الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 م - ٢٦ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / التنمية وعيوب المراجعات المتكررة

التنمية وعيوب المراجعات المتكررة

عادل سعد

إن واحدًا من العيوب الشائعة في بعض الأوضاع الاقتصادية العربية يكمن في الاستباحة المتكررة للوقت ضمن انشغالات علاجية تهدف الى تقويم اخفاقات تحصل في هذا المضمار التنموي أو ذاك ، مما يؤدي الى التوقف عند محطات نكوس وكساد وتذبذب وانكماش ، وأقول عيوبًا لأن الأصل في اللجوء الى معالجات بهذه الكثرة الواضحة لابدّ أن تقف وراءه أسباب تتعلق بنقص التركيز في انضاج التخطيط المطلوب الذي يستلزم بالدرجة الأساس رؤية تضع بالاعتبار صيانة المشروع مبدئيًّا من أي تراجع يمكن حصوله ، أو ان يكون هناك هامش تعويض جاهز يسد الفجوة التي يمكن ان تحصل ، ولكن حين يكون الاخفاق حاضرًا بهيمنة خانقة ينصرف القائمون على الشأن الاقتصادي إليه بهدف معالجته وعدم عبوره ، فإن جزءًا من العملية الاقتصادية ينعطف الى انشغالات جانبية في حالة حصول مثل تلك المراجعات ، بينما يقتضي الحال توفير هذا الوقت لتعزيز المفردات المطلوبة الميدانية لأي مشروع تنموي ، اما متى تقع الاقتصادات تحت طائلة هذه الانشغالات الجانبية فذلك يعود بالدرجة الأساس الى ما يمكن ان نصطلح عليه الفورة الاقتصادية التي يراد بها حرق المراحل والتأسيس لاقتصاد جديد قادر على استيعاب الحاجات القائمة التي تضغط باستمرار مما يوجد حالة من التطرف لصالح النمو على حساب التدقيق اللازم الذي يأخذ بنظر الاعتبار ما لدى صاحب المشروع من امكانيات وقدرات تنفيذية وحساب للنتائج وتصريفها .
كما ان الاقتصادات التي تعتمد على مصادر الريع المتأتي من بيع المواد الاولية تعاني من كثرة المراجعات المشار اليها لان الايرادات المالية المتأتية من بيع تلك المواد تخضع لقياس العرض والطلب لهذه المادة او تلك وما يصيبها في بعض الاحيان من خلل تجاري بأهداف سياسية او باهداف اقتصادية أو تتعلق بتغيير النمط التجاري القائم .
وعندما نقول إن بعض الاقتصادات العربية تقع ضمن دائرة هذه العيوب فإن لدينا الكثير من العينات على ذلك لعل في مقدمتها العجز الحاصل في الموازنات بدون وجود قدرة على معالجته إلا إلى الاستدانة وزيادة الفوائد على الديون ، وهكذا تدخل تلك الاقتصادات في دوامة التسديد وتراكم الفوائد وجدولتها مما يطيل امد هذه الديون ويجعل الاقتصادات التي تتحملها رهينة لأصحاب الديون المذكورة .
والحال ايضًا ان الاقتصادات التي تجعل قدرتها مرتبطة بالاقتصادات العالمية وما تزخر السوق الدولية من مؤثرات تكون حبيسة هذه المؤثرات التي قد تتحول الى سلسلة متوالية لا يمكن الافلات منها تتحول بمرور الوقت الى دوامة من الانشغالات الجانبية .
ولنا أن نتوقف ايضًا عند ظاهرة الفساد وما تسبب من تأثيرات سلبية تغذي وتديم هذه العيوب عندما لا تكون هناك اجراءات جدية لاستئصال هذه الظاهرة وإعادة تأسيس لاقتصاد شفاف يستند في قوته الى موجودات معروفة لا تمسها
يد الفاسدين .
اجمالًا ان الانشغال في معالجة العيوب حينما يتحول الى جزء اساسي من حركة الاقتصاد فانه يمثل في حقيقة الامر عائقًا واضحًا يمنع مواكبة شروط التنمية الصحيحة ، وبالتالي يؤدي ذلك الى نقص كبير في قدرة التكيف مع الحالة التنموية السائدة عالميًّا ، مما يضعف قدرته ان يكون شريكًا منافسًا في أية كتلة اقليمية او دولية ، ونستطيع ان نشير الى الاقتصاد المكسيكي بوصفه عينة من هذا النوع ضمن تكتل النافتا الذي يضم الولايات المتحدة الامريكية وكندا الى جانب المكسيك ، وكذلك عدد من اقتصادات دول شرق أوروبا ضمن الاتحاد الأوروبي .

إلى الأعلى