الخميس 30 مارس 2017 م - ١ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / كانت لنا قضية اسمها “فلسطين” ؟!

كانت لنا قضية اسمها “فلسطين” ؟!

محمد عبد الصادق

” .. مخطط ترويض الوطن العربي بدأ منذ عقود، وكانت وسيلته؛ نشر مشاهد العنف والدمار والدم في دول عربية عديدة حتى يعتاد عليها المواطن العربي مثلما اعتاد من قبل مشاهد القتل الجماعي للفلسطينيين بأسلحة أميركية فتاكة، خلال الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على غزة في العقود الثلاثة الماضية من خلال أجهزة الإعلام”
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
العدوان الإسرائيلي الأخير على المسجد الأقصى، واقتحام جنود الاحتلال باحات الحرم القدسي الشريف واعتلاء أسطحه، واستخدام الرصاص المطاطي والغازات المسيلة للدموع، وإخلاء الحرم من المصلين والمعتكفين بالقوة، والسماح لجحافل المستوطنين بتدنيس أولى القبلتين وثالث الحرمين ـ لم يقابله سوى صرخات مكتومة وتنديدات خجولة، واستحضار جمل وعبارات (مضى زمن لم نسمعها) من قبيل: أين جامعة الدول العربية؟، متى يتحرك القادة العرب؟، متى تهب الشعوب العربية لنصرة الأقصى؟، أين دور منظمة التعاون الإسلامي؟.
فمنذ هبت رياح الربيع على الوطن العربي، والنظام العربي الرسمي أصابه العطب ووصل الحال بجامعة الدول العربية إلى مساندة الميليشيات والجماعات في مواجهة الأنظمة والمؤسسات ورأينا الدم العربي يراق باستدعاء ومشاركة ومباركة عربية، وبات الهم المحلي والأزمات الداخلية والفئوية هو المسيطر على اهتمامات المواطن العربي، والشغل الشاغل للأنظمة والحكومات العربية التي اهتزت الأرض من تحت أقدامها؛ نتيجة الفوضى والاضطرابات التي حركتها ماكينات الإعلام المشبوه وأجهزة المخابرات ودوائر صنع القرار بالنظام الدولي الجديد، الذي كرس كل ما من شأنه انتزاع فلسطين من بؤرة اهتمامات العرب والمسلمين وجعل المواطن العربي يفقد الثقة في قدرته على مواجهة إسرائيل ويسكنه هاجس بأن وجودها وعدوانها وتوسعها أصبح أمراً واقعاً لا قبل للدول العربية على مواجهته أو الاعتراض عليه.
ومخطط ترويض الوطن العربي بدأ منذ عقود، وكانت وسيلته؛ نشر مشاهد العنف والدمار والدم في دول عربية عديدة حتى يعتاد عليها المواطن العربي مثلما اعتاد من قبل مشاهد القتل الجماعي للفلسطينيين بأسلحة أميركية فتاكة، خلال الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على غزة في العقود الثلاثة الماضية من خلال أجهزة الإعلام، هذه المشاهد أدت إلى قتل روح الثورة والغيرة على المقدسات والأوطان داخل المواطن العربي الذي أثقلت كاهله الأوضاع الاقتصادية المتأزمة وتدني الخدمات الأساسية وغياب العدالة الاجتماعية وضياع الإحساس بالأمان تجاه مستقبله ومستقبل أولاده، فانكفأ على نفسه مشغولاً بهمومه الآنية عن القضايا القومية والأخطار الكبرى التي تهدد الهوية والعقيدة والمصير المشترك، لينجح العدو الإسرائيلي ومن يقف وراءه من قوى تضمر الحقد والعداء لكل ما هو عربي وإسلامي ـ في تمرير مخططاتهم الهادفة للاستفراد بالشعب الفلسطيني، والتهام أرضه ومقدساته مطمئنين لضآلة رد الفعل العربي، واقتصاره على الشجب والتنديد.
وكانت بداية الاعتداءات الإسرائيلية على المسجد الأقصى في 1969م ؛ عندما أقدم استرالي صهيوني يدعى دينس مايكل بإشعال النيران في الجهة القبلية للمسجد والتهم الحريق منبر نور الدين محمود عم صلاح الدين الأيوبي المصنوع من الفضة الخالصة، والذي صنعه ليوضع في الأقصى بعد تحريره ولكنه توفي والأقصى ما زال أسيراً في أيدي الصليبيين، ليضعه صلاح الدين بعدما انتصر على الصليبيين وطردهم من القدس في عام 1187م بعد احتلال دام أكثر من 80عاماً.
كان هذا الحريق الذي تم برعاية سلطات الاحتلال الصهيوني؛ بمثابة بالون اختبار لردود الفعل العربية والإسلامية على مخطط السطو على واحد من أهم المقدسات العربية والإسلامية، وكانت ردود الفعل العربية والإسلامية وقتها شديدة ومدوية، وفجر الحادث ثورة غضب عارمة في معظم الدول العربية والإسلامية، وأدى الحادث لإنشاء منظمة المؤتمر الإسلامي، وعقدت أول قمة لها بالمغرب، وانبثق عنها لجنة القدس برئاسة ملك المغرب لتكون مهمتها مراقبة الأوضاع بالمدينة المقدسة، وإعادة ترميم المسجد الأقصى ورعاية المقدسات الإسلامية وحمايتها من التهويد، بينما اليوم يراد للعرب التنصل من مسؤوليتهم الدينية والقومية والأخلاقية ويضغط عليهم يتركوا الفلسطينيين لوحدهم وأياديهم عارية ليدافعوا عن مقدسات العرب والمسلمين، فإذا نفد زادهم وخارت قواهم، سنرى سهاماً مسممة تكيل لهم الاتهامات وتحملهم مسؤولية ضياع المسجد الأقصى، كما سبق وحملوهم نكبة التقسيم والتهجير في العام 1948م.
يراهن العدو الإسرائيلي على ضعف الذاكرة العربية والصمت الرسمي العربي لتسريع وتيرة خطواطه لقضم ما تبقى من أراضي فلسطين، وتهويد القدس وهدم المسجد الأقصى وإقامة الهيكل المزعوم مكانه، ولم تستطع جامعة الدول العربية الدعوة لقمة عربية طارئة، تبحث سبل الرد على العربدة الإسرائيلية، وتبحث تدابير وإجراءات من قبيل “أضعف الإيمان” مثل قطع العلاقات العلنية والسرية الدبلوماسية والاقتصادية مع الكيان الصهيوني أو حتى تجميدها على الأقل لحين وقف الاعتداءات، ولم نسمع عن دعوة لعقد قمة إسلامية كنوع من الضغط على إسرائيل وإشعارها بأن الأقصى ليس قضية فلسطينية /عربية فحسب، وإنما قضية تهم العالم الإسلامي، ولا لمسنا تحركاً على مستوى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الحقوقية والإنسانية لمنع إسرائيل من مواصلة عدوانها على أماكن العبادة ومقدسات دينية تخص أكثر من مليار ونصف المليار مسلم حول العالم.
لقد اختارت إسرائيل الوقت المناسب لتصعيد عدوانها, مستغلة الصراع الدامي بين جماعات إرهابية تدعي الإسلام وبين أنظمة عربية كانت تحمل لواء العروبة والقومية والممانعة وصراع بين هذه الجماعات المتطرف، وبينما أعلنت جماعة الإخوان المسلمين النفير في مصر لنصرة الأقصى، لم نر سوى مواجهات بين أنصار الإخوان وقوات الأمن المصرية عقب صلاة الجمعة الماضية دعا خلالها أنصار الجماعة لعودة مرسي والحكم الإسلامي، وبعد شعارات وهتافات كنا نسمعها أيام الجامعة في الثمانينيات والتسعينيات تندد بالاحتلال الإسرائيلي وتدعو لنصرة الشعب الفلسطيني، من عينة “خيبر .. خيبر يا يهود ..جيش محمد سوف يعود” لم نعد نسمع الآن من شباب الجماعات الإسلامية سوى عبارات السباب للسيسي وحكم العسكر.

إلى الأعلى