الخميس 20 يوليو 2017 م - ٢٥ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / السياسة / كلمات: الزعامة في رحلة الشعوب
كلمات: الزعامة في رحلة الشعوب

كلمات: الزعامة في رحلة الشعوب

زهير ماجد

يبحث المرء عن رمز، كلما وجده آمن بالحياة، بنموها في جسده وعقله .. عند فقدان الرمز ترتبك المفاهيم كما يسود ارتباك في الأشخاص. في مرحلة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي استقر زعيم كبير في عقل المصريين وفي قلوبهم، وكذلك في عقل وقلب العرب جميعا هو جمال عبد الناصر.
كان صاحب كاريزما او كما سمتها إحدى الكاتبات الغربيات مجموعة كاريزمات في رجل واحد. من حظنا اننا عشنا مرحتله، ثمة زعامة يعيشها المرء عبر كتب التاريخ والتصور، لكن الأهم أن تعيش المرحلة، ان تلمس صوته ولون عينيه وسحر طلته وعالمه وقوة حضوره وشهامته وشجاعته ووطنيته. تلك ان عشتها فقد فزت برحلة حياة جميلة. عندما توفي انقلبت مصر ومدن الأمة وهي تنحب وتبكي بصوت عال، شعر كل بيت أنه خسر واحدا من العائلة، ربما عند البعض خسارة اكبر بكثير من مفهوم واحد من العائلة.
عاش هذا الزعيم مجاهدا وزاهدا، تنقل بين المعارك الكبرى إلى أن إصابته هزيمة لم تعنه في معنوياته، ظل واقفا مثل الاشجار، ولكن ظل ملهما لشعبه وامته، فقد عقدت عليه آمال بان يمحو ماوقع .. لكن الواقعة حين تقع تترك آثارها ولمدة طويلة، لايمكن محوها بسهولة .. والذين عاشوا الهزيمة نقلوها الى اولادهم، فاسقطوا الزعيم، شوهوه، وكان ذلك من اقسى مامر في تاريخه، لأن احلامه الوطنية والقومية كانت عزيزة عليه، وهو من آمن بتحرير فلسطين فصار الفلسطيني الأول بلا منازع.
في السابع والعشرين من سبتمبر 1970 فارق الدنيا اذن تاركا وراءه حلم جيل اصابه اليأس، حين اختصر شاعر مصري عبارات الاسى بصوت ام كلثوم بقوله، بعدك ” الصبر لاصبر له، والنوم لاينام ” .. محنة ان تفقد زعيما هو لك ذات تاريخ، رجل بثوب آمال، كلما مرت محنة على الأمة قيل اين هو ذاك الذي قارع الاستعمار والصهيونية، جن ببلاده حبا فاراد ان يجعلها عروس الدنيا، كما جن بأمته فأراد لها وحدة تخلصها من اية كبوات.
خمس واربعون سنة على وفاته وما زال جيل من عايشه يعايش روحه التي بصمها فيه وراح. وروح الزعيم تهوم ابدا في مكانها ولا تغيب. من الصعب صناعة قائد كبير لأن فيه من الطاقات مالا يوجد في آخرين، انه متفوق في ملكاته وفي نشرها على دنيا شعبه. كان ملهما، وظل حتى بعد وفاته .. اليوم نفتقده، كما نفقد رنة صوته النحاسية وهي تحكي الحقيقة بلا تضليل لشعب يريد ان يعرف بعدما تعرف عليه جيدا وبعدما حفظ جوهره.
كم من شعوب بكت على زعمائها لحظة مفارقتهم، يشعر المفارق كأن لا أمل في حياة قادمة، عندما يسقط الرمز يصاب التاريخ بالخجل من هفوة ارتكبها بحق اناس ستضيع بوصلتهم ولن يكون لهم بر امان، هكذا شعورهم في لحظتها.
رغم ما فعله ستالين بشعبه السوفييتي، بكاه شعبه وكل الجمهوريات السوفييتية لأنهم رأوه قريبا منهم مهما كان بعيدا عنهم، وانه جسد نصرا كان لولاه، ربما، ماوقع، حين هزم النازية التي كان يصعب هزيمتها في اوقات قوتها المتمادية. فقد كان يعرف ان الشعب يحتاجه كزعيم في ذاك الوقت العصيب، وهو قد مثل مرحلته تلك وقدم لشعبه نصرا مؤزرا، في وقت كان فيه بناء دولة عظمى قد وصل الى غاياته.
الزعامة ميزة لاتعطى لأي كان، بعضها يحتاج لزمن كي يترك تأثيره، وبعضها منذ الطلة تترك سحرها .. الزعيم الفيتنامي هوشي منه، ظل علامة نصر في شخصه، قاد شعبه في احلك اوقاته، في تلك الايام التي كانت فيه الولايات المتحدة تحرق قرى ومدنا بأكملها، ظل هو على معرفة مما سيصل اليه، مات قبل أن يرى فيتنام الموحدة المحررة، لكنه رآها دوما في خياله وحلمه، الخيال للثوري ضرورة ، والحلم له شبه معرفة.
اما الزعيم اليوغوسلافي تيتو الذي وحد يوغوسلافيا، رممها حجرا حجرا وصنع منها دولة ذات قدرات خاصة، رآها على الورق شابة في وجه اوروبا، ثم نفذها مكتشفا حق الشعوب في القوة، فالوحدة ميزان للقوة والعنفوان. وحين مات انفرط عقد دولته التي عاشت عشرات من السنين على وهج وجوده المعنوي ورمزية معنوياته .. صارت دولا، بل تقاتل بعضها وصنعت في مابينها مذابح لاتنسى مازالت البشرية تتذكرها كأبشع مامر عليها.
عديدة هي الزعامة التي كأنما تولد في لحظة خلاص .. تماما كما حصل للشعب العماني الذي اتتظر قائده جلالة السلطان قابوس المعظم زمنا فجاءه حقيقة طالعة من عنفوان عمان ومن تاريخها الجميل الجليل . ادرك العمانيون في لحظة وصول زعيمهم ان ثمة عمانا مختلفة آتية مع شروق اللحظة الواعية لمجيء سلطانها. ولتلك حكاية منقولة بين الاجيال التي ثبت فيها جيل المباشرة في تنفيذ التغيير والنهضة المباركة.
أذكر أني حين سافرت الى السلطنة لاول مرة كنت متشوقا لرؤية عالم بعيد وجهه على بحر غير البحر المتوسط .. كنت متحفظا لسماع اللغة المحكية العمانية التي ظننت ان مفرداتها مكمن لصعوبة التفاهم مع اهلها، فاذا بها مفردات لهجتي، واذا بكل عماني رمز هو سلطان بلاده. نزلت في العاصمة اتفقد التاريخ، فرأيته على حقيقته، وافتش عن الحاضر فوصلته في كل مكان، وتطلعت الى المستقبل فلم ار صعوبة في اكتشافه. عرفت السبب الذي جعل من زعيمها ملهمها، ثم اكتشفت انه بمثابة اب لكل عماني ..
ومع الوقت، مع ايام وشهور في السلطنة، سوف يزداد فهم ما ترى وما تسمع .. لكن الطلة الأولى عليها تظل مرافقة للرحلة الميمونة. فعالم عمان على سحره يواجهك منذ اللحظة الاولى، منذ ان تخرج من مطار مسقط الدولي لتستقل السيارة وتتطلع يمينا ويسارا ثم لتمضي فيظل جامع السطان قابوس الأكبر عالقا في البال، ولا ينتهي الشارع، بل لاتنتهي المشاهد التي تتفوق على البال .. هنالك دائما مصدر للمفاجأة، واسماء مأخوذة من تاريخ لايعبر، مقيم حيث اقام، تتغير الأجيال، لكن زمان الأشياء ثابت.
لاتشبه زعامة السلطان قابوس اية زعامة وفي قرن كثرت فيه الرموز كما قلنا، الا ان جلالته وحي شعب فتش طويلا عمن يفلته، فوجده بعد لأي. ان تحب عمان المدهشة، لابد ان تعرف قبلها أسرارها العميقة، فلديها الكثير منها، انها امبراطورية متوجة في خليج مركب اليوم على انقاض ماض غير ماضيه. وحين توغل في كتبها تتعرف الى نضالاتها، وفيها حكايات شعب ثائر يعيش قلب العالم ويعرف ما يدخره.
عميقة جذور عمان، ولها فيها عمر كلما أردت التفتيش عنه رأيته على حقيقته .. الدول الموغلة في التاريخ تصلها الحضارة سريعا، تتعلم في أسرع وقت ممكن ، تنشأ في ظروف صحية ملائمة .. لها قلب أسد حينما ينده الميدان اليها. واعمق من جذورها تلك القامة الوطنية التي كيفما تطلعت تراها، لقد عرفها جلالته، رآها قبلا، وهي في عمر السلطنة عمر اكبر.
عشت شهورا في السلطنة هي الأجمل في عمر متسارع عرف جزءا كبيرا من العالم واكتشف الدنيا في وقت مبكر حينما كان لبنان موئلا لها. حينما تتردد على عمان قبل ان تقطنها شهورا، تتعرف على نتف منها، فاذا هي جزء من عالم فسيح ستراه في المدن العمانية وفي الريف العماني، ستعرف اصالته في تلك القلاع والقصور القديمة حيث يسرح فيها الوجدان المشبع بزمنها. واذا مارأيت تضاريس الجبال، ستفكر الف مرة بكيفية سيطرة الانسان العماني على تلك الطبيعة الغنية الاسرة التي تشبه في بعضها حلما لايمكن السيطرة عليه .
بعد شهور من سكنى عمان لاتعود الى بلادك كما ذهبت .. ثمة طالع جديد مأخوذ به سوف يرافقك في الطائرة وانت تتأمل آخر صور السلطنة، فكم تكون المفارقة صعبة، وكم يكون الحلم الذي عشته في مدينة الواقع قاسيا عليك. انا احلم في عمان اذن انا موجود في عالم مختلف.
بودي لو طالت الشهور في السلطنة، لكن لكل فكرة خاتمة، لكن القصة مع عمان تبدأ ايضا منذ ان تفارقها، يتراءى لك دوما كم صنعت زعامة السلطان المفدى تلك المساحة الممتدة على طول مياه بحر العرب متجهة نحو الداخل، وكم سيمر عام وراءعام لنرى تلك البصمات المثيرة في كل متر من ارض السلطنة الطيبة. عمان اليوم تعيش، ولا مبالغة في ذلك، على ما يفرضه الحاضر من مستقبل موعود. هنالك دائما ماهو تحت هذا المسمى ..
اذن يسر الله للسلطنة زعيمها، فكيف كان يمكن لها، وهذا افتراض، ان تنمو بدون وجوده، وان تعيش وتحيا وان يحلم شبابها بغد يعرفونه اليوم وكان مجهولا قبل النهضة المباركة. لم اقابل عمانيا الا وسمعت منه الجمل التي سمعتها من الجميع ان الله وهبهم قائدا، وان الله ميزهم بوجوده.
في بلد الاستقرار عمان تزدهر الصور الناتجة عن حس الامان .. الاستقرار يولد الشجاعة في التفكير وفي المشاريع وفي الآمال، يدفع المواطن لأن يتطلع الى ماهو أبعد من خياله، واكثر منزلة من الحلم. الأمان ايضا طريق السلامة الوطنية ، فلا انتاج بدونه، ولا عمل، ولا قيم.
حقق المعجزات عصر السلطان قابوس، فكم منها ما كان حلما فخاطرا فاحتمالا ثم اصبح حقيقة لاخيالا. أعمال من روائع العصر جاءته السلطنة بعلم ولم تجئه ارتجالا .. لقد منحها الله زعيما غير تاريخا وواقعا ومازالت الآمال مضبوطة على ساعة التغيير التي بدأ عدادها ولن يتوقف. وكيف له ان يتوقف اذا منحة من الله ومن ارادة شعب كفوء ومن تفكير زعيم أمل وحاول ونفذ وحقق المعجزات في اقصر زمن.

إلى الأعلى