الجمعة 28 يوليو 2017 م - ٤ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / “قصدية الوعي العجائبي في رحلة الفتى النجدي”

“قصدية الوعي العجائبي في رحلة الفتى النجدي”

“ارتحلوا.. . انطلقوا أيها الرحالة فأنتم لستم نفس الأشـخـاص عـنـد بدء الرحلة”.
ت. س. إليوت.

المقدمة:
إن الكتابة للناشئة ليست بالمهمة السهلة، والكاتب الذي يضطلع بالكتابة لهذه الفئة العمرية، هو كمن ألقى بنفسه في عمق تجربة مجهولة النتائج؛ وذلك لأن الكتابة هنا تحتاج إلى مران طويل ودراية عميقة بمستوى اللغة المكتوب بها والتي من الممكن استيعابها من الآخر المقصود بالكتابة، لذلك يضع الكاتب على عاتقه إيصال فكرته بأيسر السبل وأسهلها محافظا على الإثارة والتشويق ليكون قادرا على إيصال متلقيه إلى الصفحة الأخيرة من روايته.
يوسف المحيميد في روايته “رحلة الفتى النجدي” استغل التوق للسفر والخروج من بوتقة الطفولة والحماية ليكون موضوع روايته التي كتبها للناشئة، مستقطبا كل غريب وعجيب يصادفه البطل المراهق صالح الخراز، وذلك لأن الغريب وحده هو العقد الذي يحتاجه الكاتب للإبقاء على الحضور الذهني للمتلقي، خاصة وأن الرواية موجهة لفئة تتفيأ الغريب وتعيشه ولا تحب الخروج عن نطاقه فهو المفردة التي اقتات عليها في طفولته، وهي امتداد الحضور الطاغي للجدة بمهابتها وحكاياتها المضمخة بالخرافة وكل ما هو عجيب.
وهنا يخرج الفتى صالح الخراز من بيتهم وهو في السادسة عشر من عمره ليس لمشاهدة اليرابيع وطائر أم سالم “ملهي الرعيان” ويحكي هذه المشاهدات؛ لأنها ببساطة تشكل واقع مشاهدات البدوي؛ إذن لابد لهذه الرحلة والمغامرة من شيء يسمى الدهشة تجعل البطل يقظا لكل ما سيصادفه في رحلته هذه. وبذلك يتحول نص الرحلة إلى نص معرفي؛ لأنه طواف في جغرافيا المكان، وحضور اجتماعي وثقافي للآخر المُرْتَحَل إليه، لنخلص في النهاية أن الرحلة هي وعي مقصود لذاته أداته العجيب مستدعيا كافة المعارف والتجارب التي حصل عليها الفرد مستدعيا معارفه الخالصة واضعا إياها موضع التجريب الواقعي ومعيدا بذلك إنتاج معرفة جديدة ليست هي المعرفة السابقة، وعندما أتحدث هنا عن المعرفة فإنني أفصلها عن الإبيستيمولوجيا وهي نظرية المعرفة.

تنطلق هذه المقالة من سؤالين هما:
1): لم تدخل الرحلات دائما في منطقة الغرائبي بحيث يغيب الواقع ويكاد يمَّحي فيها؟ ما الذي يعتقده الرحالة أثناء كتابة الرحلة وتوثيقها؟
2): الثاني: ما الوعي الذي كونه صالح الخراز أثناء رحلته، وما المراحل التي مر بها ليصل إلى الحكمة؟
سأركز إذن في هذ المقال على: 1): أسباب قصدية الوعي العجائبي في أدب الرحلة، و2): الوعي وتشكلاته في شخصية صالح الخراز وأدواته التي اعتمد عليها في إنتاجه لمعرفته الخاصة التي أوصلته للحكمة.

المبحث الأول: قصدية الوعي العجائبي:
يتغذى نص الرحلة على كل ما هو عجيب وغريب؛ لأن الرحلة في حد ذاتها انتقال من المألوف إلى اللامألوف، وهي اتساع الرؤى من الرؤية بالباصرة (العين) إلى الرؤية بالبصيرة، وهي التحول من الرؤية بعينين صغيرتين إلى اتساع الرؤية بالدهشة بعينين كبيرتين، وهي الانتقال من الأليف المعروف إلى المتوحش المجهول، يقابل الفتى صالح ( ) سمكة ذهبية تقول له السمكة: “هل ترى هذا المدى الأزرق من الماء؟ هل تعرف ما وراءه؟ هنالك في البعيد شيء يسمى “المجهول”( )”، والمجهول بحد ذاته يحمل سمة العجائبي، لأنه يحمل بين طياته الجهل بما وراءه، لكل ذلك نجد أن الراوي الذي يروي قصته ينحو نحو العجائبي قصدا، فهو بذلك يدرك أن كل تلك المشاهدات التي مر بها لا يمكن أن تحكى وكأنها حدث يومي عابر، بل لا يمكن أن تحكى إلا باستلهام أدوات العجيب، وذلك لعلمه بأن ما سيتم تاليا من حكي لهذه الرحلة، والمغامرة سيكون باعثا على الملل والسأم للآخر (المستمع/المتلقي)، خاصة وأنه غير معني بالاستماع لكل هذا الحديث الممل، فيجد الحاكي نفسه أمام تحدٍّ كبير وهو تحميل الحكي شيئا من الظرف والتهويل (التعجيب) ليكون بواسطته قادرا على إبعاد الملل عن مستمعيه. فنجد في رواية “رحلة الفتى النجدي” ليوسف المحيميد إعلانا من الكاتب بأن هذه الرواية مبنية على الغريب: “…. فقد تحفظ هذه الحكاية الغريبة التي سأرويها لكم الآن…( )”، إذ يجعل إعلانه هذا منذ بداية الرواية ليتهيأ متلقيه لوجبة المغامرة والدهشة التي بانتظاره، ولكي يكتمل المشهد ينبه الكاتب أن “… هذه الحكاية ستعبر البحر والمحيط، كما عبر بطلها الفتى الصغير متاهات الصحارى، وأهوال البحار، بحثا عمن يفسر له حلمه العجيب….( )، فالرحلة إذن بحث عن حلم عجيب أرّق الصبي فجعله يقرر السفر بحثا عمن يفسر له حلمه، وليس الأمر بالسذاجة التي نراها بل ما يجب أن يُدرك أن الحلم أيضا يقابل الطموح، والرغبة في التحول من الوضع الحالي إلى آخر مختلف، لذلك نجد أن صالح الخراز عندما كان يبحث في مكتبة والده، علَّه يجد كتابا لتفسير الأحلام، تقع يده على كتابين: كتاب تفسير الأحلام لابن سيرين، وكتاب ألف ليلة وليلة، يبدأ بالبحث في كتاب تفسير الأحلام “… نظر في كتاب عنوانه (تفسير الأحلام لأبي بكر محمد بن سيرين)، تصفحه قليلا، ثم التقط كتابا آخر ونظر في غلافه، ماذا تعني (ألف ليلة وليلة)، كتاب عتيق جدا، …. كان الفتى يسأل نفسه مأخوذا بعنوان الكتاب، ثم وجد نفسه ينساب مع الليالي بمتعة نادرة، حتى أنه شكر حلمه العجيب، الذي قاده إلى هذا الكتاب المسلي( )”، تلك التسلية التي شعر بها الخراز ما هي إلا تعبير عن الرغبة بالتحول، والمغامرة وكسر الارتكان إلى مكان واحد وصولا إلى النهاية التي يصل إليها من عرفهم وسبقوه، فكان الحلم ذريعة لا واعية للارتحال وكسب المعرفة التي يعلم يقينا أن قريته الفقيرة والبسيطة عاجزة عن تلبيتها له، لذلك يدرك المحيميد في روايته هذه أن عودة الرحالة من رحلته هي عودته بغنيمة معرفية، يتشاركها مع قومه، ومع الآخرين لحظة الحكي، ومشاركة الآخرين لذة المعرفة، وهذه المشاركة المعرفية بحد ذاتها تُوْقِعُ الرحالة في فخ المبالغة السردية، والتحويل من الواقع إلى الوهم، بمعنى ما يتوهم الرحالة أنه قام به، إذ أحيانا نجد أن الرحلة ليست غرائبية في ذاتها، لكن ما يقوم به الراوي/الرحالة من سرد مبالغ فيه يحوِّل الرحلة، ومسارها من الواقعي المألوف إلى الغرائبي اللامألوف، وتغدو الرحلة وصفا للامألوف، وسكوتا عن المألوف، نلاحظ ذلك في الرواية إذ نجد سرعة في السرد للفترة التي سيخرج فيها صالح الخراز من قريته مع أصحابه تاركا جميع المشاهدات التي مروا بها، لأن تلك المشاهدات مازالت في دائرة الأليف، وستبدأ الحكاية والإغراق في الوصف لحظة مشاهدة الخراز لليربوع، واستبصاره المفاجئ للغة اليربوع الذي كان يستنجد عطشا ليمد له الخراز يد المساعدة ساقيا إياه، ثم الفهم العميق لنصيحة اليربوع، والتي ستأتي بمثابة رسم بصري، وخريطة يتبعها الخراز “ثق بقرار قلبك” لعلم اليربوع بجهل الخراز للجهات التي عليه أن يسلكها، مكملا هذه الرحلة، واصلا إلى مداها.. من كل ذلك نتبيَّن أن قصدية العجائبي تلعب دورا بارزا في أدب الرحلة، فلا يأتي العجيب اعتباطا، وإنما هو أمر تم قصده قصدا، فالرحلة بذلك، “ليست مجرد سفر باتجاه التخوم إنها بحث عن المعنى أو توسيع لدائرة المعنى ( )”، إنها الخروج عن المألوف من اللفظ، ودائرة اللغة الضيقة، إلى المعنى واتساع دلالاته، إلى تعددية الخيارات وانفتاحها. .فاعتراف الكاتب أن النص مكرس للغريب هو تهيئة للمتلقي أن ما سيواجهه في هذا النص، ليس الواقع الفج الذي اعتاده، وإنما ارتحال إلى لغة مختلفة ستحول الواقع إلى عالم من السحر، وهنا سيكون دور اللغة مكثفا لأنها ستتكئ على الرمز، والأسطورة، والاستعارات المتنوعة، والمكثفة، لرسم كل تلك العوالم الفنتازية. ومع ذلك –كما ذكرت سابقا- العودة من الرحلة هي عودة بكنز معرفي، وبذلك سيتحول (نص الرحلة) إلى جانب كونه عجائبيا إلى “مدونة معرفية تجسد الواقع، وما وراءه من تصورات فكرية وفلسفية، تجسد وتكشف في الآن نفسه ثقافة الفرد والمجتمع( )”، يمكن الرجوع إليها لأن من سجلها كان باحثا أنثروبولوجيا وأثنوجرافيا سجل مشاهداته عمن عايشهم.
المبحث الثاني: تطور الوعي عند صالح الخراز: فكرة البلوغ من ضمن الاحتمالات أيضا رحلته للوصول للحكمة.
كيف يعمل عقل الإنسان في اجتراره للحكاية وتقاطعات الأفراد؟ عندما كان صالح الخراز يبحث في مكتبة والده عن كتاب لتفسير الأحلام وجد تفسير الأحلام لابن سيرين، وأثناء بحثه عن تفسير لحلمه وجد كتاب ألف ليلة وليلة مع أن ما يحويه تفسير ابن سيرين لا يقل عجائبية عن الليالي، ومع ذلك كان اتجاهه لليالي؛ لأنها تغذي خياله بالسفر والترحال، وتعلقه بقصة التاجر البغدادي واللص فاستمر بالتفكير في تلك الحكاية، وتماهى معها، وعاشها ذهنيا بتفاصيلها عاقدا المقارنات بينه وبين التاجر البغدادي، ومرَكِّزَا على التقاطعات التي تجمع بينهما، وصارت تلك الحكاية له كأنها الطريق الوحيد الذي سيوصله إلى كنزه، وحلمه بالعثور عليه.
كان صالح الخراز يدرك اختلافه عن الآخرين من أقرانه، لذلك أراد بطريقة واعية – الفتى كان واعيا وكان وعيه حاضرا دائما – أن تكون له حياة مختلفة، ومصيرا مختلفا عن الآخرين، ممن عاشوا في “خب المنسي” فنسيهم الزمن كبلدتهم الصغيرة، ولوعيه باختلافه عن الآخرين كان يدخل في صراعات ذهنية ذاتية، يعلنها أحيانا على الملأ، ففي حوار بين ناصر (الصديق المقرب لصالح) وصالح: يقول ناصر لصالح: “اسمع صالح، لابد أن تبعد عنك الوساوس، فلا يوجد شيء غير الذي يسمعه الناس جميعا. هزَّ صالح رأسه باستفزاز: لا يا ناصر، أنا أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون…( )، هذا الحوار يفضح الوعي العميق الذي كونه صالح الخراز، ولا ننكر دور الرحلة الذهنية التي قام بها في الليالي العربية، فهيأته لذلك الوعي المختلف، سيظهر هذا الوعي مرة أخرى في حوار لصالح مع والدته، عندما تلومه على السفر والابتعاد عنها وعن أخوته وبلدته، فيقول لها: “…أنا كالطير أحمل الرؤيا على جناحي، حتى أجد من يفسرها عندها ستسقط هذه الرؤيا من على جناحي ساعتها سأتوقف عن الطيران وأعود( )”، إذن أنا منذور للسفر وعلي الخروج لأتحرر من ثقل الرؤيا ومن ثقل الحلم.
كانت الرحلة التي قام بها صالح الخراز تنقسم إلى قسمين:
الأول: الرحلة الجسدية: وهي رحلتان:
أولهما: انتقال الفتى صالح الخراز من مرحلة الطفولة إلى مرحلة المراهقة والتي يعامل فيها كرجل عليه مسؤولياته وله مكانته بين الرجال ويتحول من رؤى الكوى الضيقة إلى رؤى العالم المتسع بعينين كبيرتين وإدراك أكبر وأعمق.
ثانيهما: الرحلة الفعلية التي قام بها صالح الخراز من بلدته “خب المنسي” إلى الهند وعودته من الهند إلى بلدة لا اسم لها ثم العودة إلى بلدته “خب المنسي”.
الثاني: رحلة الوعي وتشكلاته:
إذا أردنا أن نرسم المراحل التي مر بها وعي صالح الخراز متجها إلى أعلى الهرم المعرفي، الذي يصل إليه الكائن وهو الحكمة، فقد كانت الحكمة هي الكنز الذي عثر عليه الخراز، وكان عليه أن يتبع هذه الرحلة ليقبض على الحكمة، إلى جانب المغنم الآخر، وهو الكنز المادي الذي حصل عليه:
المرحلة الأولى: بدأت بالوعي الضمني/الباطن: ويقصد به: الوعي الموجود في عقول الأشخاص، يظهر عن طريق تصرفاتهم فقط، وظهر لدى صالح الخراز الذي عاش مع الثغاء الذهني للحملان، وإحساسه بألمها مع كل غرزة يغرزها في الجلود، أثناء صنعه للأحذية، فهذه الحساسية اللامألوفة عند الخرازين كانت أول الوعي عند الخراز، فلم يكن ذلك الثغاء إلا الحلم الذي كان يلح عليه، وكان حالة خوف لاواعية – ربما- من أن يركن إلى الخرازة تاركا أو متناسيا مهمته التي نُذِر لها، ويتنازل بالتالي عن حلمه.
المرحلة الثانية: المنزلة بين منزلتين: (الوعي الضمني الذي يدخل دائرة الوعي الصريح/الظاهر)، حيث الحلم الذي يبدأ بترجمة أفكاره الضمنية، وتفسيره الذي سيجعل وعي الخراز صريحا واضحا، وأكثر قدرة على اتخاذ القرار، وهي المرحلة التي يقابل فيها أشخاصا سائلا إياهم عن تفسير لحلمه: الرجل ذو البشت الرمادي، والمطوع، وبحثه في تفسير ابن سيرين والشرارة التي أطلقتها الليالي (ألف ليلة وليلة) والتي دعمها حواره مع الرجل ذي البشت الرمادي، والذي أعلن له ما كان يخشى النطق به وهو السفر، والذي لامس هوى في نفسه ليتخذ قرارا بالسفر.
المرحلة الثالثة: الوعي الصريح/الظاهر: هو وعي تشكيل الرؤى، والقدرة على إصدار الأحكام، والتجارب التي خاضها، في هذا الوعي يقوم صالح الخراز برحلته الفعلية مسجلا فيها مشاهداته التي مر بها، ومختبرا معارفه البسيطة التي كونته، مضيفا إليها خبراته الجديدة التي اكتسبها في هذه الرحلة.
المرحلة الرابعة: الوعي الضمني/الباطن: لحظة إنتاجه لمعرفة جديدة متمثلا في اكتساب الحكمة وهي أعلى مستويات المعرفة، إذ تتعاضد معارفه السابقة مع المعارف الحالية التي اكتسبها من رحلته التي قام بها، ليصبح محملا بالعديد من الأسلاف المعرفيين وهم: الأشخاص الذين قابلهم طوال رحلته فكان كل من قابلهم من أشخاص، وكائنات يلقون إليه بحكمة أو عظة من خلال حواراتهم معه، كذلك قراءته للمهابهارتا الهندية التي تسرد الكثير من البطولات والسير، والتي راهن العجوز الهندي على قدرتها على تغيير صالح الخراز بعد قراءته لها، يقول العجوز لصالح: اقرأه في طريق عودتك، فمن قرأه لم يعد كما كان من قبل، وأنت أيضا حينما تقرأه حتما ستتغير( )، أيضا مضغه لأعشاب الحكمة، ففي أثناء رحلته يتوقف لاحتساء الشاي، ليترك البقية في قعر الكوب، فيناديه صبي المقهى “طلب الصبي من صالح مضغ الأعشاب في قعر كوبه من الشاي لأنها ترياق الحكمة ( )”، وكانوا بالتالي يقودونه نحو الحكمة، وهنا أيضا ستتشكل بدايات التفكير العلمي المنطقي الذي اكتسبه صالح، والذي ظهر عند سؤاله عن البيت الذي أخبره الصياد الهندي العجوز عنه: قال الأطفال: “…هذا البيت مسكون بالجن، فلا يكاد يمضي على من يسكنه أكثر من ثلاثة أيام حتى يموت، لم يقتنع صالح كثيرا فتساءل: ولكن ما سبب موت من يدخله في ظنك؟ … فيشرح له الفتى حالة الجثث السليمة من التشويهات لكنها متورمة ولونها الأزرق ( ).
المشاهدات الغرائبية التي ظهرت في الرواية:
1): ثغاء الأغنام الذي لا يعرف مصدره، لكنها ستصمت بعد الرحلة.
2): الحلم العجيب (رأى صالح نفسه يطير في السماء، يطير من غير جناحين، يطير بثوبه الأبيض الفضفاض، ويرى تحته الأشجار والبيوت، ثم يحط فجأة في بيت مهجور، ويتحول إلى جزار، يقف أمام ذبيحة معلقة في الهواء، يشق بطنها بسكين حادة، ثم يسحب أمعاءها، ويلفها حول ذراعيه، حتى انبجست أمامه المعدة، وانفرط روثها( )) هذا الحلم سيتحقق بالتفصيل بعد عودته من الهند، ودخوله للبيت المهجور، والذبيحة هي الحية التي سيقتلها فعلا، ومن ثم الأمعاء هي الحبل الذي سيكتشفه في ذيل الأفعى، وفي طرفه الكنز الذي سيفتحه بخنجر عماني حاد ليجده مليئا بالذهب، والفضة، وما الروث إلا الكنز في الصندوق.
3): المسافر الغريب (الرجل ذو البشت الرمادي يأتي هذا الرجل مرتبكا، طالبا قطعة قماش من صالح الخراز، وكانت تصرفاته مثيرة للشك إذ “بينما مد الفتى له فنجان القهوة، هز الغريب ذو البشت رأسه: شكرا أنا لا أستطيع أن أشرب شيئا( )، ويبدو أن الكاتب هنا يستلهم فكرة الروح من الملائكة عندما نزلوا بالبشارة على إبراهيم عليه السلام: قال تعالى: “… وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُواْ سَلامًا قَالَ سَلامٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ* فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ…” سورة هود: الآيات: 69-70)، نتيجة لتصرفات الرجل الغريبة يشعر الفتى أن هذا الكائن الغريب ليس إنسانا، كأنه طائر أو ملاك أو ربما جني مثلا( )، وعندما يحضر الفتى قطعة القماش يشكره الرجل بإعطائه فردة حذاء فضيا، وحينما دخل الفتى صالح في عمق الدكان، كي يجلب له فردة حذاء، سمعه يقول: يا ولدي لا تهتم لأمري فلا أحتاج إلى الأحذية( )، ثم يختفي الرجل ويعجز الخراز عن إيجاده.
4): اليربوع الصغير وحكمته “ثق بقرار قلبك حين تتعدد أمامك السبل( )”.
5): الرجل البدوي وأمه العرافة في بيت بعيد عن العالم، وتحويل المرأة العجوز الحلم إلى نبوءة (الخير ينالك لكن يمكن تفقد اثنين( )). وفعلا تتحقق النبوءة بفقدان الخراز لإصبعين من أصابعه، وكأن هذا الفقد هو الشاهد الذي سيبقى له من تلك الرحلة العجيبة التي مرَّ بها.
6): السمكة الذهبية: بعد العاصفة في السفينة “كانت عينا (يقصد عيني السمكة الذهبية التي قذف بها الموج إلى ظهر السفينة) تتوسل بخضوع: أعدني إلى الحياة يا ابن آدم، قربها من فمه وتمتم بداخله: الذي خلقك هو من يعيدك إلى الحياة، فارتجف ذيل السمكة الذهبية، وأضاءت عينها اللامعة بذكاء: كن يد الله، فهو يأمرك بأن تقذف بي إلى البحر….( )”، بعد إعادة الخراز للسمكة إلى البحر خرجت لتحكي له حكاية السمكة واللؤلؤة، وكأنها أرادت اختباره فيما لو كان في جوفها لؤلؤة وهي بين يديه وأفلت الفرصة من يده بإفلاته للسمكة، ثم ذكرت له: “…هل ترى هذا المدى الأزرق من الماء؟ هل تعرف ما وراءه؟ هناك في البعيد شيء يسمى المجهول، ولكي تعرفه عليك أن تذهب إلى أقصاه…..( )”، السمكة تقول للخراز: “لا تندم أن تركتني أعيش، فاللؤلؤة الثمينة مجرد مزحة يا ابن الصحراء، وكثير من الحكايات هي مجرد تسلية للمخلوقات…( )”
7): الرجل العجوز على ضفة النهر وحديثه الغريب: (هو رجل ميت ومن قابله هو روح، مازالت عالقة لأنها تحتاج للتكفير عن ذنب اقترفته، ولديها قضايا عالقة في الحياة، وكأن علامة الأرواح الحذاء الفضي الذي سيجد صالح الخراز الرجل العجوز منتعلا إياه)،– سيقول لصالح: “… ستموت يوما ما، وستضطر أن تستيقظ من الموت كل فجر مثلي، كي تكفر عن سوأتك. وقبل أن يسأله صالح: لكنك الآن حي، صمت وقد لمح حذاءه الفضي، قبل أن يخفيه تحت سرواله الفضفاض…( )”، ثم سيلمح “….الرجل العجوز يغيب بين الأحراش على ضفة النهر، وكأنه يسير على ماء فضي…( )، وهذه تتشابه مع أفعال الرجل العجوز ذو البشت الذي لا يأكل، ولا يحتاج لحذاء….، إلى جانب أن كليهما عينه خضراء – ويرتدي حذاء من الفضة، ومما يؤكد ما ذهبنا إليه من كون الرجل ليس إلا روحا تائهة حديث الرجل العجوز عن الروح والموت يقول لصالح: …”الأشياء لا تموت، حالتها هي التي تتبدل ، تجمد صالح لوهلة قبل أن يسأل: كيف؟، أغمض عينيه (الرجل العجوز)، وتحدث: هي حياة ممتدة يا بني، ألا ترى هذه الأرواح التي تطوف أمامنا؟ ثم هش بيديه أشياء لا مرئية…( )”، وهذه الفكرة (فكرة خلود الروح) التي يطرحها المحيميد هي فكرة اليهود التي أخذوها عن اليونان، وهي أن البعث يكون للروح لا للجسد؛ لأن الروح خالدة، وبإمكانها التنقل أينما شاءت، وكيفما شاءت، إذن الرجل العجوز هو رجل ميت، ومن يخاطبه صالح هو مجرد روح تائه كانت تبحث عن كفن لتدفن، وهنا في الهند تبحث عن الخلاص لذنوبها السابقة، أيضا الرجل الروح ظهر لصالح مرة أخرى لأن خلاصه الآخر لم يكتمل وهو مكافأة الفتى الذي أحسن إليه، فكان أن رسم له خريطة الكنز الذي سيحصل عليه “… عد من حيث أتيت، واقطع مفازات الرمل الخالية، هناك ستعثر على قرية فيها بضعة بيوت على حافة نفود، ابحث عن البيت المهجور في طرفها، اقتحمه بشجاعة، واكتشف أسراره، ولا تنس أن تصطحب بندقيتك معك….( )، كل ذلك لكي يتحرر الرجل العجوز من كل ما علق بكاهله من أعمال دنيوية عليه الانتهاء منها لينام نومته الأبدية.
8): عجائبية البيت المسكون : 1- حكاية الرجل العجوز مالك البيت: “….كان يسكنه شيخ عجوز ووحيد، وحين مات لم يجد له أهل القرية كفنا، كي يدفن، كان الجميع قد تملصوا من التبرع له بقيمة كفن أبيض يستر جثمانه في باطن الأرض، وأمضى الليل مسجى في منزله بحجة أنهم سيدبرون أمره عند الفجر، لكنهم للأسف لم يجدوا جسده هناك. ظنوا أنه مخطوف تحت الأرض عند الجن…. وحين أشرقت الشمس وجدنا جثة الرجل العجوز ملفوفة بكفن أبيض جديد، وتفوح منه رائحة السدر…. فصلى عليه أهل القرية ودفنوه….( )”. 2): الغربان البيضاء. 3- الجثة المجهولة. 4- الوزغة المتجمدة واختفاؤها فجأة. 5- الأيادي الخفية التي مددت الفراش، ومسدته، وهياته للنوم. 6-اليمام الحزين وهديله، 7- الغربان السود. 8- أفعى الصل سبب الموت من سمها الزعاف الذي تتقيأه في الماء. 9- الكنز المعلق في ذيل الأفعى.
إذن من خلال هذه القراءة المبسطة لرواية رحلة الفتى النجدي نتبين أن الرحلة بوصفها انتقالا، تفرض على الرحالة والمتلقي قصدية نحو العجائبي، مبعدة السأم عنه، ومتحولا نصها إلى نص معرفي أو وثيقة معرفية يمكن اللجوء إليها، لمعرفة أفكار ومعتقدات الشعوب الذين اتصل بهم الرحالة، إلى جانب أن الرحلة تتحول إلى خريطة جغرافية تحدد الممالك وحدود الدول، والاتجاهات التي يتخذها الرحالة وبالتالي يسهل معرفة مواقع البلدان، ومعرفة المدن التابعة للأقاليم التي مر بها.
لا يتوقف الأمر عند ذلك بل نجده عند المحيميد يرسل رسالة إلى الناشئة مفادها: لا تسمحوا لشيء أن يوقف أحلامكم وعليكم متابعة أحلامكم إلى مداها.

ابتسام الحجرية

إلى الأعلى