإنسان وتطبيق أبسط شروط تلك الحداثة الغربية التي هي الفصل بين السلطات الثلاثة ” التنفيذية والتشريعية والقضائية “. وهي المكاسب الحقيقية للثورة الفرنسية أم النهضة الأوروبية الحديثة. فولد لدينا مسخ اجتماعي وثقافي وسياسي مشوه لأنه قلد فرنسا والغرب في المظهر والقشور ولم يقلدها في القيم العميقة التي أنتجت تفوقها.
فكان الزعيم بورقيبة يؤمن بأن التقدم له وصفة جاهزة تصلح لكل زمان ومكان وكان هذا خطؤه الأكبر في التقييم والتقدير. فحدثت مصادمات بينه وبين شيوخ الزيتونة حين هاجم بورقيبة ركنا من أركان الإسلام وهو صوم رمضان ثم توج كل هذا بالدفع إلى سن قوانين الأحوال الشخصية التي انفردت بها تونس وحدها في العالم العربي والإسلامي (مع الاستثناء التركي الأتاتركي الذي ألهم بورقيبة) فتولت هذه القوانين هندسة المجتمع التونسي والعلاقات بين أفراد الأسرة وتقليص منزلة رب البيت على أسس وقواعد ونظريات دخيلة علينا ولا تعترف لا بالقوامة
ولا حتى بالفطرة التي أودعها الله سبحانه في كل من الرجل والمرأة من أجل بناء الخلية الأساسية للمجتمع وهي الأسرة.

إلى الأعلى