الإثنين 16 يناير 2017 م - ١٧ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / الارتداد الزماني فرس رهان الشخصية المسرحية

الارتداد الزماني فرس رهان الشخصية المسرحية

“صوتٌ سمع في الرامة” لـ “سماء عيسى”

إن التجربة الكتابية الدرامية للكاتب سماء عيسى ثرية بتدفق عطائه، فهو كاتب السيناريو السينمائي، ومقتنص التكثيف والصورة البصرية في الأفلام القصيرة- ولا ضير في تعامله مع مخرجين شباب ليقدموا أعماله الكتابية- لهذا نجد الروح المبادرة عند سماء عيسى هي روح الابداع لا يستوقفها أو يحول بينها عوائق كقِدم تجربته الكتابية ونشره للمجموعات الشعرية منذ الثمانينات في الشعر أو الدراما بأنواعها، فهو النموذج القدوة في تواضع المبدع الانسان، لهذا انتاج سماء عيسى يعلقُ في الذاكرة ويثير الأسئلة لأنه تمت كتابته بمساحة من الحرية بدون أي حدود لتدفق الأفكار والشخصيات التي يستدعيها من غياهب التاريخ، ولا تحجبه عن استمرارية الكتابة فواصل الانا التي أبعدت عدد كبير من الكتاب واسقطتهم في وهم أن الإنتاج الكتابي لا بد أن يكون متعاليا عن سابقه المنشور، لذا تجمدوا في أماكنهم أو هربوا من الكتابة، واستمر الكاتب سماء عيسى يتدفق عطاء بتجارب كتابية متنوعة تمتزج فيها اللغة الشاعرية بقوة المعاني وتدفقها.
إن الإصدار الجديد الذي يضيفه الكاتب سماء عيسى في المسرح بعنوان (صوت سمع في الرامة) وهو عبارة عن نصيين مسرحيين. الأول تصدر عنوان الإصدار وهي مسرحية من فصل واحد، والنص الثاني هو (لا شيء يوقف الكارثة) وهي مسرحية من أكثر من فصل مسرحي تم نشرها في العام 1991م والان يعيد نشرها مع الإضافات التي راءاها مهمة.
النص الأول يفتح على الوصف لحالة التقسيم المكاني والتجزئة التي تعيشها شخصيات (صوت سمع في الرامة)، فهناك الامبراطور الروماني”هيرودس” كشخصية محددة ومعروفة الملمح المكاني والزماني الذي عاشت فيه ” هيرودس الإمبراطورر، يغط في نوم عميق على كرسي العرش، على الطاولة بقايا لحوم وأرز وفواكه”، وهو من هذا المدخل في الارشادات المسرحية يمنح المؤلف التركيبة الشخصية لهذا الامبراطور، ويقدم حالة الترف التي يعيشها، والوضع الفوضوي الذي يحيط به، بحيث يتخذ الامبراطور من كرسي العرش مكانا للنوم وبقايا الطعام تحيط به، فهو ملمح وإن بدأ ظاهريا وضع شخصي ولكنه بالرؤية الواسعة هو انعكاس كبير لما سنراه على مستوى الدولة الكبيرة وأهلها الذين يعيشون فيها. إن هذ التقديم الذي يؤطر له الكاتب سماء عيسى بجمل محددة ” المرأة في قفص كبير، تتحرك يمنة ويسرة، تتبع طيف الطفل الذي يتحرك في جنبات المسرح تحت قضبان القفص الحديدية محاولة الخروج منه”، من هنا تتكشف المقابل الآخر للترف الذي يعيشه الامبراطور هناك من المسحوقين من الشعب في الجانب الاخر من المسرح فهناك “امرأة وطفل” لم يحدد انتماؤهم ولا مكانتهم ولا الذنب الذي ارتكبوه، في هذا السياق الافتتاحي ينكشف لنا الصراع الذي يظهر جليا في ركني المسرح المقسم كتابة الى قوتين متصادمتين متمثلتين في (قوة الحُكم والإدارة النافذة ممثلا بالإمبراطور وحراسة وقوة الشعب الذي يظهر مغلوب على أمره وينقاد بالسياط ممثلا في الام وابنها). شخصيات قليلة في هذا النص ولكنها مشبعة بقيم الوظيفة التي تقوم بها فعلى سبيل المثال اختيار الكاتب سماء عيسى لشخصية” الأم” دون غيرها من مكونات المجتمع لم يكن محض صدفة ولا اختيارا يسد فراغ حضور الشخصيات وإنما هناك مسلك اجتماعي كبير منتظر من هذه الام التي هي في اشع معانيها تمثل قيمة الوطن الكبير والذي يتحمل اجتهادات قواده وامراضهم النفسية وغلوهم ومبالغتهم في التصرفات غير الإنسانية اتجاه بني جنسهم وهذه السلوكيات المرضية هي اكبر المفاسد التي تواجها التركيبة الإنسانية على مر القرون فمن العمق الروماني الذي يسوقه المؤلف سماء عيسى في هذا النموذج المسرح وكما يعرف القارئ فان الحضارة الرومانية اتخذت من الوحشية المفرطة حتى في عناصر التسلية والمسرح وسيلة مبهجة للجماهير التي كانت متعطشة للدم والانتقام لذا تم الاستعانة بالحيوانات في حلبات المصارعة كالأسود والكلاب التي يسمح لها بمهاجمة المتبارزين من البشر فأما تقتلهم أو يقتلونها ، فهذا الجانب كان حاضرا في عبارات الامبراطور عندما يخاطب المرأة ” لا فرق لدي ، تذرفين الدمع من عينيك اليوم، منها ستذرفين الدم غداً، وذلك ما يسعدني حقاً” ص9 . وفي حوار داخلي آخر يردد الامبراطور ” أتذكر ضحيتي الأولى، الضحية التي دفعتني إلى التهام كل طفل أقابله أماي. كانت طفلة صغيرة، تسير نحو اكتمال عاملها الثالث، مرحه عذبه وجميلة” ص 13. واضح أن هناك تطابقا بين استدعاء هذه الشخصية من العصر الروماني وبين سلوكها وحتى اختيار عباراتها وألفاظها. في المقابل نجد المرأة ” الأم في القفص تتبع حركة طيف الطفل وهو يدور في الظلام كالأعمى. الطفل: كل أنوار البيت مُطفأة يا أمي. الأم: والشوارع، والحواري. الطفل: مطفأة هي أيضاً. وأنا لا أجد مكاناً آمناً. أنام به، إلاَّ حضنك يا أمي. لكنني لا أجده، لا أراه. أين حضنك يا أمي؟ فتجيب الأم: لن أكون قادرةً على الوصول إليك. لن تكون قادراً على الوصول إلي حتى لو مزقت هذا الحديد بأسناني لأعبر إليك، لن تراني ولن أراك يا حبيبي” ص 11. التعبير الذي يتردد بين الام وطفلها هو البحث عن الأمان/ الاحتضان الذي يفتقداه وهما يمثلا النموذج الشعبي في الانتماء، إذ إن الشعور من جانب الطفل بعدم وجود مكان آمن الا حضن الأم. في المقابل تظهر الام عاجزة عن الوصول إلى الطفل حتى لو استعانت على تمزيق السجن/الحديد بأسنانها. فالوطن الذي تنشأ فيه السجون وتكبل فيه الحريات ما هي ردة فعل أطفاله وساكنيه غير البحث عن الأمان حتى لو كلفهم ذلك حياتهم في خلق صورة مغايرة عن واقعهم القاسي، فبين وجود الام/ الوطن الذي يحاول أن يجد أبناءه ليتربوا تحت مظلته في وئام وسلام نفسيين فالتذكير بعبارة ” إنني أمك يا بني” ص 8، يقاطعها الامبراطور ” لمن تتحدثين أيتها المرأة؟ ماذا كنت تقولين؟ هذا التشكل في الصراع يتعالى تدريجيا في النص ويتكشف على مدلولات ظاهرية قالها النص وباطنية رمى إليها الكاتب سماء عيسى بحنكة اللغة الشاعرية التي غلف بها هذا النص. إحدى مناطق الصراع تتمثل في قيمة الشخصيتين فالإمبراطور القوي ماديا ولكنه ضعيف أخلاقيا بفساده وحاشيته فها هو خادمة وجلاده المسمى “جثة” وهو اسم له دلالة بخلو المشاعر والعقل من صاحب هذا الجسد، وتطبيقيا يمارس هذه الصفات في حواراته مع امبراطوره فها هو نجده يشجعه على قتل طفلة ” اخنقها. اخنقها سريعاً مولاي كي لا تطيل نظرة الاحتقار إليك فتبصر فيها أعماقك وجذورك” ص 16. فجثه يخاف على مولاه من الشعور بنظره الطفلة ليس حبا أو عطفا أو تجنبا لشيء مهلك سيصيب الامبراطور وإنما هو الآخر تحول لما يمكن تشبيه (بفراش الوزير وزير/ أومن يمثلون دور الأمير أكثر من الأمير نفسه)، فنجده في مقطع حواري آخر(جثة) يقول له” مولاي. كررت لك عدة مرات ليس من داع لخوفك هذا! هيا قم عدل من هندامك بعد قليل، سيمثل الوزراء والنظارة بين يديك.. أحسنت صنعاً يا مولاي هكذا أنت الآن كما كنت إمبراطوراً يملأ الأرض قوةً وعنفاً وبطشاً. تفضل يا مولاي بالجلوس على كرسي العرش حتى متى ما أتى الوزراء والنظارة رأوك في أبهى حللك وبطشك وقوتك فارتعدوا خوفاً وسجدوا” ص 19. إن تعرض شخصية (جثة) للإذلال والامتهان لا يعني بالنسبة له شيئا فهو يعيش تلك الحالة الوصفية التي يحملها في اسمه، والمشبعة بكل الخساسة والتبلد والبهيمية، فها هو الامبراطور يقول له” لقد أصبحت فأراً حقيقياً. فأراً، ولست آدمياً حقيراً مثلك أليس كذلك؟ فتكون إجابة (جثة) نعم، يا مولاي. أنت الآن فأر حقيقي بل وأجمل فئران الأرض على الإطلاق” ص24.
تنتهي هذه المسرحية العميقة في معانيها القليلة في فصولها وحواراتها التي تمتاز بالتركيز وتحمل إشعاعات أمل رغم قتامة القضية التي تطرحها وأبعادها الإنسانية القاسية بعض الشيء كقتل الطفولة وتعذيب المرأة وجلدها وإن كانت هذه القسوة مبررة في الزمان والمكانيين المحددين في العصر الرومان. كما تفوقت رسالة المسرحية ودعوتها للتأمل حول هذه الشخصيات التي صنعها التاريخ وحفر ماضيها المظلم وسلوكها المشين كي تتعلم منه الأجيال اللاحقة فالشراكة المجتمعية والحياة السوية تقود الأمم نحو حضارات مشرقة إنسانيا وتنعم بالراحة الداخلية شخصياتها التي تعيش تجربة مماثلة فرغم ان الزمن ممكن ان يعيد نفسه بمسميات والقاب جديدة الا ان القضايا المطلقة التي تحث عليها هي ذاتها التي تصلح ما يفسده المزاج المتقلب والغلو والمبالغة في السلوكيات. كان الكاتب سماء عيسى متدفقا مشاعر متنوعة تمازجت في معظمها مع أصوات الشخصيات ومستوياتها وطبقاتها الاجتماعية كما كان الصراع مكتمل الأركان ومحتدما دون أن يكون هناك ما يقطع ذلك الصعود نحو العقدة والذروة المسرحية التي لا تنتج في هذه المسرحية حلا إنما هناك نهاية مفتوحة مشرعة للمتلقي بان يختار طريقته في التعاطي مع هذه القضية فجعل الامبراطور ينشد النوم الهانئ بدون منغصات الام وطفلها ” لا طيف الطفل يأتيني في المنام ولا تلك المرأة الواجمة بالقفص تراقبني، وستنعم بهدوء تام ونوم سعيد يا هيرودس” ص25، ومع ذلك ما ان يضع راسه الا ويلمح عناق المرأة وطفلها فيركض في ارجاء المسرح ليتأكد من انه لم يعد الى انسانيته وآدميته المتوحشة السابقة. فسماء عيسى المؤلف يختتم بهذه الرسالة الإنسانية الكبيرة في إن الارتداد الزماني في الشخصية المسرحية هو فرس رهان الواقع والمستقبل والمسرح لا يكون شاملا في الفائدة إلا بعناصر الحوار الإبداعي والعمق الفني الذي يرسخ من احتمال الارتقاء به كدرس في التعلم ودرس في الحياة.

د. سعيد محمد السيابي

إلى الأعلى