الإثنين 29 مايو 2017 م - ٢ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الإرهاب اللوجستي ومخاطره على الأمن الوطني العماني ” اليد العاملة الوافدة نموذجا” (1-2)

الإرهاب اللوجستي ومخاطره على الأمن الوطني العماني ” اليد العاملة الوافدة نموذجا” (1-2)

محمد بن سعيد الفطيسي

”ما هو الرابط بين البيئة السياسية والأمنية الإقليمية والدولية المضطربة واليد العاملة الوافدة في جانبها اللوجستي الداعم للتنظيمات الإرهابية في البلد المستورد لها ؟ وما هي النقاط والجوانب ومن أي منفذ محتمل او مدخل لوجستي يمكن ربط تلك اليد العاملة الوافدة سالفة الذكر بتلك التنظيمات الإرهابية العابرة للقارات في البيئة الوطنية العمانية الداخلية ؟”
ــــــــــــــــ
يقصد بالإرهاب اللوجستي: كل نشاط سواء كان فعل او قول يساهم بطريقة مباشرة او غير مباشرة في دعم وامداد وتحفيز كل فعل من أفعال العنف او التهديد يقع تنفيذا لمشروع إجرامي فردي او جماعي لغرض إرهابي، أما المقصود بالعمالة اللوجستية الداعمة للإرهاب, فهي مجموعة اليد العاملة الأجنبية التي تدخل الى بلد ما بأي طريقة او شكل من الأشكال القانونية او غير القانونية لتعمل كخلايا او حواضن لوجستية للتنظيمات الإرهابية سواء كانت تلك التنظيمات وطنية او أجنبية عاملة داخل البلد او خارجه.
وبالتالي فإن النقطة التي سنركز عليها في هذا الطرح تدور حول خطر اليد العاملة الأجنبية اللوجستية خصوصا على الأراضي العمانية، والتي دخلت إليها عبر منافذها وأقاليمها بمختلف الطرق والتأشيرات القانونية تحديدا، سواء كانت تأشيرات عمل او زيارة او مرافقة، او سياحة او غير ذلك، الا أنها وفي حقيقة الأمر دخلت او أدخلت الى الأراضي العمانية بشكل مرتب ومعد له مسبقا وذلك نتيجة العديد من المعطيات يقع على رأسها وجود يد عاملة سابقة” خلايا عمالية لوجستية سابقة” تمكنت من ترسيخ مكانتها بقوة في الداخل العماني من خلال التجارة والاستثمار وغير ذلك من أشكال التواجد القانوني داخل الأراضي العمانية, وفي مهن وأعمال واستثمارات هي الأخرى قانونية بهدف القيام بأعمال الدعم اللوجستي التكتيكي او الاستراتيجي لتنظيم إجرامي او إرهابي معين, يخطط للقيام بأعمال إرهابية في الأراضي العمانية.
ويمكن ان يقدر دوران الرقم الخاص بأعداد اليد العاملة الوافدة بناء على قراءة استشرافية في التقديرات والإحصائيات الرسمية في سلطنة عمان ومعطيات حركة الاقتصاد بمختلف توجهاتها وخصوصا المشاريع التنموية في البنية التحتية وتلك اللوجستية القائمة والقادمة المستقبلية وسوق العمل الوطني والمشاريع النامية وحاجتها إلى تلك العمالة حتى العام 2020م بناء على المعطيات الراهنة ” سيناريو الاستمرارية “، ما بين المليون ونصف المليون والمليونين عامل وافد مع إضافة أعداد أخرى تزيد على هذا الرقم ستدور في دائرة اليد العاملة الهاربة وتلك التي تدخل بتأشيرات زيارة ومرافقة أفراد الأسرة والتأشيرات السياحية وغير ذلك، خصوصا ان سلطنة عمان قد احتلت المركز الـ 24 عالميا والثالثة عربيا في قائمة الوجهات الجاذبة لليد العاملة الوافدة للعام 2015م في مؤشر او مقياس اكسبات انسايدر السنوي EXPAT INSIDER 2015 , وهو ما يرفع من أسهمها القيمية كوجهة للسياحة والاستثمار والحياة العائلية الأجنبية العابرة للقارات وغير ذلك، يضاف إلى ذلك ارتفاع منسوب القيمة الأمنية والاستقرار السياسي والمناخ الاجتماعي المحفز للتعايش.
وتختلف تلك المخاطر التي تشكلها تلك العمالة ككل على البلد من نواح مختلفة، سواء كانت اجتماعية او اقتصادية أو سياسية أو غير ذلك، وما بين ما هي مخاطر عامة، ومخاطر خاصة، واستثنائية، وهي مخاطر لا تختلف كثيرا في نطاقها وانعكاساتها وتأثيراتها العامة ما بين بلد وآخر تتواجد فيه تلك الأيدي العاملة، باستثناء مدى ذلك التأثير واتساع نطاقه او قوته بناء على معطيات ارتفاع الأعداد ونوعيتها ومدى ارتهان الداخل لها، وقوة الردع والاحتواء الأمني والحصانة الوطنية الداخلي، ويزيد سقف التهديد الأمني الداخلي الذي يمكن ان تشكله تلك العمالة نظرا لارتفاع سقف المتغيرات والتحولات الأمنية والسياسية الإقليمية والدولية بالبلد الحاضن، ما يضاعف من أهمية هذا الجانب خصوصا، وهو ما نركز عليه في هذا الطرح من خلال النموذج الوطني العماني، نظرا لوجود كل المقومات والمؤثرات والعوامل الخارجية التي ترفع من سقف مخاطر الأيدي العاملة الوافدة على الداخل الوطني من خلال هذا الجانب خصوصا.
ومن ابرز تلك العوامل، المتغيرات الجيوسياسية والجيواستراتيجية الإقليمية والدولية العابرة للقارات، والتي تؤثر على الجغرافيا السياسية والأمنية العمانية الداخلية، ومنها الجوار الجغرافي المضطرب والبيئة السياسية الدولية الفوضوية، وارتفاع ظاهرة تأثير تناقل وتصدير الأزمات والثورات الإقليمية والدولية وغيرها العديد من النقاط التي هي بحاجة إلى تركيز ودراسات متخصصة ذات بعد تفصيلي دقيق، وكذلك وجود مشاريع اقتصادية واستثمارية وأنشطة تجارية كبرى تحتاج فيها البلد إلى وجود تلك الأيدي العاملة الوافدة لفترات زمنية طويلة.
والمتتبع لمشاكل اليد العاملة الأجنبية الوافدة ـ مع التأكيد على عدم التعميم في هذا السياق – ،أي، الدعم اللوجستي للإرهاب يلاحظ اتساع رقعة مشاريعها الجيوارهابية، وهو ما يتأكد بلا شك للمتتبع لحركة وصيرورة تلك الأيدي العاملة اللوجستية الداعمة للإرهاب ـ الخلايا النائمة ـ في العديد من دول العالم، وخصوصا الشرق الأوسط المضطرب أصلا بمشاريع جيوسياسية وجيواستراتيجية كثيرة، حيث إن تلك الأيدي العاملة لا تدخل بالضرورة من خلال تأشيرات عمل، بل تدخل كذلك بتأشيرات سياحة أو زيارة مؤقتة لشخص ما في البلد المستورد، أو لمرافق للعائلة وغيرها من وسائل الدخول القانونية الى بلد ما، وبذلك فهناك وسائل قانونية مشروعة كثيرة لولوج تلك الأيدي العاملة للبلد المستضيف أو المستورد أو المستقبل لها.
وهنا نطرح الأسئلة التالية: ما هو الرابط بين البيئة السياسية والأمنية الإقليمية والدولية المضطربة واليد العاملة الوافدة في جانبها اللوجستي الداعم للتنظيمات الإرهابية في البلد المستورد لها؟ وما هي النقاط والجوانب ومن أي منفذ محتمل أو مدخل لوجستي يمكن ربط تلك اليد العاملة الوافدة سالفة الذكر بتلك التنظيمات الإرهابية العابرة للقارات في البيئة الوطنية العمانية الداخلية؟ وللإجابة على تلك الأسئلة، سنقوم بتقسيم الطرح إلى جانبين، أولهما: الرابط بين البيئة السياسية والأمنية الإقليمية والدولية المضطربة واليد العاملة الوافدة في جانبها اللوجستي الداعم للتنظيمات الإرهابية سواء كان ذلك في البيئة الوطنية العمانية او في أي بلد آخر، والجانب الثاني: سيركز على النقاط والجوانب والمنافذ اللوجستية التي يمكن ربط تلك اليد العاملة الوافدة سالفة الذكر بتلك التنظيمات الإرهابية العابرة للقارات في البيئة الوطنية العمانية خصوصا؟
أولا: ما هو الرابط بين البيئة السياسية والأمنية الإقليمية والدولية المضطربة واليد العاملة الوافدة في جانبها اللوجستي الداعم للتنظيمات الإرهابية على امن واستقرار الدول: وفي هذا السياق يمكن القول إن تلك اليد العاملة الوافدة ـ اليد العاملة الداعمة للتنظيمات الإرهابية لوجستيا ـ يمكن ان ترتبط بالبيئة السياسية والأمنية الإقليمية والدولية وتتأثر بها وتؤثر هي كذلك فيها من خلال مغذيات عديدة، يقع على رأسها تأثر تلك اليد العاملة بالأزمات والصراعات السياسية التي تحدث في وطنها، ويمكن ان ترتبط بطريقة ما بالبلد المستورد، يضاف الى ذلك استغلال تلك اليد العاملة لتصدير الأزمات وتناقل الثورات للتخفيف من الضغط الحاصل في الدول المصدرة حيال قضية ما، ومما يمكن القول انه يرتبط كذلك بالبيئة السياسية المضطربة ويمكن ان يؤثر بشكل مباشر بالدولة المستوردة لليد العاملة هو البناء الفكري والأيديولوجي لتلك الأيدي العاملة، كالتوجه الديني او الحزبي او الطائفي المتشدد او المتعصب، يضاف إلى ذلك ارتباط اغلب دول العالم اليوم بما يسمى بالتحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، عليه سنتناول كل نقطة سبق التطرق إليها بشكل منفصل، مع التأكيد على ان النقاط سالفة الذكر هي على سبيل المثال لا الحصر.
(1) اليد العاملة المرتبطة بدول الصراع والأزمات السياسية بين البلد المصدر والمستورد: حيث تتأثر اليد العاملة الوافدة العاملة في دولة ما بالأحداث والصراعات والتحولات السياسية والاقتصادية التي تقع في بلدها من جوانب مختلفة، سواء كانت تلك الجوانب نفسية او ثقافية او غير ذلك، ما يمكن ان ينعكس سلبا على تصرفاتها في البلد المستضيف أو الذي تعمل فيه.
(2) تصدير الأزمات وتناقل الثورات: من ضمن ما يمكن ان تستغله اليد العاملة الوافدة اللوجستية الداعمة للإرهاب في بلد ما سواء كان البلد المصدر او المستورد، قضايا تصدير الأزمات أو الثورات أو التعبير عن الرأي ضد قضية سياسية أو ثقافية أو اقتصادية عبر إثارتها بطرق وأشكال مختلفة.
(3) اليد العاملة ذات التوجهات الأيديولوجية والفكرية المتحيزة: تتشكل اليد العاملة الأجنبية الوافدة في مختلف البلدان من جنسيات مختلفة وكثيرة، تمارس أعمال ووظائف مختلفة، ويحمل كل فرد منها فكر او توجه أو رؤية أو مذهب سياسي أو ديني مختلف عن الآخر, وبما أنها عمالة دخلت بشكل قانوني إلى ذلك البلد، أصبح لها الحق في ممارسة أنشطتها الدينية او السياسية او الفكرية في إطار وحدود قوانين البلد المستورد، ولكن وللأسف الشديد، استغلت بعض اليد العاملة الأجنبية الداعمة للأنشطة الإرهابية اللوجستية تلك المساحة من الحرية الإنسانية والقانونية لممارسة أنشطة تحفز على الكراهية والتحريض على المذاهب والأديان والعقائد والأفكار والتوجهات الدينية المختلفة بطرق مباشرة أو غير مباشرة لصالح بعض الجهات والمنظمات الأجنبية.
(4) اليد العاملة اللوجستية الوافدة ودول مكافحة الإرهاب الدولي: منذ العام 2001م والعديد من دول العالم قد دخلت أو شاركت بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في تحالف كوني ضد التنظيمات الإرهابية العابرة للقارات، ما نتج عنه حرب انتقامية مضادة بين تلك التنظيمات وتلك الدول التي قامت بإرسال جنودها او قواتها العسكرية الى قواعد الإرهاب كما هي في أفغانستان على سبيل المثال لا الحصر، او دخلت بطريقة مباشرة عبر أنشطة عسكرية او سياسية لوجستية داعمة لذلك التحالف، ما جعل من تلك التنظيمات تقوم بردات فعل انتقامية ضد مصالح تلك الدول في الداخل والخارج عبر أعمال وأنشطة إرهابية مختلفة، سواء كانت تلك الأنشطة الانتقامية موجهة ضد أهداف مدنية او عسكرية او سياسية في داخل البلد او خارجه.
ملاحظة: هذا الطرح هو اختصار لورقة بحثية متكاملة تحت نفس العنوان.

إلى الأعلى