الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / قضايا / الهجرة إلى الغرب .. الأسباب والتداعيات

الهجرة إلى الغرب .. الأسباب والتداعيات

السيد عبد العليم

مقدمة:
أرسل مشهد لفظ أمواج البحر المتوسط جثمان الطفل السوري المهاجر ايلان كردي على الشاطئ برسالة الى ما بقي من ضمير العالم وتنبيه في نفس الوقت إلى قيمة اللاجئين ـ وخاصة السوريين لكثرة أعدادهم ـ فهي بقدر ما تظهر معاناتهم داخل وطنهم الذي تفتك به الحرب الدائرة فإنها ايضا تسلط الضوء على المصلحة الكبرى التي يمكن ان تحققها البلدان التي تستقبل أعداد من هؤلاء المهاجرين، وتكشف في الوقت ذاته قصور فكر لدى كثير من الانظمة العربية خاصة الخليجية منها في عدم المسارعة الى استقبالهم لأن في ذلك مصحلة اكيدة لها.
ـــــــــــــ
ترتبط كلمة الهجرة في اذهان الكثيرين بالهجرة في صدر الاسلام عندما كان المسلمون الاوائل يعانون من البطش والتعذيب والتنكيل بهم على يد كفار قريش في مكة فأمرهم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى الحبشة لوجود حاكم عادل فيها ـ الأمر الذي رددته المستشارة الالمانية انجيلا ميركل مؤخرا في تصريح منسوب إليها مفاده ان التاريخ سيذكر ان المسلمين السوريين لم يهاجروا إلى مكة والمدينة الاقرب لهم وانما اختاروا ألمانيا للهجرة اليها لان فيهم حكم عادل شأنهم في ذلك شأن المسلمين الأوئل الذين هجروا إلى الحبشة لعدل حكامها. حيث كانت الهجرة الاولى الى الحبشة ثم الهجرة الثانية عندما رجع المهاجرون إلى مكة ظنا ان الامور قد استقرت فوجدوا تعذيبا اشد فعادوا هم وغيرهم إلى الحبشة مرة أخرى.
وعندما اشتد اذى الكفار للرسول واصحابه، تمت بيعة العقبة الاولى والثانية والاتفاق على هجرة النبي واصحابه الى يثرب (المدينة المنورة فيما بعد). واسس منها رسول الله صلى الله عليه وسلم الدولة الاسلامية وصار التقويم بالعام الهجري كما هو الحال الان.
أي أن الهجرة مرتبطة بالخوف وعدم الامان من تعذيب او حرب وخلافه، فيسعى الانسان في هذه الاوضاع وبعدما ضاقت به السبل في بلده الى البحث عن مكان آخر اكثر امنا له ولعائلته او افضل حالا. كما ورد لفظ الهجرة في عدد من المواضع والايات في القرآن الكريم منها “ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الارض مراغما كثيرا وسعة”. وهذا يذكرنا بأنه من أجل نعم الله سبحانه على خلقه هي نعمة الشبع والأمن “الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف”.
الحروب السبب الرئيسي وراء الهجرة
وإثر تعرض عدد من البلدان العربية لحروب داخلية او خارجية بداية بالصومال بعد الاطاحة بسياد بري وانتشار الفوضى والقتل في الصومال حتى يومنا هذا، ثم العراق عقب الاحتلال الاميركي وأخيرا سوريا واليمن، اضطر عدد كبير من أبناء تلك البلدان الى النزوح من مناطق القتال والانتقال الى مناطق اخرى اكثر امنا في بلدانهم، ثم عندما ضاقت عليهم مواطن الامن والامان داخل بلادهم اضطروا إلى سلك طريق الهجرة إلى خارج بلدانهم.
فقد كانت الحرب التي تدور رحاها في سوريا منذ اربع سنوات والتي تشترك فيها بلدان عربية ودولية وحروب بالوكالة بين اطراف عربية واقليمية ودولية في سوريا دون ان تلوح في الأفق أي بارقة أمل تشي بامكانية وقف آلة الدمار والخراب والقتل للمواطن السوري المغلوب على أمره هي السبب الرئيسي لهجرة ايلان وعائلته والاف من العائلات الاخرى.
وقد فكر كثير من ابناء تلك البلدان في الفرار من جحيم القتال، الذي لا دخل لهم به، بالبحث عن ملاذ آمن. فتدفقوا بأعداد كبيرة وصلت الى ملايين على دول الجوار. فأوت لبنان والاردن أعداد كبيرة من اللاجئين السوريين حسب قدرتهما ولم تحذو حذوهما بلدان عربية أخرى افضل حالا منهما. كما قامت تركيا باستضافة أعداد هائلة من اللاجئين السوريين وقدمت لهم الايواء وكثير من الخدمات مثل فتح مدارسها وجامعاتها أمام الكثير من ابناء المهاجرين في جهد يحسب لتركيا حتى لو اختلف البعض معها في مواقفها السياسية.
وحدق كثير من هؤلاء المهاجرين بأبصارهم في البداية ببني جلدتهم في البلدان العربية، لكن هيهات.. فقد اغلقت الابواب في وجوههم وكأنهم جرثومة معدية. ومن ثم توجه المعذبون ببصرهم صوب شواطئ اوروبا وقرروا خوض غمار رحلة محفوفة بالمخاطر يبقى فيها احتمال النجاة والوصول الى بر الأمان والوصول الى بلدان تقدرهم كبشر، ما دام ان بقائهم في بلدانهم معناه الموت المؤكد لهم.
شبكات تهريب البشر
ثم يأتي وجود شبكات تهريب او الاتجار بالبشر والتي تفوق شبكات تهريب الاسلحة والمخدرات، حيث تستغل تلك الشبكات حالة الذعر والخوف لدى العائلات الراغبة في الهجرة وتأخذ منها أموالها ومدخراتها من اجل عبورها البحر وتوصيلها الى الشواطئ الاوروبية، ولكن كثير من اصحاب القوارب سرعان ما يتخلون عن المهاجرين ويتركونهم فريسة لأمواج البحر تبتلعهم، اما بسبب زيادة الحمولة بشكل مبالغ فيه او لأسباب امنية مثل مواجهة قوات خفر السواحل وغير ذلك، الامر الذي يدفع اصحاب القوارب الى الفرار وترك هؤلاء البؤساء يموتون اكثر من مرة. واستمر الامر على ذلك النحو لسنوات، وطالما سمعنا عن غرق مراكب وزوارق بمهاجرين دون ان يتحرك العالم ويتعاطى جديا مع هذه المشكلة.
رسالة لضمير الانسانية
ثم جاءت صورة الطفل السوري ايلان لترسل برسالة الى ما بقي من ضمير لدى سكان المعمورة لتكون بمثابة صرخة غريق ينادي بأعلى صوته المكلوم: انقذو سوريا واهل سوريا من القتل الذي لا يتوقف، انقذو الاطفال والنساء والكهول الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا. ولتقول للعالم برغم غرقنا ربما كنا محظوظين في الخروج من جحيم الحرب التي يشارك العالم في مجمله فيها سواء بارسال قوات او تقديم سلاح أو مال وغيره من اجل استمرار هذا القتال المتوحش. فهي صرخة للانسانية لمن كان له قلب ينبض وعقل يفكر.
أهمية المهاجرين
وترسل في نفس الوقت برسالة تنبيه بان هؤلاء المهاجرين ليسو وبالا على اي بلد يحلون به. وليس كما كانت تنظر اغلب البلدان وفي مقدمتها بلدان خليجية ثرية انهم سيمثلون عبئا كبيرا على كاهلها. كلا! فقد كانت رسالة التنبيه التي بعثتها صورة غرق ايلان تعلن ان اغلب هؤلاء المهاجرين هم كفاءات بشرية في كثير من الانشطة المفيدة والنافعة لاي مكان يحلون فيه. فكثير منهم شباب ولدوا في بلدان مثل سوريا وفيها تربوا وتعلموا وعملوا واكتسبوا خبرة، وانهم ما خرجوا من اوطانهم الا مضطرين وأن أي بلد يستقبلهم فهو الكسبان لانه سوف يستفيد من شبابهم وعلمهم وخبرتهم دون تكبد لنفقات التربية والتعليم اي انه سيحصل على ما يريده بدون عناء ومكابدة من موظف أو عامل جاهز سواء كان طبيبا او مهندسا او معلما او فنيا او عاملا في الاعمال الشاقة …..الخ.
ناهيك عن أن البلدان الغربية، ولا سيما غرب أوروبا، دائما ما تكون عينها على ما يعرف بالصفوة او النخبة او تكوينها بحيث يتم تعليم وتثقيف اجيال من هؤلاء اللاجئين او ابنائهم وتشريبهم القيم والافكار الغربية حتى يكونوا يدا وعينا في تلك البلدان بعد استقرار الاحوال وعودتهم اليها ليكونوا اعوانا له فيها. وقد رأينا كثيرا من القيادات واصحاب المناصب في عدد من البلدان العربية والافريقية وقد تربوا وتعلموا في الغرب بل ويحملون جوازات سفر بلدانه حتى الحين، حيث يثور الغرب ويرفع راية حقوق الانسان حال تعرض أي من هؤلاء لأي تضييق او تحرش بهم. بل ان بعضهم قد يصل إلى أرقى المناصب في تلك البلدان وعادة ما يودعون اموالهم في بنوك البلدان الغربية، بل ويقوم عدد منهم باستثمار موارده المالية في تلك البلدان بشراء عقارات وغيرها، حتى اذا تعرض لأي مكروه أو عارض في بلده فر ولجأ إلى تلك البلدان.
ثم ان البلدان الغربية تولي أهمية كبرى بمجال الاحصاء واستخدام نتائجها في الابحاث السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وكما نعلم فإن الاحصاء تقوم في جانب منها على عمل مسوحات ميدانية ومقابلات واستبيان بغية جمع معلومات عن اوضاع معينة في بلدان معينة من قبيل اراء واتجاهات فئة معينة حيال سياسة البلد المعني او حيال سلع ومنتجات ما، ويتم ذلك بعمل ما يعرف بالعينات العشوائية، وهؤلاء المهاجرين او اللاجئين يمثلون عينات عشوائية تمثل في النهاية المجتمع كله فيتم اخذ معلومات منهم تهم الباحثين الذين يرفعون في النهاية تقاريرهم واستشاراتهم وتوصياتهم بناء على هذه المعلومات لصناع القرار التي يولونها اهتماما بالغا ويتخذون قراراتهم بناء على ذلك، وهنا تبدو اهمية اخرى يدركها الغرب جميعا عن هؤلاء اللاجئين.
بل ان الامر قد يزيد ويتعدى ذلك بمنح كثير من هؤلاء وابنائهم منح دراسية ودراسات عليا مثل شهادات الماجستير والدكتوراه التي يكون موضوعها دائما هو دراسات عن احوال واوضاع بلادهم فيحصلون على كل المعلومات المطلوبة عن تلك البلدان سياسيا واقتصاديا واجتماعيا ودينيا بكل اريحية. فكم من دارس وعالم حصل على منح دراسية في جامعات ومعاهد الغرب تم اغرائه للبقاء في تلك البلدان ورفض عودته الى وطنه؟
اذاً ـ كما يقول لسان حال الغرب: نحن المستفيدين. وماذا عن الشروط المشددة فيما يتعلق بقوانين الهجرة واللجوء؟ نحن بلد ديقراطي تستطيع مجالسنا التشريعية تعديل هذه القوانين بما يتناسب مع المصلحة العليا في الوضع الحالي، فهذه القوانين ليست مقدسة بل قابلة للتعديل حسب تغير المصلحة. وبذلك نكون قد حققنا هدفين في وقت واحد، الاول: هو سد حاجاتنا الاقتصادية وتحقيق المصلحة الوطنية العليا والثاني: هو المظهر الخارجي الذي يظهر جانب الشفقة والانسانية والحنية امام العالم في استقبالنا هؤلاء اللاجئين الامر الذي يزيد من احترام وتقدير الرأي العام والمجتمع الدولي لنا بل والعالم الاسلامي ايضا.
انتباه الغرب لأهمية المهاجرين
وهذا التنبيه هو ما استشعرته والتقطته واستجابت له مؤخرا البلدان الاوروبية وكندا واستراليا، فكانت ردة الفعل القوية التي يدفعها في الظاهر البعد الانساني في ايواء اللاجئين وباطنها يقول لسان حاله: كيف كنا نغفل هذا المنجم الذي يأتي الينا دون عناء التنقيب عنه؟ فكم نحن محتاجون الى كثير من العاملين في مهن تعاني من عجز كبير! أما وقد جاء هؤلاء الى ابوابنا، فانهم سيتقدمون بطلبات للحصول على حق اللجوء وفي تقديم هذه الطلبات سننظر في السيرة الذاتية لكل منهم وننتقي ما نريده ويناسبنا وما نحتاج اليه من اجل دفع العجلة الاقتصادية التي كادت تتوقف في اغلب تلك البلدان وربما كان عنصر الايدي العاملة من احد أسباب هذا التراجع. فضلا عن ذلك فإن هناك حاجة ماسة الى ايد عاملة رخيصة فيما يعرف بالاعمال القاسية او المتدنية التي سيقبل عليها هؤلاء اللاجئون في نفس الوقت الذي يعاني فيه الغرب عموما من الشيخوخة بسبب تراجع نسب المواليد.
وهذا ما تأكده الأخبار الواردة من ألمانيا على سبيل المثال كما ورد في وكالة الصحافة الفرنسية قبل أيام التي أعلنت أن الاف المهاجرين يصلون يوميا الى المانيا حيث تبذل الاوساط الاقتصادية كل ما في وسعها لتسريع دخولهم إلى سوق عمل يعاني من نقص اليد العاملة، واكد رئيس اتحاد الصناعات الالمانية الواسع النفوذ اولريش جريللو قبل ايام “اذا ما تمكنا من ادخالهم سريعا في سوق العمل، فسنساعد اللاجئين ونساعد انفسنا”.
كما ان المؤسسات التي تعاني من نقص في اليد العاملة، بدأت تنظر بمزيد من الاهتمام الى المرشحين للحصول على اللجوء، وتعتبرهم هبة ثمينة في بلد يميل الى الشيخوخة. ويقول اتحاد ارباب العمل ان المانيا، التي تراجعت فيها البطالة الى ادنى مستوياتها (6,4%) منذ التوحيد، تحتاج الى 140 الف مهندس ومبرمج وتقني، مشيرا الى ان قطاعات الحرف والصحة والفنادق تبحث ايضا عن يد عاملة. ويمكن ان تبقى حوالي 40 الف فرصة عمل شاغرة هذه السنة. وتتوقع مؤسسة بروغنوس نقصا يقدر بـ 1,8 مليون شخص في 2020 في جميع القطاعات، و3,9 ملايين على مشارف 2040 اذا لم تحصل تبدلات. واكد اولريش جريللو ان تدفق القوى العاملة الجديدة يمكن ان يغير المعطيات، لأن عددا كبيرا من المهاجرين ما زالوا شبانا وتتوافر لديهم “فعلا مؤهلات جيدة”.
وأعلنت المانيا انها ستخصص ستة مليارات يورو لمواجهة التدفق القياسي للاجئين، وتعهدت باريس باستقبال 24 الف مهاجر بينما هبت اوروبا لتسوية اسوأ ازمة هجرة تشهدها منذ عقود. وقالت المستشارة الالمانية انجيلا ميركل “ان ما نعيشه هو امر سيشغلنا في السنوات القادمة وسيغير بلادنا، ونريد ان يكون هذا التغيير ايجابيا ونعتقد ان بوسعنا تحقيق ذلك”. وكشفت عن برنامج يتضمن دفعتين من ثلاثة مليارات يورو كل منها للعام 2016 لتحسين التكفل بالمهاجرين واستيعابهم. أما فرنسا، فقد أعلن رئيسها فرنسوا هولاند انها ستستقبل “24 الف لاجئ” في السنتين المقبلتين. وقال في مؤتمر صحفي ان “الازمة” التي نجمت عن تدفق اللاجئين الى ابواب الاتحاد الاوروبي “يمكن السيطرة عليها”. واضاف ان “المفوضية الاوروبية ستقترح توزيع 120 الف لاجئ (على دول الاتحاد الاوروبي) في السنتين المقبلتين مما سيمثل لفرنسا 24 الف لاجئ، وسنفعل ذلك”. كما اقترحت المفوضية الاوروبية على البرلمان الاوروبي الاربعاء توزيع 120 الف لاجئ في السنتين المقبلتين لمواجهة تدفق اللاجئين. ويقضي الاقتراح الجديد بان تستقبل المانيا 26,2 بالمئة من هؤلاء اللاجئين وفرنسا 20 بالمئة واسبانيا 12,4 بالمئة اي 14 الفا و931 مهاجرا، وهي النسب الاعلى في توزيع هؤلاء المهاجرين.
كما أعلنت بلدان أخرى عن فتح ابوابها لاستقبال الاف اللاجئين كما هو الحال بالنسبة لكندا وباب الهجرة مفتوح دائما لاستراليا. كما أعلنت الادارة الاميركية عن عزمها استقبال عشرة الاف لاجئ سوريا خلال عام. ومن جهتها فقد اعلنت فنزويلا في تحرك انساني عن استضافة 20 الف لاجئ سوري. وفي الوقت الذي تعلو فيه الاصوات في غرب أوروبا بالترحيب باستقبال اللاجئين، هناك تعنت ومعاملة غير اخلاقية او انسانية مع المهاجرين واللاجئين في كثير من بلدان شرق أوروبا، ربما بسبب عدم نضجها السياسي.
أي أن الغرب والقوى الكبرى خاصة هي المستفيد الاكبر من اوجاع السوريين فهي مستفيدة في الاساس بتصدير السلاح للقتل في سوريا ومن ثم تشغيل وتدوير الاتها الصناعية في صناعة وتجارة الاسلحة. ثم هناك مصالح ما مع شبكات تهريب البشر ثم استغلال طالبي اللجوء في سد احتياجتها من العمالة. ثم بعدما تضع الحرب أوزارها، وتكون البلد قد هدمت تماما، تتنافس شركات تلك البلدان من اجل الاستحواذ على نصيب الاسد من كعكة اعادة بناء البلد مجددا وكله على حساب البلد المنكوب.
اهتمام هناك .. تجاهل هنا
يتم ذلك في البلدان الغربية، بينما لا تهتم البلدان العربية بالاستفادة من المهاجرين على الرغم من احتياجاتها البالغة لهم. فهي بحاجة الى عمالة متخصصة في اغلب المجالات وتعاني من نقص في اغلب المهن من المعلمين الى المهندسين الى الاطباء الى اليد العاملة العادية. وتستقدم كثير من هذه العمالة من بلدان غير عربية، اسيوية وغيرها، فلماذا لا تفتح أبوابها لهؤلاء المهاجرين وتستفيد بهم كما يسعى الى ذلك الغرب، الذي ادرك قيمة هؤلاء المهاجرين فانتفض واخذت بلدانه في تقاسمهم وتوزيعهم فيما بينهم. ولعل جزء من ذلك يرجع الى عدم وجود مراكز بحثية في البلدان العربية تدرس هذه التدفقات من المهاجرين وتبحث في كيفية الاستفادة بها في البلدان العربية. لكن في نفس الوقت فلو وجدت فيه هذه المراكز وقامت بعملها وقدمت تقاريرها فان المسئولين في البلد لا يلتفتون الى مثل هذه التقارير لان اغلب تلك القيادات لا تعترف ولا تهتم الا بما تراه هي. وانسى تقارير الابحاث والمستشارين وغير ذلك. ان فتح الابواب واستقبال هؤلاء المهاجرين فيه مصلحة كبيرة للطرفين.
التخوف من هاجس التوطين
ربما كان لدى البعض في البلدان العربية تخوف من ان يستوطن هؤلاء المهاجرون وابنائهم في البلدان المستقبلة لهم ولا يعودون الى وطنهم حال استقرار الاحوال واستتباب الامن في ربوعه، ونؤكد ان المهاجرين من البلدان العربية سواء كانت سوريا او العراق يحتفظون بهويتهم ولا يتخلون عليها مهما كان المقابل، شأنهم في ذلك شأن الفلسطينيين الذين لا يتنازلون عن وصفهم باللاجئين في البلدان التي يحلون فيها منذ عشرات السنوات فضلا عن تمسكهم بوضعهم كلاجئين حتى داخل الاراضي الفلسطينية. فهناك مخيمات اللاجئين الفلسطينيين داخل الضفة الغربية وقطاع غزة ولم ينصهر هؤلاء ويتخلوا عن وضعهم كلاجئين. وهذا هو حال اغلب السوريين والعراقيين الذين يعتزون بوطنهم ولن يتخلوا عنهم وعن حلم العودة اليه مهما طال بهم الزمن في اي بلد يحلون فيه.
حل مشكلة المهاجرين
لقد حان الوقت للمعالجة الجذرية لمشكلة اللاجئين خاصة السوريين، وذلك بالعمل الجاد على وقف اساس المشكلة المتمثل في الحرب الدائرة في وطنهم العزيز. فعلى الاطراف العربية المشاركة في هذا الصراع اعادة النظر في سياستها ومواقفها هذه والسعي الجاد والحقيقي الى وقف آلة القتل والتدمير في سوريا عن طريق وقف دعمها لاطراف بعينها والدعوة الحقيقية الى حوار سياسي حقيقي وجاد يشمل كل اطراف الازمة دون استثناء بوساطة محايدة ونزيهة والضغط على كل الاطراف من اجل وقف نزيف الدم والتوصل الى اتفاق سياسي يجمع كل السوريين ويشركهم في العملية السياسية. ثم يكون ضغط هذه البلدان العربية على القوى الاخرى الاقليمية والدولية وفقا لعلاقاتها مع هذه الاطراف من اجل التوقف عن دعم طرف على حساب طرف والعمل على انجاح حوار سلام حقيقي، ينتج عنه وقف الحرب والشروع في تحقيق توافق وطني واعادة بناء البلد المدمر.
التعاطي مع الواقع السوري
أي أنه يجب النظر إلى ارض الواقع والبحث عن مصلحة الشعب السوري, وعدم التشنج واتخاذ المواقف المتعنتة، فقد مضى اربع سنوات من الحرب والدمار ولم يتم حسم المعركة على ارض سوريا لصالح طرف، ولم يتم الاطاحة بنظام الرئيس بشار الاسد. ولا يلوح في الافق اي بادرة على حسم الحرب لصالح طرف. وصار الوضع الان بالغ التعقيد وبالغ الصعوبة في تحقيق ذلك، ومرد ذلك انه لا يوجد في سوريا معارضة قوية حقيقية متحدة يمكنها تحقيق مكاسب على أرض المعركة وتصلح لان تكون بديلا للنظام القائم. فما هو البديل حال الاطاحة بالنظام السوري الحالي؟ فمن يحكم ويسيطر على سوريا خلفه؟ هل يترك الامر لجماعات مسلحة مثل داعش والنصرة وغيرها، فحتى لو خرج نظام الاسد من المشهد لتقاتلت كل هذه الفصائل ولعمت الفوضى والخراب بشكل مأسوي. وسيكون من الصعوبة بمكان إجراء أي حوار مع تلك الفصائل المتناحرة من الاساس. وما يعرف بالمعارضة السورية هي في حقيقتها معارضة هشة لم تتمكن من ادارة الازمة وحلها ولا يمكنها ادارة مؤسسات رسمية عامة في سوريا. في حين ان النظام السوري ـ اتفقت او اختلفت معه ـ له بنى اساسية في دولته ولديه وسائل نقل وجيش منظم وقوى أمن ومدارس وجامعات ومراكز علوم وأبحاث ووزارات وخدمات اجتماعية وبلدية. ومن هنا بدت أصوات في الغرب تنظر الى الواقع وتدعوا الى حوار مع بشار. وعدم تكرار الاخطاء التي تم ارتكابها في العراق وليبيا حين ظن المسئولون الغربيون ان الاطاحة بنظام الحكم حتى وان كان مستبدا يمكن أن يمثل حلا لمشكلة ذلك البلد. فالمعارضة السورية، بعد اربع سنوات، لا تزال ضعيفة بشكل لا يسمح لها بفرض نفسها بديلا عن بشار، والدعوة الى عدم التحاور معه.
والسؤال هنا هو: لمصلحة من استمرار هذه الحرب التي تلتهم سوريا وتأتي على الاخضر واليابس فيها وتشرد أهلها الذين طالما كانت بيوتهم مفتوحة لكل عربي تضيق به بلاده؟ هل هي في مصلحة سوريا أو أي بلد عربي آخر؟ أم انها مصلحة الاحتلال الاسرائيلي في المقام الأول والاخير! ان عاقبة الاستمرار في دعم طرف على حساب طرف آخر واطالة أمد الحرب والقتل في سوريا هي الخسران للجميع. والزمن دوار ولا يأمن تقلباته الا الغافلون.
وفي الختام مع هذه الصورة والأبيات المعبرة:

يا أيها البحر هلا كنت راعيهم!!
جاءوا إليك لعل الموج يأويهم!!
جاءوا إليك وقد ضاقت بهم ذرعآ

كل المدائن…..لا أرض تواسيهم
العرب يرفضهم..والغرب يطردهم
لا بر يحملهم..لا بحر يهديهم!!
حتى أتوك وقد ذابت مدامعهم
في ماء موجك كي ترحم مآقيهم!
يا أيها البحر تبآ كيف تغرقهم!!
قد صرت يا بحر عوناً في مآسيهم!!
لكنهم رحلوا لله خالقهم!!
أنعم بجنة خلد سوف تؤيهم!!
أنعم بدار نعيم لا شقاء بها
وبكف أحمد في الفردوس تسقيهم

sayedleem@hotmail.com

إلى الأعلى