الثلاثاء 30 مايو 2017 م - ٤ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الواقع والقيم والمبدعون

الواقع والقيم والمبدعون

علي عقلة عرسان

” لو أن أرضية القيم الدينية والخلقية والإنسانية، لدى البشر، مجرَّدة من الشوائب، موحَّدة المعيار، نزيهة، وخالية من الأغراض والهوى ـ في الفهم و التفسير والتوظيف ـ تحكم المصالح والسياسات والسلوك معاً.. لأصبح المشترَك الإنساني في هذا المجال، هو الأساس في التفكير والتدبير والتواصل والتعامل، ولكان الهامش الخارج على ذلك ضئيلاً، ولساد الحياةَ عالمُ القيم الرفيعة الذي لا تنخره ازدواجية المعايير والمكاييل ”
ــــــــــــــــــــ

ربما كان من المفيد، حتى لا نقول الضروري، أن نعيد طرح أسئلة على أنفسنا،، بهدف القيام بمراجعة لدور الإبداع الفكري والأدبي والفني، في مجتمعنا، وصولاً إلى حالة صحية في هذا المجال، تساهم في إخراجنا من أدواء، أودت بنا وبالإنسان والوطن، إلى أوضاع لا يقبلها أحد، ولا يتوقف أحد عن المطالبة بضرورة الخروج منها، وبأسرع وقت ممكن:
هل الأدب سجلٌ تاريخي، أو نوع من التاريخ الاجتماعي والوطني والقومي؟! أظن أن أكثر المؤرخين يرفضون هذا، ولكنهم جميعاً لا ينكرون ما قد يقدمه الأدب للتاريخ من معطيات تعجز عن تسجيلها وتدقيقها وتشخيصها قراءاتُ التاريخ الاجتماعية واستقراءاته واستخلاصات أكثر المهتمين به وملاحظاتهم.
وهل الأدب سجلٌ اجتماعي.. أو سجلُّ المجتمع وخلاصتُه في مرحلة ما ؟! إن غنى المجتمع وتنوّعََه، وما فيه من تداخل مصالح ومبادئ وقوى وسياسات وآراء وشخصيات ونفسيات مختلفة، يبدو، بالنسبة للأدب الذي يحاول أن يمثِّله أو يسجِّله، كالمحيط الذي يفرز موجة ما ويدفعها في مداه: إن الموجة من المحيط ولكنها ليست هو، وقد تعبِّر عن حالة من حالاته وتحمل بعض صفاته ومواصفاته، ولكنها تبقى الجزء الذي يدخل في الكل ولا يمكن أن يعطي صورة شاملة كاملة عنه، أو أن يكون بديلاً له؛ فللمحيط أعماقه وأحياؤه وماؤه ومناخُه والجغرافية الشاملة التي يشكِّلها وله موقعه من الأرض ومن حياة الناس والأحياء فيها ومن الأحياء فيه؛ وللناظر إلى المحيط: قدرة ورؤية ومزاج وهوى وحاجات ومصالح وغايات، تجعل فهمه أسيراً لها على نحو ما؟!!
في وقت يستباح فيه الإنسان، روحاً وجسداً، قيمة وكرامة.. ويصبح فيها البؤس والشقاء، وحالة تجسد الإزراء بكل ما هو روحي، وديني، وأخلاقي، ووطني، وإنساني.. هل يقوم الإبداع ” الفكري والأدبي والفني” بدور منقذ، وهل هو مسؤول، بمعنى ما، عما يصيب الإنسان والقيم من سوء، وعما يبلغه الإنسان من درك في التطرف والتصرف والانحطاط والوحشية؟! هل هو شريك في المسؤولية فيسأل، أم مغلوب على أمره فيهمَل.. أم أنه مراوغ في حالات، وملوث بالثم وشريك في الجرم في حالات؟! أم هو تابع، منافق، ومساهم بدرجة أو درجات في كل ما يتصل بالإنسان، والعمران، والقيم والدول في هذه الحياة.؟! هل الأدب يقدم فعلاً ” أبرز تمثيل للأخلاق وأفضل تعبير عنها”، كما قال توماس وارتون، أي هل يمكن أن ننظر إليه بوصفه سجلاً للأخلاق؟! وأية أخلاق يسجِّلها الأدب في هذه الحالة: هل هي الأخلاق المحددة ببيئة وثقافة، بزمان ومكان، بتاريخ وجغرافية، بموقف وحالة يطول مداها أم يقصر؛ أم هي الأخلاق بالمطلق التجريدي للكلمة، وبالمفهوم الشامل للإنساني؟! وهل هناك مفهوم شامل ومتفق عليه ومستقر في الأداء لـ “الإنساني” على الخصوص؟! ألا يبدو في أحيان كثيرة أن الإنسان موجود و ” الإنساني ” مفقود، في الوقت ذاته، وأن هناك ما هو إنساني مشترك نستشعره في الإبداع ونفتقده في الواقع العملي، وفي النزوع البشري، والدوافع، ومسوِّغات الأداء ذي الصبغة المنافية للإنساني والخلقي والقيمي، في حالات كثيرة ؟!
وهل الأدب هو: خلاصةُ الفكر، وصوت الأيديولوجيا، ولون السياسة أم هو وجهها الذي تُصعِّره للناس وتواجه به الحياة، وتحاول أن تلفِّق فيه موقفاً يجمع بين المثالي والمبدئي والبراجماتي؟! وهل هذا ممكن مع المحافظة على مناخ الإبداع، وحرية المبدع، وتألق الاستقلالية، وفعالية الأداء الإبداعي؟!.
هذه التساؤلات تسمح لنا بأن ندخل قليلاً إلى هذا العالم المشحون بالتناقضات والاعتراضات والاختلافات.. تلك التي تبدأ من المفاهيم المتصلة بالقيم، وتنتهي بعلاقة الأدب بالسلطة وبماهية الالتزام، وبإمكانية القول بـ: الفن المجرَّد أو بالفن للفن. يمكن أن نطرق هذا الباب بسؤال: هل الدور الذي للأدب، بعيدٌ عن التوظيف السياسي والاجتماعي ونتائجهما على الحياة والناس؟! وهل هو مما يُتَّفق عليه وعلى تقويمه في كل مجتمع من المجتمعات، وفي كل مرحلة من مراحل التاريخ في المجتمع الواحد، وفي أوقات الصراع الذي قد يكون دامياً؟! وهل القيم التي يستند إليها الأدب، أو التي يحملها ويتوافق معها ويدعو إليها، هي مما يُتَّفَق عليه أيضاً، بَلْهَ على الأحكام التي يطلقها والأوصاف التي يقدمها؟!
قد يقول قائل: إن القيم الخُلُقية والإنسانية واضحة، جذورُها مشتركة ومعاييرها موحَّدة ولا خلاف عليها أبداً!؟ ربما كان هذا صحيحاً من الناحية النظرية، وفي حال افتراض موضوعيةِ البشر وعلميَّتِهم ومثاليَّتِهم ونقائهم، ووجودهم في شرط عيش ومناخ متقاربين.. لكن الواقع غير ذلك، وتضارب الآراء حول قيمة ما ومفهومها وتطبيقها لا يلبث أن يضع المشكلة في العراء تماماً وبحجمها الحقيقي.
لو أن أرضية القيم الدينية والخلقية والإنسانية، لدى البشر، مجرَّدة من الشوائب، موحَّدة المعيار، نزيهة، وخالية من الإغراض والهوى ـ في الفهم و التفسير والتوظيف ـ تحكم المصالح والسياسات والسلوك معاً.. لأصبح المشترَك الإنساني في هذا المجال، هو الأساس في التفكير والتدبير والتواصل والتعامل، ولكان الهامش الخارج على ذلك ضئيلاً، ولساد الحياةَ عالمُ القيم الرفيعة الذي لا تنخره ازدواجية المعايير والمكاييل، ولا أدواء التعصب، والتطرف، والتمييز العنصري!!. ولَمَا كان هناك أخيارٌ هم أشرار بنظر آخرين والعكس صحيح، ولَمَا وجدنا منذ ” الفُرْس” مسرحية إسخيلوس في القرن الخامس قبل الميلاد، وحتى متميِّزي ـ عنصريي سارتر النازيين ـ في مسرحيته ” أسرى ألتونا ” القرن العشرين، هذا التعاطف ـ أو الانحياز المطلق ـ لفريق، والتعصب الذي يفيض مقتاً وموتاً ضد فريق آخر.
ولكنّ تداخلَ القيم الوطنية والقومية مع ما يشكِّل أرضية الإنساني والخلُقي، وتفاعلَها في بوتقة واحدة، على أساس عاطفي أو انفعالي أو تعصُّبي؛ وتقديم المصلحة والمنفعة: “الشخصية والاجتماعية والقومية والوطنية والفئوية، ومصلحة الدولة” على القيمة الخُلُقية والإنسانية، وعلى الموضوعية، والشراكة الحقيقية بين البشر في الشرط الإنساني والمصير الإنساني، بتوجّه براجماتي وفعل ذرائعي، مسوَّغ في فلسفات وسياسات معتمَدَة في بعض الدول والمجتمعات، بعيداً عن كل معيارية خُلُقيَّة صافية ورفيعة وشاملة؛ وجعل معيار السياسة هو المصلحة، ومصلحة بعض الأشخاص والفئات والاحتكارات والطبقات، هوالسياسة ومصلحةُ المجتمع أو الدولة، وإعطاء تلك المصلحة مسحة خُلُقيَّة وقيمية، وإضفاء صفة الوطني والقومي، وحتى الديني المقدس، على السياسة المصلحيَّة الضيقة، من منظور سلطوي ـ دَوْلِي ” قُطري “، أو بتأثير من ذلك المنظور، وإضفاء ثوب قومي على ذلك، وتضميخه بالشجاعة والتضحية والشهادة، وإكسابه هالة بطولية خُلُقيّة وإنسانية، مثالية أحياناً، ورفعه إلى مرتبة القداسة!! كل ذلك يوجد واقعاً مغايراً هو واقع: السياسة المجافية للأخلاق، والقوة الغاشمة المتلفِِّّعة بالعدل، والمصلحة الضيقة المتورِّمة، التي يتماها فيها الشخصي مع الفئوي والوطني، لمصلحة الأنا المريضة أو القاصرة، ولمصلحة الإعلام المسيطِر، الذي يقدِّم حقائقه على أنها الحقائق، وما هو إلا الزيف والتزييف.؟! إنه واقع مصنَّع يقدِّم نفسه وحقائقَه وقيمه، في ثوب الحقائق والقيم، وعلى حسابهما، فيؤثر ذلك في الرأي العام، وفي الوجدان الفردي والجمعي، وفي الذوق الأدبي والفني، ويوجد مناخاً ينمو فيه الأدب أو يتخلَّق فيه، على نحو غير سليم، فيَفسُدُ ويُفسِد. ولا يكون ذلك من دون تأثير مؤذٍ في الناس، والقيم، والضمير الفردي والجمعي، في كثير من الحالات، ومن ثم في العدل والحرية والسلام، وفي حياة البشر وأمنهم واستقرارهم ومفاهيمهم، أي في تكوينهم، ومنظومات قيمهم، ومعايير حياتهم، وأنماط سلوكهم وعيشهم.
ويطرح هذا الوضع سؤالاً حول موضوع إيجاد معيار سليم وشامل للخُلُقي والإنساني والحقيقي، بعيداً عن تلوُّن المعيار بتلوُّن الشخص والموقع والقوة والمصلحة والظرف.. فهل هذا ممكن يا ترى؟! إن السائد الآن هو ما أشرت إليه، مما يزخر بفساد وإفساد يأتيان على حياة العباد. تلك هي الحياة، ولكن قواعدها ليست من دون استثناء.؟!.
وتتولد من رؤية واعية لمسؤوليتها الإنسانية والخُلقية، ولموقعها وموقفها الوطنيين والقوميين، أو من رؤية مشوَّهة لتلك المسؤولية، ولذينك الموقع والموقف، تتولد، عند مبدعين، شرارةُ الإبداع التي تستخدم طاقة الروح النابعة من ضمير حي، قد يتجلى فيه الوعي المعرفي، ومن إحساس عميق بمعنى العدل، والحرية، والمسؤولية التاريخية، بمفاهيمهما ـ إن على أرضية سليمة أو مشوَّهة ـ وتذكي تلك الشرارة أداءها المؤثر من خلال الفكر والأدب والفن، بصيغها وأنواعها.. فتقوم على أرضية ذلك خلافات في الرأي قد تكون التضاد، والتعصب، والمقيت، فتفضي إلى صراعات دموية، وإلى الموت بعينه. وتنشأ في أحضان ذلك أيضاً الاختلافات المهلكة التي توظِّف الإبداع لخدمتها، وللتعبير عنها، فيكون التناقض الصارخ في الفهم والأداء والحكم، من جراء القراءات المنحازة، والمواقف المسبقة، ومن خلال معطى القيمة وفهمها، وتفسيرها، واستخدامها، ومن خلال المنتَج الأدبي والفكري والفني، ذاك الذي لا يخلو من أحكام قيمة متوارثة، متناقضة أو متضادة، ولا يخلو مناخه من قتل في الظلام، ومما يصبُّ الزيت على النار في كثير من الأحيان، أو يرفع من يصبونه أئمةً وأبطالاً.!؟.
إن القيم موضع اتفاق واختلاف: اتفاق مثالي واختلاف تطبيقي ـ عملي، اتفاق في جوهر الروح الإنساني، واختلاف في الانتماء لمجتمعات وبلدان، وقوميات، وثقافات، وديانات، ومذاهب، وأيديولوجيات، ومصالح و.. و.. إلخ..
وهكذا يبقى الإبداع بصورة عامة، والأدب بصورة خاصة، محكوماً إلى حد ما، أو إلى حد بعيد، بسيطرة العقائد والسياسات والمصالح والأيديولوجيات والانتماءات القومية والعرقية والمذهبية.. سيطرتها على معظم مفاهيمه وقيمه وأشكال توظيفه والحكم له أو عليه؛ فتشذي تلك المفاهيم والقيم.. ويبقى، بشكل من الأشكال، أداة مثلومة الحد إنسانياً بالمعنى الشامل الخالص النقي للإنساني وفق أبعاده المفهومية، وربما يصبح أداة غير عادلة، أو مرآة مشروخة في النهاية، بالمفهوم العميق للعدل، وسلامة الصورة، وحسن الرؤية، ونوع الإضافة ومستواها.. شأنه في ذلك شأن كثير من صور الأداء البشري الفكري والسياسي والإبداعي.. لا يحرر من التعصب ولا يتحرر منه، وقد يزيد في الجهل درجة، وفي التخلف والوحشية درجات.
وتبقى كل الأفعال التي ارتكبت تحت مظلات القيم والنظريات الكبرى والتطرف الديني، وكل الممارسات التي تمت بحق البشرية، وتناولها الأدبُ واستلهمها الإبداع.. يبقى كل ذلك، في ظلال المفاهيم والتفسيرات المختلفة للقيم السائدة أو المتداولة.. ويبقى رصيداً للبشر، وربما من أجل الإنسانية، وتحت مظلة قيمها على نحو ما، حسب اجتهادات منظِّرين مسوِّغين.. ويبقى أيضاً ضد الإنسانية، وخارج مظلتها، حسب اجتهاد وتسويغ نظرائهم، من المضادين لهم.. وما أسهل التسويغ المنحاز وما أكثره وأشده سوءاً، لا سيما في أوقات الحروب والصراعات الدامية، والفتن الدينية والمذهبية.
وفي هذه الظلال يتربّى بشر، ويعملون، ويتعاملون، ويحكمون.. فيظلمون، أو يقتلون، أو يعدلون، أو.. كلٌ من منطلقاته ومفاهيمه وانتماءاته.. وفي تلك الظلال أيضاً ” يتعلم بشرٌ، فيتثقفون، ويكتبون، ويبدعون..؟!”.. وفي هذا الواقع كله، بأبعده الأفقية والشاقولية، يفشو ضلال هنا، وينمو ظلام هناك..؟! وهكذا يعتقد الطغاة دوماً، عندما تعميهم أنانيتهم، وتمدّ أخطاؤهم خطاهم في طريق الظلم والجريمة والفساد والإفساد و” العظمة؟!”.. هكذا يعتقدون أن كل شيء مباحٌ لهم، انطلاقاً مما تزينه لهم أنفسهم، ومن رؤية ” أخلاقية؟!” يقدمها لهم مفسرون ومفكرون ومتفلسفون ومفتون.. وفي الإطار ذاته تنشأ نظريات وتستقطب أتباعاً ومريدين، تسحقهم الدعايات والادعاءات إلى الحد الذي يصبحون فيه أدوات الظلم والقهر والتقل والجهل.. والكل في هذا الفلك الدنيوي الدني.. يلتحف بلحاف ملائم، فيغطَّى كل شيء، ولو إلى مدى، بغطاء الإنسانية والقيم ويكون في سبيلها، ويمكن أن يسوِّغه الفكر والأدب ويلمِّعان صور أصاحبه ويرفعونهم درجات ودرجات، حيث يتماهون معهم أو يهلثون في ركابهم، أو يطمعون بما لديهم وما هو تحت سيطرتهم، فيرفعونه ويرتفعون بذلك أيضاً درجات ودرجات.. ويبقى كل ذلك مما يمكن الدفاع عنه إماً فجوراً وإما بامتلاك قوة اللسان والكلام، وفقدان القيمة المرجعية لكل من العقل والوعي والوجدان.
وعلى الضفة الأخرى من نهر الحياة اللَّجب، يدفع الفقراء والضعفاء والبسطاء و.. وتدفع البشرية البريئة المسالمة، ويدفع الفكر والأدب والفن والإبداع.. ثمن كل ما هو ” من أجلها، وفي سبيلها، وتحت عباءتها، وما يُرتكب باسمها؟!”.. حسب الأدعياء، والدعاة، والطغاة، والبغاة، والأقوياء، ومن يخدمونهم “ولاءً أو شراءً أو غباءً”.. تدفع البشرية المسكينة، ثمنه غالياً جداً جداً، ومكلفاً إلى أبعد الحدود.. ثم تعيد الكرة بأشكال مختلفة، على وقع صنواج التاريخ، وصنَّاجة الواقع.
ودائماً يختل ميزان الحكم باختلال ميزان العدل.. فيتناسل من ذلك عماءٌ وغباءٌ، وبؤس وشقاء، وينتشر كل ذلك مجتمعاً، وباءً، أو بيئة تصلح لانتشار الوباء.!؟!
في هذا الخضم المتلاطم من الآراء والآراء المضادة، “النقيضة”، التي يدّعي كل منها الخير لنفسه وينسب الشر إلى سواه،وضمن هذه الشروط، شروط الحرب المحتدمة بالأسلحة جميعاً.. في هذا المناخ، وفي هذه الظروف، يتوجب على الفكر والأدب والفن، على المفكر والأديب والفنان، أن يواجهوا سؤال القيم، وأن يدخلوا مرحلة مراجعة واعية وشجاعة لكثير من المستقر والبديهي، وأن يتأملوا بعمق في موضوع صلة الإبداع بالقيم، وتعبيره عنها، بما يعطيها شمولاً إنسانياً، واستقراراً، وتأثيراً، واتفاقاً في الفهم والتطبيق، ومصداقية خُلقية واجتماعية؛ وعليهم أن يختاروا طريقهم وأن يميزوا تمييزاً دقيقاً بين ما صلُح وما طلُح من ذلك كله، وأن يحددوا مواقفهم وأهدافهم والقيم التي يدافعون عنها بوصفها “القيم الإنسانية السليمة فعلا ً”، التي تحمل في الوقت ذاته هوية وأصالة وشخصية، أو لا تتعارض معها، ولا تغدو ضحية لها أيضاً. من دون أن يسقطوا في فخ ما من تلك الفخاخ التي تنصبها السلطات، والأجهزة، والسياسات، والأيديولوجيات، والعصبيات، والاحتكارات، وأجهزة الاستخبارات، والإعلام، والتزييف المنظم للوقائع والحقائق.. ليس من أجل تضليلهم فقط، بل من أجل تسخيرهم وتسخير إبداعهم أيضاً، في حملات الدعاوة – مع أو ضد- ليكونوا وسيلة من وسائلها، وضحية من ضحاياها، ويتنازلوا عن دورهم البناء، في تكوين الإنسان الفرد وفي تكوين الجماعة، والوعي، والذوق، والمتعة الرفيعة.. وفي تكوين المعايير على أسس موضوعية منهجية، يتساوى أمامها الإبداع والمبدعون، ويتساوى الناس، وتتساوى البلدان.. عند التطبيق وإطلاق الحكم، وقطف الثمار، والانتفاع بالجهد الإنساني الخلاق.
والالتزام بذلك لن يخرج الملتزم عن منظومات القيم السليمة، والاستقلالية الواعية المسؤولة المنتمية.. واختيار الدفاع عن ذلك سيضع صاحبه خارج وطأة الطمع، والنفاق المتبادل بين سياسة وثقافة، سلطة ومبدع، على أرضية ضلال وتضليل.. وسيبقيه تحت مظلة الراحة الداخلية، والأمن من جوع وخوف؛ وهو كفيل بإخراجه من دور رجل الحاشية “طبالاً وزماراً ومطيّباتياً”، ومن دَور المخدوع والمخادع، ومن دور الشتَّام، والمعارض المجاني، ومحترف التلميع أو التعتيم، وتاجر الشعرات والقيم والمواقف.. حسب سوق العرض والطلب، ويرفعه إلى دور يليق بشرف الكلمة/الإبداع، وبرسالة حاملها، ودوره ومكانته.

إلى الأعلى