الأربعاء 25 يناير 2017 م - ٢٦ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / عيد الأضحى المبارك .. وشرعية الأضاحي

عيد الأضحى المبارك .. وشرعية الأضاحي

عبدالله القنوبي:
يومٌ عظيمٌ لمن أخلص عبادتَه لربِّهِ الكريم، ويومُ العيدِ يأتي محفوفاً بأنوارِ شعائرِ حجِّ بيتِ اللهِ الحرام وتَذكُّرِ مشاعرهِ العظام

ـ أمر الله تعالى بصلاةُ العيد، ثم أتبع أمرَهُ بذبح الأضحية لأنها قربةٌ للهِ سبحانه وتعالى وتخليدٌ لذكرى خليل الرحمنِ في ذبحِ ابنِه

ـ التكبيرَ مِن سُننِ العيد إظهاراً لشرفِ هذا اليومِ العظيم، وينبغي للمسلمِ أن يكونَ ذاكراً لله كثيراً مُهللاً مُكبراً خصوصاً في هذه الأيامِ العظيمة

ـ الأعيادَ نعمةٌ عظيمةٌ على العباد، وهي فرصةٌ كبرى لاستباقِ الخيراتِ والإكثارِ من الصدقاتِ والقربات ونبذِ العداواتِ والخصومات

اعداد ـ علي بن صالح السليمي:
مجموعة خطب قيمة متنوعة للشيخ عبدالله بن سعيد القنوبي .. أُلقيت في مناسبات متعددة، وتنشر هنا للفائدة بعد تهذيبها وتعديلها من قبل المشرف العام للموقع ..
استهل الشيخ خطبته قائلاً: الحمدُ للهِ يمنُّ على عبادِهِ بمواسمِ الخيراتِ والبركات، ويُنزِّلُ عليهم من فضلِهِ الرحمات، ويتجلى برحمتهِ لحجاجِ بيتِهِ الحرامِ بغفرانِ الخطايا والسيئات، ويُتحِفهم بالمغفرةِ ورفيعِ الدرجاتِ في الجنات، سبحانه الرحيمُ الودود، ذو العرشِ المجيد، الفعَّالُ لما يريد،(تُسَبِّحُ لَهُ السموات السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا )، ونشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، جعل الأعيادَ فرحةً للمؤمنين، وسروراً للمحسنين، ونشهدُ أن سيِّدَنا ونبيَّنا محمداً عبدُالله ورسولُهُ خيرُ الأولينَ والآخِرين، وقائدُ المؤمنينَ إلى رضوانِ ربِّ العالمين، (صلى اللهُ عليه وسلم) تسليماً كثيراً، وعلى آلهِ وصحبهِ الأبرار، وأزواجِهِ الأطهار، وعلى من تبعهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين.
وقال مخاطباً الحضور: عباد الله، اتقوا اللهَ في سرِّكم وجهرِكم، وراقبوه في جميعِ أعمالكم، واعْرِفوا مِنَّةَ اللهِ عليكم بما حباكم من وافرِ نعمهِ المتكاثرة؛ التي لا إحصاءَ لها ولا انقطاع، وإن مِن أعظمِها نعمةَ الإسلامِ الذي أنقذكم اللهُ بهِ من الظلمات، وجعلكم خيرَ أمةٍ أُخرِجت للعالمين، وتذكروا ـ رحمكم الله ـ باجتماعِكم هذا اجتماعَ حُجاجِ بيتِ اللهِ الحرام في عرصاتِ منىً ومزدلفةَ وعرفات، يَضُجُّون بالتلبيةِ بصوتٍ واحدٍ ولباسٍ واحد، وقد وفدوا إلى ربهم شُعثاً غُبراً، تدفعُهم الرغبةُ في غفرانِ الذنوبِ وسترِ العيوبِ وعتقِ الرقاب، ضارعين إلى علامِ الغيوبِ بدموعٍ تغسِلُ آصارَهم وتحطُّ أوزارَهم، فارقوا الأهلَ والأولاد، وتركوا المتاعَ والتِّلاد، فتراهم بين باكٍ بين يدي مولاه على ما اقترفت يداه، وبين مُستبشرٍ بنزولِ رحمةِ الله، إذ الحجُّ تُقالُ بهِ العثار، وتُغفَرُ الأوزار، فيا لهُ مِن مشهد ٍ عظيمٍ تتجلى فيه أنوارُ الربوبية، بين حرمِ اللهِ وكعبتِهِ والمشاعرِ العظام، فطوبى لمن أخلص حجَّه واستغفر لذنبِه، وبكى على خطيئتِه.
وقال: أيها المسلمون هذا هو يومُكم العظيم، لمن أخلص عبادتَه لربِّهِ الكريم، يومُ العيدِ الذي يأتي محفوفاً بأنوارِ شعائرِ حجِّ بيتِ اللهِ الحرام، وتَذكُّرِ المشاعرِ العظام، لذلك أوجب المولى عزوجل لهذا اليومِ التعظيم، لما افاضهُ فيهِ على عبادِهِ من التكريم، فاجعلوا أعيادَكم أعياداً شرعية، بين تكبيرٍ وتهليلٍ وتحميد، واصلينَ للأرحام، قد توحدت قلوبُكم، وصفت نفوسُكم من الغلِ والحسدِ والبغضاء.
وخاطب الحضور قائلاً: عبادَ الله: إن اللهَ رفعَ من شأنِ عيدِ الأضحى بما شرع فيه من الأضاحي الشرعية، يقول اللهُ سبحانه وتعالى:(إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ، إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ)، فقد أمر جل جلاله هنا بالصلاةِ وهي صلاةُ العيد، ثم أتبع ذلك أمرَهُ بالنحرِ وهو ذبحُ الأضحية، وذلك لأنها قربةٌ للهِ سبحانه وتعالى، وتخليدٌ لذكرى خليلِ الرحمنِ إبراهيمَ (عليه السلام) في ذبحِ ابنِه، ففداه اللهُ بذبحٍ عظيم، ولقد جاء عن أنسٍ ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: ضحى النبيُّ (صلى الله عليه وسلم) بكبشينِ أملحينِ أقرنين، ذبحهما بيدِهِ وسمَّى وكبَّر، وجاء عنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ أنه قال:(أولُ ما نبدأُ بهِ في يومِنا هذا نُصلِّي ثم نرجِعُ فننحر، مَن فَعَلَ ذلك فقد أصاب سُنتَنا، ومَن ذَبَحَ قَبْلُ فإنما هو لحمٌ قدَّمهُ لأهلِهِ ليس من النُّسُكِ في شيء).
مؤكداً بقوله: وقد حض (صلى الله عليه وسلم) على الأُضحيةِ ورغبَّ فيها، بحيثُ تكونُ خاليةً من العيوب لأنها قربةٌ إلى الله عزوجل، وما دامت كذلك فينبغي أن تكونَ مِن أحسنِ النَّعَمِ وأكملِها، كما حض (صلى الله عليه وسلم) على التصدُّقِ بشيءٍ من هذه الأضحيةِ على المحتاجين والمعوزين، وهذا ما لا يفعلُهُ كثيرٌ من الناسِ اليوم، تاركين بذلك سنةَ النبيِّ (صلى الله عليه وسلم) الذي أمر بأن تُقسَّمَ الأضحيةُ إلى ثلاثةِ أقسام، يقول ـ عليهِ الصلاةُ والسلام:(كُلوا وتصدَّقُوا وادَّخِرُوا)، ولكنَّ بعضَ المسلمينَ ـ هداهم الله ـ يجعلونها لأنفسِهِم كُلَّها دونَ مراعاةِ هذه الحدود، يقول اللهُ عزوجل:(وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).
وقال: إن التكبيرَ مِن سُننِ العيد، إظهاراً لشرفِ هذا اليومِ العظيم، يقولُ جلَّ ذِكْرُه:(وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ)، ولذلك ينبغي للمسلمِ أن يكونَ ذاكراً لله كثيراً مُهللاً مُكبراً خصوصاً في هذه الأيامِ العظيمة، ويستمِرُّ ذلك التكبيرُ بعدَ الصلواتِ المفروضةِ مِن صلاةِ الظهرِ في اليومِ العاشرِ إلى صلاةِ العصرِ مِن ثالثِ أيامِ التشريق، يقولُ جلَّ جلالُه:(وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ).
موضحاً بقوله: إن الأعيادَ نعمةٌ عظيمةٌ على العباد، وهي فرصةٌ كبرى لاستباقِ الخيراتِ وفعلِ الصالحات، والإكثارِ من الصدقاتِ والقربات، وصلةِ الأرحامِ وإفشاءِ السلام، وإطعامِ الطعام، ونبذِ العداواتِ والخصومات، بذلك تتآلفُ القلوب، وتصفو النفوس، وتجتمعُ على طاعةِ اللهِ عزوجل، (ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، فلا تجعلوا أعيادَكم ـ رحمكم الله ـ فرصةً لاجتراحِ الموبقاتِ وكسبِ السيئات، والانغماسِ في المحرماتِ من الشهوات، فإن النعمةَ تستوجِبُ الشُّكرَ لا الكُفر، وتستلزِمُ الحمدَ لا الجحد، فداوِموا عليها بِشُكرِها، فإن النعمَ زائلةٌ سريعةُ التحوُّل،وإياكم والاستخفافَ بنعمِ اللهِ وتبذيرَها والإسرافَ فيها، فإن الإسرافَ يمحَقُ النِّعم، ويُنزِلُ النِّقم، واسمعوا إلى قولِ اللهِ تعالى:(وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) .
مشدداً على التبذير والإسراف بين الناس فقال: ولقد تجاوزَ كثيرٌ من الناسِ الحدودَ في التبذيرِ والإسراف: مأكلاً ومشرباً وملبساً ومسكناً، فبينما ترى أناساً يتمرغون في النعمِ بدون أدنى جُهدٍ أو كُلفة، ترى آخرين يترددون هنا وهناك يبحثون عن قوتهِم بكلِّ صُعوبةٍ ومشقة، ومع ذلك فلا يَرِقُّ قويٌّ لضعيف، ولا يعطِفُ غنيٌّ على فقير، قد أكَلَ الطمعُ قلوبَهم، وتباغضت نفوسُهُم، وتقاتلوا على الدنيا كأنهم فيها مخلدون، (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ)، فعلامَ يقتُلُ الولدُ أباه؟! أم على أيِّ شيءٍ يهجرُ الأخُ أخاه؟! أعلى الدنيا يتنافسون؟! وعليها يقتتِلون؟! وقد علِموا أنهم عنها مُنتقِلون، فاستيقظوا ـ عبادَ الله ـ من هذه الغفلة، واستفيقوا من هذه السكرة .
وقال: إن كثرةَ انتشارِ الجرائم، وضياعَ الأحداثِ وصِغارِ السِّن، إنما هو ناتجٌ مِن التقصيرِ الخطيرِ في واجبِ التربية، وعدمِ الوعيِ عند المربينَ بما يُلقَى على عاتقِهم من مسئولِيَّةِ تربيةِ الأجيالِ على كريمِ الخلال، وتلك أمانةٌ عامةٌ يتحمَّلُها الجميعُ مِن آباءَ ومُربين، ومدرسةٍ ومجتمع، ومُؤسساتٍ إعلاميةٍ وتثقيفيةٍ وتوجيهية، ولو تكاتفُ الجميعُ لما رأينا ثمراتِ القلوبِ وفلذاتِ الأكبادِ يهِيمونَ على وجوهِهِم، لا يعونَ رُشداً، ولا يهتدون سبيلا .
موضحاً بقوله: إن أيَّ خللٍ في شروطِ منهجِ تربيةِ الأبناءِ يُقوِّضُ بُنيانَ الأُسَر، ويَدُكُّ أسوارَ المجتمعات، فانعدامُ المراقبةِ في البيتِ يُشيعُ الفوضى والخراب، وفسادُ الأبوين هو الداهيةُ الدهياءُ التي تقصِمُ ظهرَ الأسرِ والمجتمعات، فالأبُ يسبحُ في عَمى، ويسيرُ على غيرِ هدى، والأمُّ مشغولةٌ هي الأخرى، فيضيعُ الأبناءُ بين أبٍ لا هَمَّ لهُ إلا السهرُ والمجون، وأُمٍّ تهيمُ في ليلٍ بهيم، لا يهمُّها رعايةَ أبنائِها، فلا يرتابُ عاقِلٌ ساعتَها في ضياعِ الأبناء؛ لأن غيابَ التربيةِ الحكيمةِ مُنذُ الصِّغر، يجعلُ الأبناءَ يَسْتقونَ منهجَهم وسلوكَهم من أيِّ مُستنقعٍ آسنٍ وبيء، وليت شعري متى يستفيقُ هؤلاءِ الآباءُ من رقدتهِم، أبعدَ أن ينتهي الطوفانُ مُؤذِناً بضياعِ أبنائهِم وفسادِ فلذاتِ أكبادِهم .
* المصدر (بتصرف من موقع القبس الالكتروني)

إلى الأعلى