الثلاثاء 17 يناير 2017 م - ١٨ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / تقاتل العرب، فاستفحل وتبجح الاحتلال

تقاتل العرب، فاستفحل وتبجح الاحتلال

”لقد تصاعدت بشكل فج ولافت غارات المستوطنين على المسجد الأقصى منذ الأحد ١٣/٩، عندما شن هؤلاء المستوطنون تحت حراسة شرطة الاحتلال وبرعاية كاملة من حكومة بنيامين نتنياهو المسجد الاقصى المبارك هجمة شرسة تصدى لها المرابطون والمرابطات من الفلسطينيين. حيث رابط هؤلاء الأبطال داخل المسجد وتعاهدوا على حمايته بصدورهم العارية وأرواحهم الغالية.”
ـــــــــــــــــــــــ
استفزت مشاهد اقتحام قوات الاحتلال الاسرائيلي باحة المسجد الاقصى المبارك واعتدائها على الفلسطينيين داخله مشاعر الكثيرين، مع ان ذلك يمثل امتدادا لسياستها العدوانية في منع كثير من الفلسطينيين من دخوله والصلاة فيه ولا سيما صلاة الجمعة واعتداء المستوطنين ومحاولاتهم المتكررة في اقتحامه في ظل تواجد قوات الاحتلال. غير ان مشاهد الاعتداءات الاخيرة أثارت غضب الكثيرين ويتساءل البعض لماذا يحدث ذلك وتسير الاوضاع في الاراضي المحتلة من سيء لأسوأ. لكن المراقب للوضع يرى انه هناك عوامل تضافرت ادت إلى ذلك وتنذر بما هو أسوأ.
لقد تصاعدت بشكل فج ولافت غارات المستوطنين على المسجد الأقصى منذ الأحد ١٣/٩، عندما شن هؤلاء المستوطنون تحت حراسة شرطة الاحتلال وبرعاية كاملة من حكومة بنيامين نتنياهو المسجد الاقصى المبارك هجمة شرسة تصدى لها المرابطون والمرابطات من الفلسطينيين. حيث رابط هؤلاء الأبطال داخل المسجد وتعاهدوا على حمايته بصدورهم العارية وارواحهم الغالية. وتعد عملية استهداف الأقصى ومحاولة الانقضاض عليه وانتهاك حرمته تذرعا بأسطورة إعادة بناء هيكل سليمان مكانه أو في باحته أمرا قديما ومكررا، لكنها كانت اكثر وحشية وجرأة في هذه المرة وذلك عندما دعت منظمات يهودية متطرفة تطلق على نفسها «منظمات الهيكل» أنصارها للحضور إلى ما أسمته «جبل الهيكل» أي باحات الأقصى صباح الأحد ١٣/٩ للاحتفال بالسنة العبرية الجديدة. غير ان الفلسطينيين أدركوا ان ذلك بمثابة ذريعة تمهد لتقسيم الأقصى، حيث تكون البداية بتحديد أوقات لليهود لأداء طقوسهم في باحته، ثم يتم بعد ذلك تقسيم الحرم الأقصى بين اليهود والمسلمين على غرار ما تم في الحرم الابراهيمي بمدينة الخليل. وفي الصباح شرعت مجموعات اليهود فى الدخول إلى باحات المسجد بزعم أنها «سياحة أجنبية»، وتزامن ذلك مع طرد الشرطة الإسرائيلية الحرس الأردنى الموجود في المكان لأول مرة، رغم أن إسرائىل منذ وقعت معاهدة سلام مع الأردن عام ١٩٩٤ تعترف بإشراف الممكلة الاردنية على المقدسات الإسلامية فى القدس. واشتبك المرابطون في الداخل مع جموع المقتحمين في معركة غير متكافئة. الأولون لا يملكون سوى الأحجار التي جمعوها، في حين أن الآخرين مسلحون بالهراوات والرصاص المطاطي وقنابل الغاز السام المسيل للدموع، إلى جانب قنابل الصوت. وتحولت باحة المسجد القبلي بالأقصى إلى ساحة قتال، لم تهدأ وتيرته إلا عند الساعة الحادية عشرة صباحا، وهو الموعد الذي حدده المقتحمون للانصراف، إذ أرادوا أن يكون لهم الحق فى أداء طقوسهم اليومية ما بين السابعة والحادية عشرة كل يوم. وسقط فى المعركة عدد كبير من الجرحى الفلسطينيين، وتم إحراق أو إتلاف ٣٢ نافذة للمسجد، كما دمر أحد أبوابه، واحترق السجاد في ١٢ موقعا. وفي الوقت الذي تتسارع فيه وتيرة تهويد مدينة القدس، فإن ما حدث في 13 سبتمبر وتكرر بعد ذلك يمثل أولى خطوات تهويد المسجد الأقصى، بتقسيمه بين المسلمين واليهود. وتمثل اعتداءات اليهود في هذه المرة أكبر عملية تخريب للأقصى منذ عام ١٩٦٩، عندما وقعت محاولة إحراق المسجد، الأمر الذي أثار في حينه غضب العالم العربى والإسلامي وأسفر عن عقد القمة الإسلامية، التي أنشأت منظمة التعاون الإسلامي التي تضم 57 دولة. ومن الواضح كما يذهب بعض المحللين أن إسرائيل أرادت في مناسبة رأس السنة العبرية أن تعلن على الملأ ليس فقط سيادتها على القدس، وإنما أيضا التأكيد على ان مفاتيح المسجد الأقصى بأيديها، وانها هي التي تقرر وتنظم حق العبادة فيه. ومن ثم فما جرى ليس محاولة عابرة لمجموعة من المتطرفين الصهاينة، بل هي إحدى حلقات التهويد والهيمنة التي تستثمر أجواء الانقسام الفلسطيني الداخلي وحالة الانكفاء والانبطاح التي تسود بين كثير من الانظمة العربية.
فأحد الأسباب الرئيسية للتنمر والتبجح الاسرائيلي يتمثل في الانقسام والتصارع المستمر بين جناحي السلطة الفلسطينية: حركة فتح في الضفة الغربية وحركة حماس في قطاع غزة. وهو الانقسام الذي يضر بالطرفين الفلسطينيين ويضعف من قوتهما ويصب في صالح قوات الاحتلال التي تستفيد منه.
كما انشغلت اغلب البلدان العربية في السنوات الاخيرة بأحوالها التي تتمثل ما بين عدم استقرار سياسي وامني في عدد منها كما حدث مصر، وما بين صراعات وحروب داخلية كما هو الحال في ليبيا والعراق وما بين صراعات داخلية انخرطت فيها اطراف عربية اخرى كما هو الحال في اليمن وسوريا الامر الذي ادى في النهاية إلى حدوث حالة من الانكفاء على الداخل بين اغلب البلدان العربية وتراجع الاهتمام بالأوضاع في الاراضي الفلسطينية التي كانت قضية العرب الأولى.
ووصل الأمر بكثير من وسائل الاعلام في عدد من البلدان العربية إلى تجاهل الاعتداءات والاستفزازات الاسرائيلية المتتالية من تجريف اراض وهدم مبان والتوسع الاستيطاني ومنع كثير من الفلسطينيين من دخول المسجد الاقصى وفرض الحصار على قطاع غزة. ورأينا كثيرا من وسائل الاعلام لا تأتي بذكر التصرفات الهمجية المتكررة لقوات الاحتلال في الوقت الذي تسارع فيه إلى تصنيف فصيل فلسطيني مقاوم وصامد في وجه الاحتلال، على انه فصيل ارهابي وتسخر رسالتها الإعلامية ضده وتدعو إلى التنكيل به حتى وصل الامر إلى رفع دعاوى قضائية ضده بوصفه، من وجهة نظرها، فصيل ارهابي يمثل تهديدا مباشرا لجيرانه ولأمنهم القومي. مع أنها قوى مقاومة يجب مساندتها ومؤازرتها. ناهيك عن المشاركة في الحصار المفروض على قطاع غزة والعمل على خنقه من اجل الاطاحة بحكومة حركة حماس، تماهيا مع سياسات الاحتلال الاسرائيلي. هذا، في الوقت الذي لا يتم فيه بذل جهد عربي حقيقي فيما يتعلق بإنجاز المصالحة الفلسطينية بين حركتي فتح وحماس حتى يكونوا يدا واحدة في مواجهة العدو المشترك المتربص بهم وبغيرهم.
ثم تأتي حالة الحرب والاقتتال الداخلي في سوريا المجاورة لقوات الاحتلال، وانخراط بعض البلدان العربية في المعارك بدعم طرف على حساب طرف واتباع نظرية المباراة الصفرية، فإما تحقيق اهدافها كاملة او خسارتها كاملة الأمر الذي يبتعد تماما عن المعطيات والتعاملات السياسية الواقعية التي تقوم على التوفيق والتوصل إلى حلول وسط وليس اتخاذ مواقف متشنجة والمراهنة التي تكون عاقبتها الخسران للجميع في النهاية. ليصب ذلك في النهاية في مصلحة الاحتلال الاسرائيلي، لأن اي عنصر ضعف لاي بلد عربي واي عدم استقرار فيه وخاصة الجيران يمثل زيادة في مصادر قوة الاحتلال، والعكس صحيح.
كما تم الانشغال بالصراع داخل اليمن وانخرطت فيه بلدان عربية مهمة. في الوقت الذي ربما كان الاولى فيه توحيد وتضافر كل هذه القوى لا للانخراط في حرب ضد الاحتلال الاسرائيلي، بل على الاقل لتكون مستعدة وأعينها على ما يجري داخل الاراضي المحتلة. فقد كانت تلك القوى العربية تمثل في النهاية عنصر ردع حتى لو كان ضعيفا.
ثم جاء التركيز السياسي والإعلامي الهائل على الاتفاق النووي بين ايران والولايات المتحدة والقوى الكبرى، وكأن التوصل إلى هذا الاتفاق يمثل هزيمة للدبلوماسية العربية! وكأن البرنامج النووي الإيراني موجه في المقام الأول ضد البلدان العربية! وان توصل ايران إلى سلاح نووي يعني بالضرورة استخدامه في اليوم التالي ضد البلدان العربية. الواقع الذي ينفيه التاريخ المشترك بين البلدان العربية وايران.
هذا في الوقت الذي لا يتم فيه التفكير والتركيز الاعلامي والسياسي على الاسلحة النووية الاسرائيلية الموجهة ضد العرب بالفعل، والتاريخ يشهد من خلال المعارك التي دارت بين جيوش عربية وجيش الاحتلال. وما زال الصراع قائما وواضحا، فهو في النهاية صراع وجود لا صراع حدود.
كل هذه العوامل تضافرت لتمثل غفلة عربية استغلتها اسرائيل في العربدة التي تنتهجها، فكان التوسع الاستيطاني غير المسبوق بالتهام مناطق كثيرة من الضفة الغربية والمحاولات المتواصلة لتهويد القدس وهدم اجزاء من المسجد الاقصى المبارك لاقامة الهيكل المزعوم مكانه ومصادرة الاراضي وهدم منازل الفلسطينيين، وكل ذلك في ظل غيبوبة سياسية واعلامية في كثير من البلدان العربية.
المطلوب وقفة صادقة مع النفس لنرى الى اين نحن ذاهبون؟ وماذا يحاك بالمنطقة؟ ومن المستفيد من الوضع الراهن المتردي؟ وعلى اغلب الانظمة العربية تنحية خلافاتها جانبا، والتقارب فيما بينها وتنسيق مواقفها وجهودها في مواجهة اللحظة ومحاولة التصدي للخطر الداهم الذي صارت تتعرض له، ولا يظن أحد انه بمنأى، لان عدم الاستقرار وغيره من الاخطار يمكن أن يصل اليه في النهاية مهما بعد المكان أو طال الزمان، إذا استمرت الأوضاع على ما هي.

السيد عبد العليم
sayedleem@hotmail.com

إلى الأعلى