الأحد 24 سبتمبر 2017 م - ٣ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / نافذة لغوية (177) : تيسير النحو(8/9)

نافذة لغوية (177) : تيسير النحو(8/9)

خسر أنصار الفصيحة المحدثون شيئاً غير قليل من الوقت والجهد حين أهملوا إحياء المؤلّفات النحوية التعليمية، والإفادة من منهجها ومعاييرها وأساليبها. ولهذا السبب استمروا في اتباع خطة عامة تضمّ مجموعة من الأسس السليمة التي استقروا عليها ورسّختها كتب النحو المدرسية. ويمكن اختزال هذه الخطة في النقاط الآتية:
أ‌.عرض مسائل النحو بتدرُّج نابع من الاجتهادات الفردية.
ب‌. الإكثار من الشواهد النثرية المستمدّة من الحياة.
ج‌. تذييل القواعد بتمرينات تطبيقية.
د‌. الابتعاد عن جدل النحاة ومماحكاتهم وعللهم.
ه‌. المحافظة على المصطلحات النحوية التي شاعت بين المتكلمين العرب ولاكتها ألسنتهم.
و. الانطلاق من النص إلى القاعدة.
هذه الأسس المهمة المفيدة تدلّ دلالة لا يرقى إليها الشكُّ على أن القضية الرئيسة هي (تيسير تعليم النحو العربي) وليست قضية (تيسير النحو). فأنصار الفصيحة لم يُغيِّروا في (النحو) شيئاً، بل حافظوا على جوهره الثابت المعبِّر عن نظام اللغة العربية. أي أنهم انطلقوا من أن القضية ليست لغوية بل هي تربوية صرف وإنْ كان النحو موضوعها. ذلك أن عملهم اقتصر على النحو التعليمي الذي قدَّم في أبواب النحو المعروفة وأخَّر، واستبدل مصطلحات بأخرى، وأهمل تفصيلات نحوية، وبسّط أساليب العرض، وأضاف تمرينات وشواهد، وغير ذلك مما دعت الحاجة التربوية إليه. أما العامل، وهو مدار النحو كله، فلم يمسسه أحد. وأما العلل فقد اكتفوا بالأُوَل الأصلية منها، وحذفوا الثواني والثوالث الممثّلة لتأثُّر النحو بالمنطق والفقه وعلم الكلام. ومن ينعم النظر في الندوة التي عقدها اتحاد المجامع اللغوية العربية في الجزائر عام 1976 لا يفوته أن العنوان، وهو (تيسير تعليم اللغة العربية)، دال على المنطلق التربوي لأنصار الفصيحة، وأن المحتوى تبسيط للقواعد النحوية وتسهيل لها وليس تغييراً وتبديلاً فيها.
ولكنْ، هل زالت الشكوى التي ردَّدها أتباع الاتجاه المعادي وآمن بها أنصار الفصيحة، وهي كثرة القواعد النحوية وتشعُّبها؟. يُخيَّل إليَّ أنه لم يبق هناك مسوّغ عِلْميّ لهذه الشكوى؛ لأننا بتنا نملك من كتب النحو المبسّطة ما يلائم المراحل التعليمية كلها. والأمل أن تُعزِّز حركة إحياء التراث هذا العمل الإيجابي، فتُقدِّم له من الأمثلة ما يجعله سائغاً تقبله نفس المتعلِّم ولا تعافه. بيد أن الكتب المبسَّطة كلها لا تُعينني على القول إن النحو التعليمي بلغ الغاية، وإنما تعينني على تأكيد النقص الفاضح فيه. ذلك أن الشكوى القديمة التي أعلنها أتباع الاتجاه المعادي برزت ثانية في لبوس جديد. ومفاد هذه الشكوى عجز المتعلِّم عن استعمال النحو في حديثه على الرغم من تيسير تعليم النحو والعناية بالأساليب التربوية الحديثة في أثناء تدريسه. بل إنني لاحظتُ ارتفاع نسبة الشكوى من هذا العجز في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. وأعتقد أن المعنيين بالنحو التعليمي من لغويين وتربويين التفتوا إلى تيسير تعليم النحو، ونسوا في أثناء ذلك المتعلِّم والهدف الأساسي من التيسير.

د.أحمد بن عبدالرحمن بالخير
كلية العلوم التطبيقية بصلالة
balkher1971@gmail.com

إلى الأعلى