الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / منظمات المجتمع المدني.. ما لها وما عليها!

منظمات المجتمع المدني.. ما لها وما عليها!

جواد البشيتي

“المنظمات غير الحكومية” (NGOs) Non-Governmental Organizations هي إحدى السمات الجوهرية لعصر العولمة الذي نعيش؛ وهي، لجهة حقيقتها، والموقف منها، قضية خلافية كبرى، على المستوى العالمي؛ والمتطرفون، المُغالون، في تأييدها والانتصار لها (فكرةً، ووجودًا، وعملًا، ونشاطًا، وغايةً، ومهمَّةً) يَعْتَدُّونها القوة العظمى “الأخرى” في العالَم.
إنَّ أحدًا من الحريصين على تطوير “الجماعية”، روحًا وفكرًا وإرادةً ونشاطًا وعملًا، في كل مجتمع، وفي هذا العصر الذي نعيش على وجه الخصوص، لا يُمْكِنه إلاَّ أنْ يَقِف مع كل جماعة من الناس (مهما كان حجمها) يُنَظِّم أفرادها (المتشاركين في اهتمام ما) أنفسهم بأنفسهم، في شكل “مؤسَّسة”، ويُزاولون معًا نشاطًا تَطَوُّعيًّا (في أصله وأساسه) تعود نتائجه بالنَّفْع والفائدة على غيرهم من أبناء المجتمع، ولا يتقاسمون “الأرباح” إذا ما ربحوا؛ إنَّهم بنشاطهم (التَّطوعي، اللاربحي) هذا يُلَبُّون (على نحوٍ أفضل) حاجة عامَّة ما، لم تَسْتَطِع “الحكومة (ومنظماتها)” تلبيتها، أو لم تكترث لأمر تلبيتها؛ وهُمْ في سبيل ذلك يجتهدون في تمويل أنفسهم بأنفسهم، ويحرصون، في الوقت نفسه، على ألاَّ تضر المساعدات والمعونات المالية (وغير المالية) التي قد يتلقونها من “مصادِر خارجية”، محلية أو دولية، باستقلال منظَّمتهم.
هذا “النشاط الجماعي التَّطوعي المُنَظَّم اللاربحياللاحكومي الخيري (والإنساني في أصله وأساسه) أو الذي يخدم قضايا عامَّة، منها، على سبيل المثال، حقوق الإنسان،هو وليد حاجة إنسانية (عالمية) تَضْرِب جذورها عميقًا في “الواقع الموضوعي” لعصر العولمة الذي نعيش؛ ونحن لو انتزعنا “المنظمات غير الحكومية” من براثن ذوي المصالح الفئوية الضيقة، أو من براثن القوى المتحكِّمة في مصادِر التمويل الدولي لهذه المنظمات، لَرَأَيْنا فيها جنين مجتمع عالمي جديد؛ فـ “المنظمة غير الحكومية”، هي، في فكرتها الافتراضية، وفي بعضٍ من واقعها، “قطاع ثالث”؛ قطاع يَقَع في منزلة بين منزلتين، بين “القطاع (الحكومي) العام” و”القطاع الخاص”؛ إنَّها مُركَّبٌ من القطاعين العام والخاص؛ فهي تشبه “القطاع العام” لِكَوْنها تَعْمَل لقضية عامة، وتَخْدُم مصلحة عامة، وتلبِّي حاجة عامة، ولا تبتغي الربح، الذي إنْ وُجِدَ لا يتقاسمه الأعضاء؛ وفيها نرى كثيرًا ما يُجَسِّد مبدأ “الفرد من أجل الكل، والكل من أجل الفرد”؛ وهي تشبه “القطاع الخاص” لِكَوْنها “جماعة خاصَّة”، أعضاؤها من المتطوعين، وإنْ تقاضى بعضهم أجورًا، ومستقلة، في وجودها وعملها ونشاطها وغاياتها وإدارتها وتمويلها، عن الحكومة (ومنظماتها).
في البدء تكون “المهمة”؛ فثمَّة عمل ما لا بدَّ من القيام به؛ لأنَّ “الحكومة”، ولسببٍ ما، لم تَقُمْ به؛ ولأنَّ الناس المعنيين به لا يستطيعون القيام به؛ وهذا العمل يخدم مصلحة فئة ما من المواطنين، أو يُلبِّي لهم حاجة ما؛ فيُنَظِّم أفراد، يتشاركون الاهتمام نفسه، أنفسهم بأنفسهم، في شكل “مؤسَّسة (منظمة غير حكومية)”؛ ويكون هؤلاء الأفراد المتطوعون من ذوي الخبرة والكفاءة والمهارة في هذا العمل، ويجتذبون إلى صفوفهم مزيدًا من أشباههم من المتطوعين، متوفِّرين على التمويل الذاتي لنشاطهم، والذي يمكن جعله غير مُتَناقِض مع تلقِّي مساعدات ومعونات مالية (وغير مالية) من “مصادِر خارجية غير حكومية”.
إنَّ السؤال الذي تستأثر إجابته باهتمام “النواة المؤسِّسة” هو “ما الخدمة الجديدة الجيدة التي يمكنهم تقديمها إلى المجتمع، أو إلى فئة ما منه، من طريق عمل تطوعي، غير ربحي، يؤدُّونه، مع البقاء مستقلين، إداريًّا وماليًّا، عن الحكومة؟”؛ لكنَّ وجود “المنظمة غير الحكومية”، مع نشاطها، يَسْتَلْزِم شيئًا من التشريعات والقوانين؛ لأنَّ “العَلَنِيَّة (لا السِّريَّة)” هي الشرط الأوَّلي لوجودها ونشاطها؛ ولَمَّا كانت القوَّة العظمى في العالَم (الولايات المتحدة) هي المَعْنِيَّة أكثر من غيرها بالإفادة، سياسيًّا واستراتيجيًّا، من هذه الحاجة (العالمية الجديدة) إلى “المنظمات غير الحكومية”، سَعَت واجتهدت في حَمْل “أصدقائها (وحلفائها)” من الدولعلى إنجاز إصلاحات تشريعية وقانونية وسياسية تكفي، على ضآلتها، لظهور “المنظمات غير الحكومية”، بأنواعها وألوانها كافة، إلى حيِّز الوجود، ولمزاولة عملها ونشاطها في حرية، ولِجَعْل تلقيها المساعدات والمعونات المالية (وغير المالية) من “مصادِر خارجية” تتحكَّم هي (أيْ الولايات المتحدة) فيها أَمْرًا طبيعيًّا، شرعيًّا، وقانونيًّا؛ وكأنَّ الأمر يشبه زواجًا بين الولايات المتحدة، بصفة كونها الرَّجُل، وبين كل دولة من هذه الدول، بصفة كونها المرأة، التي تُنْجِب “منظمات غير حكومية”، تؤسِّس، بوجودها وانتشارها ونشاطها وإنجازاتها، لدولة جديدة، تشبه، بماهيتها وخواصها، مصالح وأهداف استراتيجية للقوَّة العظمى في العالَم، أو تؤسِّس لـ”حالة” شبيهة بـ”حالة الفوضى الخلاقة” التي عَرَفَتْها دول “الربيع العربي”.
إنَّ “وكالة الولايات المتحدة للتنمية الدولية” (USAID) The United States Agency for International Developmentوهي وكالة تابعة لحكومة الولايات المتحدة، أنشأها الرئيس جون كينيدي سنة 1961، هي المَصْدَر (العالمي الغربي) الأهم لـ”التمويل الأجنبي” لـ”المنظمات غير الحكومية” في كثيرٍ من دول العالَم؛ وغاية عملها النهائية هي خدمة السياسة الخارجية للولايات المتحدة (بأهدافها المُعْلَنَة، وغير المُعْلَنَة، وبما تَكْمُن في هذه الأهداف من مصالح حيوية واستراتيجية). ولهذه الوكالة بعثة في الدولة التي تعمل فيها، يديرها موظَّف في سفارة الولايات المتحدة، ويعمل مع البعثة تحت إشراف السفير مباشَرَةً.
وثمَّة صلات عمل وثيقة بين هذه الوكالة وبين وكالة الاستخبارات المركزية، التي كثيرًا ما عمل موظَّفوها في الخارج تحت غطاء “وكالة التنمية الدولية”.
ومن طريق تبنِّيها وتمويلها لـ “المنظمات غير الحكومية (أو “المنظمات غير الربحية”، أو “المنظمات التطوعية”، أو “المنظمات الخيرية”، أو “المنظمات الأهلية”، أو “منظمات المجتمع المدني”)”، تكتسب الولايات المتحدة مزيدًا من النفوذ (السياسي والاقتصادي والثقافي..) في المجتمع الذي تنشط فيه، وتعمل، هذه المنظمات، التي تجتهد في استجماع ونَشْر كثيرٍ من المعلومات الجديدة التي تختص بسلطات الدولة الثلاث، وبالمجتمع بكل أوجه حياته؛ وهذا الجهد المعلوماتي (والمعرفي) لا بدَّ منه ولو من أجل إنجاز مهمَّات وأعمال “المنظمات غير الحكومية” التي تتلقَّى التمويل من الولايات المتحدة (من مصادرها الحكومية وغير الحكومية) ومن مصادِر غربية (حكومية وغير حكومية) أخرى.
وإنجازات هذه المنظمات تَشْهَد (ولو في بعضٍ منها) على “تقويم نسبي” للتناقض بين مصالح الولايات المتحدة ومصالح الدولة التي تعمل فيها “المنظمات غير الحكومية”؛ فالقوَّة العظمى في العالَم لا تستطيع أنْ تخدم مصالحها في هذه الدولة، أو من طريق هذه الدولة، من غير أنْ تخدم، في الوقت نفسه، بعض المصالح العامَّة لمواطني الدولة نفسها؛ وهذا ما يُفسِّر التناقض في مواقف الناس من “المنظمات غير الحكومية”.
وفي كثيرٍ من الدول العربية، نرى كثيرًا من الفساد يعتري “منظمات غير حكومية”؛ فالتمويل الأجنبي لـ”المنظمات غير الحكومية”، مع ما يلقاه “الاحتيال القانوني” من تسهيلات، يُغْري كثيرًا من المواطنين بخَوْض تجربة “إنشاء منظمة غير حكومية”؛ فالمؤسِّسون، أو المبادرون بالتأسيس، يتسربلون ويتدثَّرون بقيم ومبادئ وشعارات إنسانية وديمقراطية وحضارية تَقَع موقعًا حسنًا من نفوس “المموِّلين الأجانب”، فيَحْصَلون على التمويل لغاية الثراء الشخصي، مزاولين، في الوقت نفسه، ولذرِّ الرماد في العيون، نشاطًا يتوافَق، ولو شكليًّا، مع الأهداف والغايات (الإنسانية والديمقراطية والحضارية) المُعْلَنَة. وخِدْمَةً لهدف غير مُعْلَن لدى “المانحين” قد يُسْكَت، ويُغَضُّ النَّظر، عن فسادهم هذا؛ وهؤلاء أتوا بما يقيم الدليل على أنَّ ولاءهم لمَن يَدْفَع (أو لِمَن يَدْفَع أكثر). بعضٌ من هؤلاء أعلن صراحةً أنَّ من أهداف “المنظمة غير الحكومية” التي أنشأها “تلقي التمويل الأجنبي”.
ومع التَّزاوج بين الفساد الحكومي والفساد في “منظمات غير حكومية” تَكَوَّن ما يشبه “اللوبي” لهذه المنظمات في الحكومة وأجهزتها والبرلمان والمصارف والإعلام؛ ومع تعاظُم نفوذها شرعت هذه المنظمات تؤدِّي عملًا يشبه كثيرًا عمل “حكومة الظل”؛ وربَّما يتغيَّر ميزان القوى بين الطرفين (الحكومة و”المنظمات غير الحكومية”) مستقبلًا بما يجعل الحكومة تبدو “منظمة غير حكومية”، و”المنظمات غير الحكومية” حكومة!

إلى الأعلى