الثلاثاء 23 مايو 2017 م - ٢٦ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / المدرسة العمانية في الشعر الشعبي بين التأصيل والتأسيس (2)

المدرسة العمانية في الشعر الشعبي بين التأصيل والتأسيس (2)

إكمالا لما بدأناه في حديثنا عن المدرسة العمانية في الشعر الشعبي بين التأسيس والتأصيل في المقال الأول، وحديثنا هنا عن ما ترتكز عليه المدرسة العمانية من مبادئ وأسس في تركيب النص الشعري، على مستوى الموضوعات، والمعاني والصور والتراكيب الفنية الأخرى.
إن لكل مدرسة شعرية ما يميزها عن غيرها من المدارس، وأقصد هنا ما يجعلنا نطلق عليها أنها مدرسة شعرية مستقلة عن غيرها، بحيث عندما نقرأ أي نص يحمل صفات هذه المدرسة أو تلك نقول أن هذا النص ينتمي للمدرسة الفلانية أو لا ينتمي إليها.
وأمر مهم يجب التنبه إليه، قد يقول قائل إنني أخلط بين الفنون الشعبية والقصيدة الشعبية، وأقول أبدا الفنون من ناحية الإيقاع ليس لي دخل فيها أنا هنا أتحدث عن البيت الشعري، عن القصيدة عن كل ما يحمل معاني الشعر، وما ينتمي لعالم القصيدة الشعرية أين كان شكله ومضمونه المهم أنه يحمل ملامح القصيدة وينتمي لعالم الشعر والأدب.
وهنا نبدأ بما ترتكز عليه المدرسة الشعرية العمانية وما يميزها وهناك عدة نقاط أذكر منها ( قوة اللغة في القصيدة العمانية وسلامتها واعتمادها كرافد أساسي للتميز) ونقول: إن من أبرز ما يميز ملاح القصيدة العمانية هو قوة اللغة فيها واعتمادها على كلمات أكثرها إما فصيحة أو أقرب للفصحى، كذلك تباري شعراؤها الحقيقيون على اكتشاف الكلمات، وتوظيفها في قصائدهم الجديدة ، ثم التي يليها ويكون الشاعر هو أول من استخدمها في قصائده وهكذا، وحتى في تقييمهم الذاتي في جلساتهم الاخوية التي تكون بين الشعراء تجد التركيز على لغة النص وسلامة المعنى وتوافقه مع ما يكتب من كلمات وحسن التوظيف، ومكان الكلمة في البيت وهل تخدم هذة اللغة المستخدمة في النص هل تخدم المعنى، وهل المصطلح في لغة سليم أم أن فيه خله. كل هذا جعل من اللغة مقياس لا يمكن إغفالة في القصيدة العمانية ، وتشعر أن النص صاحب اللغة القويه له زخم قوي وفعال ومؤثر على جميع المستويات وتجد له الإعجاب والتعجب من قوة هذا التمكن، لذلك كان هذا هو المرتع الخصب لكل شاعر أرد التميز والإبداع على الأقل في ظاهر النص، وهناك مقاييس آخرى للإبداع التركيبي للنص الشعري.
وما ترتكز عليه المدرسة الشعرية العمانية هو (الاعتماد على أستحضار القرآن كشاهد على قوة التركيب في النص)، وذلك من خلال متابعتي للنصوص الشعرية القديمة والحديثة، وجدت أن التوظيف للقرآن وآياته ومعانية وما ذكر فيه من قصص، وأحداث ومعارك وستدلالات ، كان حضور التوظيف لهذه المعاني واضحا في القصيدة العمانية في كل مراحل تكون هذه المدرسة، وذلك يكون إما عن طريق معاني القرآن مباشرة أو بدلاله غير مباشرة وأستلهام روح القرآن وروح معانية وتفسيراته ، كذلك الأعتماد على القصص القرآني لبيان ثقافة الشاعر أو الأستدلال على حدث ما ،لإقناع المتلقي والشاعر الآخر به، وهذا من الملامح المهمة في المدرسة العمانية وجعلها صاحبة الريادة فيه بالكم والكيف ، لأن بعض المدارس الشعرية تحرم هذا التوظيف، والمدرسة العمانية أكثر أنفتاحا وجرأة ، بالتالي تبعتها فيما بعد هذا المدارس التي كانت تحرم المساس بالمعاني في القرآن سابقا. وسنأتي على ذكر النماذج من الشعر العماني في ذلك وهو كثير.
وثمة أمر آخر فيما ترتكز عليه المدرسة الشعرية العمانية وهو (الإعتماد على الحديث النبوي في الترصيع والدلاله وقوة الحجه)، وهذا أمر لا يغفله متابع، فمن الروافد المهم في القصيدة العمانية الخالصة هو توضيح الحديث النبوي الشريف في معاني الحديث وأسبابه، سواء بالقول والفعل أو الإقرار للنبي صلى الله عليه وسلم، زايد الأحداث التي صاحبة قول هذا الحديث، من معارك أو خلافات او فقه أو سيرة، أو أي شي حدث في ذلك العصر يستحضره الشاعر لخدمة قصيدة وبيان هذا المعنى، ولذلك لقوة الحجة في القصيدة أو القول الفصل بإستحضار حديث أو حتى من أفعال الصحابة الكرام، وهنا يخلد النص ويبقى إذا كان التوظيف سليما، وقد يستخدم في الألغاز الشعرية في بعض القصائد ذات الصلة، بهذا النوع من النصوص.
وأن ما ترتكز عليه المدرسة الشعرية العمانية هو (اعتماد القصص الشعبي في إبراز المعنى) ويتمثل ذلك في القصص الشعبي الذي دائما ما يكون حاضرا بقوة في النصوص الشعرية التي تنتمي للمدرسة العمانية، سواء من خلال أسماء الأبطال في هذة القصص، أو الاحداث التي فيها، أو مقتطفات من بعض هذة القصص، وقد يكون التوظيف مباشرا أو على شكل لغز، أو إسقاطا للمعنى داخل البيت أو النص باكمله، وإسقاطة على حدث معين ورد في قصة محددة الملامح من القصص الشعبي، وذلك لأسباب يراها الشاعر، سواء كانت أحداثا سياسية، أو اقتصادية أو اجتماعية وغيرها، كذلك ذكر أسماء الأبطال في هذة القصة للدلالة على حدث معين، أو تغليف معنى معين والوصول به للأذهان.
وإن ما يميز وترتكز عليه المدرسة الشعرية العمانية أيضا هو (عدم وجود النعرات القبلية في القصيدة العمانية إلا ما ندر وأكثر الشعراء يتجنبونها)، وهذا أمر يشاهده كل من يتتبع سير الشعراء العمانيين، سواء في المطارحات الشعرية أو القصائد المنظومة، كذلك هذا النوع من النصوص لا يجد التشجيع والقبول من المتلقي للشعر في عمان ،فتجد استنكارا وعدم تداول ، باستثناء الأحداث التاريخية والتي يكون فيها تأريخ لمعركه ما أو تنصيب حاكم ما، ويكون فيها التباري بين شعراء القبائل ، دون التنقيص من الآخر بل يكون السباق في الفخر والمدح ، دون الهجاء ، وهذا راجع لطبيعة الإنسان العماني المتحضر، والذي تربى على احترام الآخر وتقدير كل من يستحق التقدير ، لذلك لا تجد هذا النوع من الشعر والذي ظهر بكثرة في المدارس الشعرية المجاورة ، والتي فيها قد تقوم معارك ودماء على قصيدة قالها شاعر في هجاء أو التشنيع بالقبائل الاخرى . وهذا في عمان شبه منعدم.
كما ترتكز المدرسة الشعرية العمانية على أمر آخر وهو (التركيز على ما وراء المعنى والتلاعب بالألفاظ)، وهذا يجيده الشعراء العمانيون بكل حرفية واقتدار ، قديما وحديثا ، واعتبروه من أهم فنون الشعر سواء في البادية المدينة أو بيئة الجبل والساحل كذلك ، فتجد أن هذا الفعل الرائع يستهوي الكثير من الشعراء ويتباهون به ويتبارون فيه ، وهو أستخدام المعاني العديدة للفظ واحد ، أو تغيير الاستخدام للبيت على عدة وجوه ، أو تكرر اللفظ بمعان مختلفة ، وهذا يبهر السامع ، وقد يعجز الشاعر الأخر، وهذا يعتمد على ثقافة الشاعر وإدراكه للمعاني المتعددة ، وكذلك أستحضاره للألفاظ .ويكون هذا الأمر في أكثر الأحيان في القافية، أو في أبيات تكون هي المفتاح للنص. وهو سمه بارزة في النصوص العمانية .وثمة أمر آخر لا يقل أهمية عما سبقه وترتكز عليه المدرسة الشعرية العمانية وهو (اعتماد القصيدة العمانية عند الشعراء على الصور المتتابعه وكل صورة تدعم الأخرى في توضيح المقصود العام للنص)، ففي القصيدة العمانية هناك الصورة القصيرة والممتدة وكلها تخدم المعنى العام للنص ، لكن ما يميز القصيدة العمانية هي ترابط الصور ترابطا مبهرا ، يدعمه اللفظ والمعاني القوية التي تبرز هذة الصور في أبهى حللها . وهذا من أقوى أنوع الشعر وقد ظهر في الشعر الفصيح في العصر العباسي ، وقد لا يدرك الكثير من الشعراء ذلك ولكن هذه سمة بارزة في المدرسة الشعرية العمانية. أما التنويع في البحور الشعرية والتنقل بينها أقل من المدارس الأخري في الخليج ، فالمدرسة العمانية تعتمد في أساسها على البحور المعروفه في الشعر دون محاولة التجديد وأقصد هنا بالتجديد ليس النقل من المدارس الأخرى إنما الإبتكار والخلق والإبداع وبالتالي الإمتاع والتميز ، وهذا لم نجده إلا عند الشاعر الشيخ عامر الشعيبي، فقد نوع وأثرى المدرسة العمانية بكثير من الإبتكارات الوزنية ، وتغيير ملامح تركيبة النصوص التراثية ، فقد أضاف وأثرى الاوزان الشعبية ، وهذا ما يميزه عن غيرة من شعراء عصره ، وظل أثره باقي إلى هذا اليوم ، وهناك اوزان تسمى باسمه .
كما أن هناك أمرا مهما جدا لا تزال ترتكز عليه المدرسة الشعرية العمانية وهو( ثقافة النص واللغة البيضاء تبدو أكثر وضوح في القصيدة العمانية أكثر من غيرها ) ، فالثقافة والمعلومات التاريخية وسمات الفلسفة وحتى الوجودية تجدها في النص العماني واضحة حتى في النصوص القديمة ، وكل نص يتحدث عن موضوع ما تجده أكثر ثراء وإثراء ، وثقافة القصيدة العمانية يشهد بها أكثر النقاد من داخل عمان وخارجها ، وذلك يرجع لثراء فكر الشاعر العماني ، ويدعم ذلك المجتمع الذي يخرج منه الشاعر ، كذلك الشعراء الذي سبقوا الشاعر وأسسوا له وللقصيدة ، ولكن للأسف بدأ هذا الأمر يتناقص شيئا فشيئا ، وبدأت القوالب الجاهزة تغزو عالم القصيدة العمانية ، ولكن نقول بما أننا نعرف أساس هذه المدرسة يجب العودة لأساس القوة والتميز.
وأخيرا ومن خلال هذا الطرح فظهور الغربة وانغلاق النص، من وجهة نظر إنه أمر ترتكز عليه المدرسة الشعرية العمانية، وذلك لكثرة السفر والهجرة والغربة داخل البلد وخارجها فقد ظهرة الغربة الذاتية، والغربة المعنوية في نصوص الشعراء العمانيين وأصبح سمه من سمات القصيدة العمانية فتجد لا يخلو شاعر من هذه النصوص في أغلب مواضيعه التي يطرحها، فتجد في داخل القصيدة غربة لقلت عند البعض أو كثرة ، بالتالي مع تراكم هذة الغربة ظهر الإنغلاق في بعض النصوص ، ومع الأيام تنامت وكثرت، وأصبح تتهم بها القصيدة العمانية وهي كذلك فعلا، المتتبع يرى هذا الأمر حادثا لا محالة ولكن هو إنغلاق بداخله الكثير من الجواهر والدرر لو كلف الباحث عن حقيقة النص نفسه لوجد أمامه سيلا عارما من البيان والسحر الحلال.

صالح بن خميس السنيدي
abuabdullah17@hotmail.com

إلى الأعلى