الإثنين 16 يناير 2017 م - ١٧ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / سفارات السلطان قابوس للسلام/ الخط الثاني

سفارات السلطان قابوس للسلام/ الخط الثاني

أ.د. محمد الدعمي

” لايحتاج المرء للكثير من الرصد أو التعمق للتيقن من أن هذه الكراسي العلمية الرفيعة، إضافة إلى الزمالات العلمية المرافقة لها، إنما تشكل خطاً ثانياً لسفارات جلالته للسلام العالمي، وهو الخط الذي لا يقل أهمية عن الجهود الدبلوماسية والرحلات المكوكية بين عواصم الصراعات عبر العالم بحثاً عن حلول لفك العقد ولإذابة الخلافات العالقة بين دول العالم…”
ــــــــــــــــــــــــــــ

بعد أن نشرت المقالة المعنونة بـ”سفارات السلطان قابوس للسلام” على صفحات (الوطن) الغراء قبل بضعة اشهر، لايملك المرء إلا أن يشعر بعدم إنصاف دور جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ صانعاً ورائداً للسلام العالمي، ذلك أن تجاوز الخط الثاني من سفارات جلالته للسلام، والاقتصار على متابعة أنشطة ردم ذات البين وحل الخصومات والنزاعات بين الدول المختلفة التي قادها جلالته بتفان ونكران ذات قل نظيرهما في عصر يعج بالصراعات وبالأنانيات وأشكال سوء الفهم، وبالضغائن الدينية والعصبيات القومية، ناهيك عما سواها من اشكالات تجد بدواخلها أسباباً عدة للارتطامات العسكرية أو السياسية إن نقبت قليلاً بأعماقها.
لذا لايمكن لأية سلطة علمية منصفة أن تدير ظهرها على سفارات السلطان قابوس العلمية المتمثلة بكراسي أستاذية رفيعة منتشرة في مختلف جامعات العالم من الولايات المتحدة الأميركية الى أستراليا، مروراً بإقليمنا المضطرب والملتهب، ومروراً بحواضر أوروبا الجامعية الزاهرة مثل كمبردج وأكسفورد (بريطانيا) وأترخت ولايدن (هولندا)، زيادة على طوكيو في اليابان.
لايحتاج المرء للكثير من الرصد أو التعمق للتيقن من أن هذه الكراسي العلمية الرفيعة، إضافة إلى الزمالات العلمية المرافقة لها، إنما تشكل خطاً ثانياً لسفارات جلالته للسلام العالمي، وهو الخط الذي لا يقل أهمية عن الجهود الدبلوماسية والرحلات المكوكية بين عواصم الصراعات عبر العالم بحثاً عن حلول لفك العقد ولإذابة الخلافات العالقة بين دول العالم التي طالما إقتربت من حافات هاويات الحروب والصدامات المسلحة لولا جهود السلطان وسفاراته السلمية التي اعتادت أن تقلب الضغائن والى التعاون والتوترات الى تفاهم مشترك.
لذا فانه من المهم لمن يرنو الى فهم وإدراك ابعاد سفارات السلام التي تضطلع بها كراسي جلالة السلطان قابوس العلمية عبر أكاديميات العالم الرفيعة، أن يرصد عناوينها على سبيل استشراف أهدافها السلمية الرفيعة، خاصة وأنها جميعاً تدور على مدارات السلام والتفاهم والتسامح ومنع خطايا سوء التفاهم بين الثقافات المتنوعة عبر العالم، خاصة بقدر تعلق الأمر بجهود السلطان قابوس المركزة على رسم صورة جديدة، غير مشوهة، موجهة للعالم الخارجي عن الحضارة العربية الإسلامية، أي صورة تختلف تماماً عن الصورة المشوهة التي ترسبت في قاع العقل الغربي بسبب اختلالات وتحاملات بعض المستشرقين المسؤولين عن رسمها وتسويقها عبر العالم، للأسف.
إن مجرد إنشاء كراسي للدراسات العربية والإسلامية ولدراسات الشرق الأوسط في قلب جامعات دول نائية كمنت على مواجهة تراكم هائل من المفاهيم الخاطئة والأفكار المشوهة المسبقة التي تم تكويمها على حضارتنا، إنما هو جهد ينطوي على مد الجسور الثقافية بين ثقافتنا وثقافات العالم الأخرى التي سقطت في متاهات الاستشراق السياسي المضاد لنا، ثم وقعت في شرك ما اصطلحت عليه تعبير “الإسلام الجديد” Neo-Islam المشحون بالكراهية والعنف والخيلاء المستمد من العصر المظلم عندما غاب الحوار الحضاري وبقي كل إنسان جزيرة هائمة لمفرده، للأسف.
هنا تخدم كراسي جلالة السلطان العلمية الرفيعة خيوطاً شادة لأواصر التآزر والتضامن الآدمي في هذه القرية الكونية المسماة بـ”الأرض”. وهذا ما ينطبق بشكل مثالي على “كرسي جلالة السلطان قابوس لدراسات الديانات الإبراهيمية بجامعة كامبردج، نظراً لأن ما يحيق بالسلام العالمي من مخاطر اليوم إنما يستمد طاقاته من الضغائن الطائفية بين اتباع الديانات التوحيدية الرئيسية الثلاث، أي الإسلام والمسيحية واليهودية، بغض النظر عما يتم تجاوزه، تعسفاً، من توازيات عقائدية وأخلاقية وقيمية، للأسف. أليست هذه جهود جليلة لصناعة السلام؟ لأنك إن تمكنت من بناء جسور الحوار والتفاعل والتلاقح الثقافي، إنما قد منعت الخلاف والارتطام على نحو تلقائي.
لاينبغي لهذه الأهداف السامية بسمو راعيها ـ حفظه الله ـ أن تحرف نظرنا عن الكراسي المتخصصة من شؤون قد تتحول الى قنابل مؤقتة تهدد السلام العالمي يوماً ما، ومنها قنبلة إدارة المياه والاستزراع التي خصص لها جلالته كرسيين أكاديميين الأول في البحرين، لاستزراع الأراضي الصحراوية؛ والثاني لإدارة المياه والتنوع الاقتصادي بجامعة أترخت بهولندا.
إن صناعة السلام لايمكن أن تتحدد بالوساطات وبتذويب التراكمات وحل النزاعات المباشرة والفورية، لأنها لابد أن تشمل كل ما من شأنه استباق صنع الأزمات وتفادي الارتطامات الثقافية والصدامات العسكرية المحتملة في المستقبل. هنا تكتسب سفارات السلطات قابوس للسلام استثنائيتها وتفردها عما سواها من جهود لإحلال السلام ومنع الحرب…

إلى الأعلى