الثلاثاء 23 مايو 2017 م - ٢٦ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن: الحج دروس ومواعظ
رأي الوطن: الحج دروس ومواعظ

رأي الوطن: الحج دروس ومواعظ

لعل المسلمين الآن في شتى أنحاء الأرض بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى استلهام الدروس والمواعظ والحكم من الشعائر والمناسبات الدينية الفريدة التي يكتنزها التاريخ الإسلامي، ويتميز بها دون سواه، وإحداها الركن الخامس من أركان الإسلام، ألا وهو الحج حيث يقف حجاج بيت الله الحرام اليوم على صعيد عرفات الطاهر ضارعين إلى المولى بالدعاء والثناء والحمد والتهليل والتكبير، ووجل القلب، تخفق معهم قلوب المسلمين في أنحاء العالم مهللين مكبرين ضارعين إلى بارئهم بأن يقسم لهم ما قسم لضيوفه وضيوف بيته الحرام من الأجر والثواب والعطاء والخير العميم.
وحين نستلهم هذه الشعيرة العظيمة إنما نستلهم في خضمها التعاليم الدينية السمحة التي جاء بها رسول الهداية ومبلغ رسالة الإسلام والسلام عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام. ولأن المسلمين الآن أصبحوا فرقًا أشتاتًا تطحنهم نار الطائفية المقيتة، ويؤجج نارها عدو لا يرعى فيهم إلًّا ولا ذمة، وأضحوا هدفًا لسهام مسمومة يطلقها أعداؤهم مع كل حادث يقع في أي مكان من العالم، لذلك فهم مدعوون اليوم أكثر من أي وقت مضى للمِّ الشمل ونبذ الفرقة والشحناء، وسد الثغرات أمام أعدائهم، وإعادة تبييض صفحة الإسلام ناصعة لا تشوبها شائبة كما كانت، ومواجهة الحجة بالحجة ومعالجة التشوهات التي لحقت بصورتهم في العالم، فتاريخ المسلمين مليء بالشواهد الناصعة على إيجابية هذا الدين ومنفعته الكبيرة للبشرية جمعاء، وحبه للسلام والإخاء والألفة والمودة وحوار الآخر والمخالف، ودعوته إلى ذلك باللين والرفق وبالحكمة، فها هو رسول الرحمة والهداية وسيد الأنام يقول لنا ويوصينا بوصاياه النورانية: “ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع الرفق من شيء إلا شانه”، فعلينا البحث دون كلل عن النقاط التي تقارب أحداث العصر مقاربة موضوعية بعيدًا عن لغة العنف، والتماسًا لأطر الحوار الموضوعي مع النفس في الغالب الأعم. ثم مع الآخرين فحين يدعونا الإسلام إلى الجهاد فإنما يدعونا إلى مجاهدة النفس الأمارة بالسوء، ومجاهدة النفس تعني جملة من الممارسات والسلوكيات التي ترتق علاقاتنا بالآخرين، وتعزز لغة التقارب وتعمق مفهوم التسامح، وكل ذلك هو ما وصفه الإسلام على لسان الرسول الكريم بـ(الجهاد الأكبر). إذن الجهاد الأكبر هو جهاد النفس، ولكن نفرًا من أنصاف العالمين بشؤون ديننا الحنيف ظن أن الجهاد هو مغادرة شؤون الدنيا وما تتطلبه من تنشئة صالحة للأسرة المسلمة، ومن سهر على تعزيز وتحسين ظروفها الاقتصادية والعلمية والصحية، واللجوء بدلًا عن ذلك إلى امتشاق السلاح والاعتصام ببطون الكهوف النائية ومخاطبة العالم بلغة متحجرة عن معارك تهدر فيها دماء الأبرياء وتهدم خلالها علاقات الود والصفاء مع المجتمعات المسالمة. وما أحوج مسلمي اليوم أن يتبصروا إلى أي حال صارت أحوالهم وما هي أسباب ذلك؟ وما هي عدتهم لاجتياز هذا المنعطف الصعب في التاريخ المعاصر، فأحداث ما يسمى “الربيع العربي” على سبيل المثال يصورها البعض على أنها نصر كبير ضد الظلم والفساد، بينما هي طاحونة تطحن البلاد والعباد، وتعجن دماءهم بالتراب، وتستشري النكبات بالبلاد والعباد، فتسلم ويسلمون لأعدائهم القياد حتى باتت أساطيل الأعداء تدك بلاد المسلمين وتدمر بناها التحتية تحت ذرائع “الحرية وحقوق الإنسان وحماية المدنيين” وغيرها من شعارات كشفت حقيقتها غارات الغدر والطلقات المسمومة.
وتحت استشراء هذا النزق والزيف الماطر الذي يأخذ العقول ويخطف الألباب لا يزال أوار التدمير في بلاد المسلمين على أشده، ولا تزال آلة القتل والفتك تواصل فعلها في جسد أمة الإسلام، ولا يزال هناك من مغيبي الوعي والمتسترين برداء الإسلام يشحذون نصالهم لقطع رؤوس الأبرياء باسم “الجهاد” وباسم “الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان” وكل من هذه المسميات براء من المتلفعين بها والمتسترين بها.
إن التعايش هو الأصل في تعاليم الإسلام وليس المواجهة، وهذا ما يستدعي أن يلجأ الذين يعكسون الآية إلى وقفة مع النفس يراجعونها ويخلصونها مما علق بها من تشوهات لحقتها بفعل ضغوط عديدة مر بها بعض أولئك الذين يجنحون نحو التشدد في تفسير وتأويل النصوص الدينية باتجاه جذب العالم إلى هاوية الصراع الدموي الجالب للتهلكة بفعل ما يتكدس في عالم اليوم من وسائل الحرب المدمرة، فلم تعد الحرب سيفًا أو رمحًا يقتل فردًا بطعنة واحدة. إنما الحرب صارت تطيح بالملايين في ضغطة يسيرة على زناد صاروخ أو تفجير قنبلة عن بعد بأدوات تحكم حديثة فتترك مدنًا بكاملها قاعًا صفصفًا.
فهل يجد ذلك النفر في هذه الأيام المباركة وفي شعيرة الحج ما يجعلهم مؤهلين لوقفة التبصر تلك، ويشرعون في الحوار مع الذات ومع الآخرين على أسس من الموادعة وحسن المعاملة، والتماس القضايا من زوايا تبشر ولا تنفر، وتقرب ذات البين ولا تفرق، ويتوقفون عن تدمير الذات بالذات؟ نأمل ذلك.

إلى الأعلى