الإثنين 29 مايو 2017 م - ٣ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الاقتصاد / قضية ورأي : حول الأزمة الصينية

قضية ورأي : حول الأزمة الصينية

لقد أدركت الصين ومع نهاية العقد الأول من القرن الواحد والعشرين أنها وصلت إلى نهاية قصة النمو المستمر، فسياسة التصنيع الكثيف للتصدير كانت قد استنفدت جميع وسائل اختراق الأسواق العالمية وأصبحت المورد الأول للسلع المصنعة عالميا. إلاّ أن الأزمات المالية التي توالت عالميا منذ خريف العام 2008 نتج عنها انخفاض مزمن في الطلب العالمي على السلع المصنعة، والذي انعكس مباشرة على معدلات الانتاج والنمو في الصين، وزاد كذلك معدل فشل وإفلاس المنشآت الصناعية الصغيرة والمتوسطة بمعدلات غير مسبوقة.
وضمن سياستها الجديدة لتشجيع الطلب والاستهلاك الداخليين، شجعت الصين المستثمرين في الأسواق الصينية على التوجه نحو أدوات جديدة بعيدة عن الأدوات التقليدية، فازدهرت أدوات الاستثمار في الديون والرهن العقاري ودعم هذا التوجه ظهور طبقة متوسطة ذات توجهات استهلاكية جديدة تتماهى مع النمط الغربي للاستهلاك والذي يتطلب بنى تحتية عقارية سكنية وترفيهية مكلفة يلزم لتمويلها إيجاد آليات تمويل جديدة كالرهن العقاري وبيع الديون وغيرها على غرار النمط الأميركي في التمويل، مما نتج عنه في النهاية أيضا فقاعة تمويل عقاري صينية الصنع هذه المرة. أخذت هذه الفقاعة دورتها الطبيعية منذ بدايات 2013 ، وواضح أنها انفجرت في منتصف يونيو 2015 الماضي بسبب تداعيات الموجة الأولى من التخلف عن السداد.
وقد خلق هذا الوضع وضعا اقتصاديا جديدا يسير في مسارين مختلفين، أحدهما قائم على الخدمات والاستهلاك، لكنه مثقل بآخر قديم يظهر في اتجاه متباطئ من الصناعات مثل الصلب والتعدين والذي يعاني من عدم الفعالية والطاقة الفائضة. وامتد كلا المسارين في سوق العقارات في البلاد الذي يتميز بالحجم الكبير في المدن متوسطة وصغيرة الحجم، والطلب القوي في المدن الكبيرة. ومما فاقم الوضع إصرار القيادة السياسية على الالتزام بأهداف النمو المرتفعة والبالغة 7% والاعتماد على الائتمان لإنتاج المستهدف.
كما يعاني التمويل الصيني من سوء التوزيع، اذ يتركّز على القطاعات الأقل كفاءة في الاقتصاد والمثقلة بالديون، ونتيجة ذلك تتآكل أسس المعجزة الاقتصادية الصينية بسبب عبء الديون التي لا تظهر تراجعًا ملحوظا.
لقد تضافرت الكثير من العوامل لتفرز مؤشرات متتالية على تباطؤ الاقتصاد، ومن بينها تدفقات نقدية خارجة من البلاد، كما تباطأ النمو الاقتصادي اكثر السنة الجارية مع نسبة 7% في الفصلين الاول والثاني وتراجع مؤشر نشاط الصناعة التحويلية في الصين الى ادنى مستوى له خلال 77 شهراً وخمول القطاع العقاري وتفاقم مديونيات الشركات الصينية وتراجع الصادرات بنسبة تفوق ال10%.
لذلك اضطر البنك المركزي الصيني في نهاية المطاف إلى خفض قيمة العملة الوطنية اليوان إلى أدنى مستوى لها مقابل الدولار الأميركي منذ ما يقرب من ثلاث سنوات بتاريخ 11 أغسطس الماضي وبنسبة 1.9%، وهو ما عكس مؤشرا قويا على ضعف الاقتصاد الصيني، وهي رسالة كانت بالغة السلبية إلى العالم سلبية عن بكين، فهي إحدى أهم قاطرات النمو العالمي، وبالتالي تأثرت الأسواق والاقتصاد العالمي بصورة حادة بهذا التوجه الذي يعني اشعال فتيل “حرب عملات” بقصد أو دون قصد ومن ثم تأثرت أسعار السلع وحركة التجارة والعملات.

حسن العالي

إلى الأعلى