الجمعة 28 يوليو 2017 م - ٤ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / هل من “الجهاد” إعدام الأسرى؟

هل من “الجهاد” إعدام الأسرى؟

”ليس هنا مجال الخوض بالتفصيل فيما يجري لسوريا وفي سوريا منذ مطلع 2011، فربما جاء وقت لذلك بعد ان يستقر غبار الصراع المدمر لسوريا وشعبها، لكن من المهم التنبيه لبشاعة ووحشية ما ينتظر هذا البلد ـ أو ما سيتبقى منه بعد اتفاق “الأطراف المعنية” ـ من ممارسات الإخوان و”الجهاديين”.”
ــــــــــــــــــــــــ
لم يكن مستغربا أن يقوم تنظيم جبهة النصرة الإرهابي بإعدام جماعي للجنود السوريين في قاعدة مطار أبو الظهور العسكري الذي استولى عليه من يطلقون على أنفسهم وصف “مجاهدين” سواء من النصرة ـ وهي فرع لتنظيم القاعدة أو فصائل توصف بالإسلامية. فسلوك تلك الجماعات الإرهابية يتسم بالوحشية عامة، والسلوك اللا إنساني ـ ناهيك عن أن يكون له علاقة بالدين، أي دين ـ لكن المخزي حقا أن يقبل البعض في العالم العربي أو الإسلامي القول بأن ذلك “جهاد”. وعلى افتراض ان هؤلاء الجنود (وهم سوريون لهم عائلات وأهل) هم “أسرى” لدى تلك الجماعات الإرهابية في حرب مع الدولة السورية (وهو افتراض لا يعني القبول به، فتلك في النهاية عصابات لن يغير الدعم الدولي والاقليمي لها من طبيعتها) فهل من الجهاد إعدام الأسرى؟ قد يصح التساؤل مع من كان له عقل أو دين، لكن هؤلاء ـ وما نحكم عليهم إلا من أفعالهم، عملا بالقول إن “الدين المعاملة” ـ لا ينفع معهم تساؤل أو نقاش.
دلالة هذا التصرف، وغيره كثير، أنه يأتي في وقت تشير في دلائل كثيرة إلى ان هناك تسوية ما في الأفق للأزمة في سوريا. تلك التسوية المحتملة، أيا كنت نتائجها، ستؤدي بالضرورة إلى تعزيز وضع تلك الجماعات الإرهابية وما يسمى ذراعها السياسي (تنظيم الإخوان) في سوريا. وحتى لو كان الهدف الأعلى ـ كما نسمع في التصريحات الرسمية ـ هو الحفاظ على “الدولة” السورية، فإن تلك الدولة أضعفت على مدى أربع سنوات أو أكثر بما يجعلها لقمة سائغة لانتهازية الإخوان ومرتعا لتنظيمات التطرف والإرهاب. ولن يهتم أحد كثيرا بما يحدث لمن تبقى من السوريين في بلدهم ولم يفروا منها لاجئين مشردين، يتاجر بهم من يتاجر ويمن بهم من يمن، خاصة من الغرب الذي يرى حكم الإخوان “ضرورة” في بلدان المنطقة بما يسهل له مصالحه بشكل أفضل.
من المهم هنا الإشارة إلى أن بشاعة تلك التنظيمات لم تتوقف منذ بداية الحرب في سوريا، وسمعت مباشرة من بعض سكان حلب في بداية الأزمة كيف كان “المجاهدون” يغيرون على بيوت الناس العادية يسلبونهم متاعهم ويسبون نساءهم ويدمرون مقدراتهم ويختطفون ذويهم. ولم يكن أحد يهتم في ذلك الوقت بالسوريين ولا بأفعال الإرهابيين الذين تحمس لهم الجميع خارج سوريا بأنهم “ثوار”، ووصف ثوار هذا يجعل المرء يبلع لسانه حتى لا يتهم بالرجعية وممالأة الأنظمة القمعية. واستمر ذلك دون اهتمام من أحد، وبسبب حملات منظمة من الترويج الدعائي بالطبع إلى جانب التاريخ المعروف من قمعية النظام السوري على مدى عقود، حتى ظهر تنظيم “داعش” الذي يثير كثيرا من الشكوك بالفعل حول من يدعمه ولماذا ـ وتحول كثير من المجرمين الجنائيين إلى “مجاهدين” في بداية الحرب، وللمرء ان يتخيل ماذا يفعل سارق أو محتال أو قاتل حين يعطى سلاحا ويضمن تمويلا ممن يؤيدون “الثورة” من أثرياء الخارج!!
ليس هنا مجال الخوض بالتفصيل فيما يجري لسوريا وفي سوريا منذ مطلع 2011، فربما جاء وقت لذلك بعد ان يستقر غبار الصراع المدمر لسوريا وشعبها، لكن من المهم التنبيه لبشاعة ووحشية ما ينتظر هذا البلد ـ أو ما سيتبقى منه بعد اتفاق “الأطراف المعنية” ـ من ممارسات الإخوان و”الجهاديين”. وإذا كان الإعلام ركز الشر كله في داعش، فقد كان ذلك في جزء منه تخفيفا من وحشية وبشاعة التنظيمات والجماعات الأخرى والتي يعود جذرها جميعا للإخوان. للأسف الشديد، هذا ما نراه في ليبيا من إصرار الغرب ـ عبر الأمم المتحدة ـ على فرض الإخوان والجماعات الإرهابية في ليبيا، إلى الحد الذي تصدر فيه بعثة المنظمة الدولية بيانا تدين فيه تدخل الجيش الوطني الليبي ضد ميليشيات الجماعات الإرهابية في بنغازي “لأنه يعطل التسوية” ـ تلك التسوية التي تفرض فيها الأمم المتحدة رغبة أميركا وبريطانيا وفرنسا في فرض الإخوان على حكم ليبيا رغم سقوطهم في الانتخابات وسيطرتهم بالقوة على طرابلس وغيرها وإرهاب الناس وتدمير ممتلكاتهم وتسهيل بروز داعش وأنصار الشريعة وغيرها من جماعات الإرهاب.
بينما يحل عيد الأضحى المبارك، ويحتفل المسلمون به وسط كوارث ونوبات في سوريا وليبيا واليمن وغيرها، يعمل البعض جاهدين على تشويه ما تبقى من صورة الإسلام كدين ووسيلة حياة إنسانية راقية. لا غرابة إذا حين يربط غير المسلمين ـ خاصة من جماهير الغرب المشوه وعيها إعلاميا ـ بين ذبح الأضحية وقتل “المجاهدين للأسرى”. ولا أدري كيف يمكن أن تقنع أجنبيا بأن الإسلام دين سلام وتسامح بينما من يرفعون رايته في سوريا (حتى لو كان زورا وبهتانا) يقتلون المحتجزين لديهم في عمليات إعدام جماعي. هذا نذير لمعشر العرب والمسلمين: إذا جاؤوكم الإخوان حاكمين، ومعهم أذرعهم الإرهابية، فلا تنتظروا سوى الذبح المبين ليس تضحية في سبيل الله والدين وإنما لإشباع رغبات الانتهازيين والأفاقين. اللهم احمنا من شرور هؤلاء، وقنا حكمهم ولو كانوا بالغرب مدعومين.

د.احمد مصطفى
كاتب صحفي مصري

إلى الأعلى