الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / أعمال الحجري .. حداثة التجربة وتنوع الأسلوب

أعمال الحجري .. حداثة التجربة وتنوع الأسلوب

سجل تاريخ الفن التشكليلي تجارب عدة بحثت في شتى مناح الحياة ،من واقعية الى انطباعية، الى تعبيرية، وصولا الى التجارب الحديثة والمعاصرة، وحملت كل تجربة خصائصها وسماتها الشكلية، اوالاسلوبية ،لتظهر بمظهر ورؤى فكرية وتطبيقية متنوعة ،ومع التطور الذي اصاب العمل الفني ،على الاخص في مجال التقنية ،فإن الفنان افاد كثيرا في مجال تطوير افكاره ومضامين اعماله ليكون على المحك بكل ما اتت به ورش ومختبرات العلم والفن ،واخذ العمل الفني يظهر بصور جديدة لم تكن لتظهر بالطرائق التقليدية المتاحة سابقا،مافتح الباب واسعا لولوج مسارات وانساق جديدة تشتغل على تنوع البنى ،فضلا عن تنوع الشكل واستعاراته وتوظيفاته البيئية.
في اعمال الحجري هناك مساران واضحان شكلا بطريقة ،او باخرى عنوانين لشيء سام يتحرك في فضاء العمل ،هناك افق يتمثل بحداثة التجربة التي تطورت عن طريق التقانة الرقمية وماأتت به من مفاعيل السرعة والمرونة والنقاء اللوني وهو ما يتوضح في الاعمال المستعارة عن البيئة بكل ماتحمله من مفردات وقيم لونية وفضاءات خضراء ،ما استوجب من الحجري التناغم مع التكوين واخراجه وفق رؤى شخصية تقول بان الانسان ابن بيئته ومحيطه ـسهول ،جبال ،اشجار ،نخيل وهي مفردات احاطت بالحجري واعطته سر الدخول الى عنواناتها ومضامينها الداخلية ،واثمر ذلك عن بنيات ملاصقة لما يجول في المحيط .
وهكذا تناغم مع البورتريت الشخصي الذي يمثل واجهة لمكنونات الفرد ومصدرا اثيرا لقوى التعبير وتلوناته،فالصورة هنا تجمع قيما متنوعة تحيل المتلقي الى قراءات عدة تقع في نهايات الرغبة والانفعال والتساؤل المحتم ،ان عصارة الجهد الرسومي كمنت في جودة التحويل الانفعالي الى واقعية بروح تعبيرية قيمية.
وفي خضم المنظومة العملياتية التي خاض فيها الحجري كان له ميدان اخر اذ وجد في الحرف العربي فضاء اخر يبث فيه رؤاه متخذا من النثر الحروفي والتنوع اللوني نسقا جديدا في التكوي وهذه التجربة تستمد جماليتها ووظائفيتها من التنوع المنظومي للحرف العربي الذي يتسم بالتجريد والبوح والسلاسة والتاصيل ،ووجد الحجري ان لامناص من تنويع التكوين رقميا واخراجه بمظهر يجمع التقانة الى جانب التكوين ،مع بقاء الواصل المرجعي التاريخي مع الحداثة ومستجلباتها النوعية والمحافظة على النسق البيئي الجمعي .
وفي مناطق التجريد تجول يكون للحجري مسار اخر استجلبه لتطوير التنوع في منظومة اعماله ،على الاخص وان هذا النوع شكل نمطا اشتغاليا مهما عند اغلب الفنانين قدم الحجري من خلاله رؤية تؤشر ملامح ارتباطية مع البيئة وعدم الانفلات منها ،وهي تجربة تقوم على منعكسات تجارب سابقة مهدت السبيل امام تجارب فنية وانسانية كثيرة .
ان حداثة التجربة والتنوع الاسلوبي يمثلان وجها لقيمة فنية واحدة من سماتها التعبير المعمق والارتباط مع المفردة البيئية بنت تاريخها ووطنها وتربتها ،التي انبنت مساراتها عبر تاريخ طويل ،فضلا عن الفضول المهني في البحث والتقصي المستمر عن كل ما يمكن ان يطورها ،وما التقينيات الرقمية الحديثة الا ادوات اعانت الفنان في الاخراج والتجسيد النهائي،ولاشك انها تسجل في النهاية عنوانا جديدا لافق جديد ، وفي هذا النسق يقدم الحجري في مجموعة اعماله رؤى وافكارا تقنية ذات بعد مخيالي سيكتب له النجاح في قادم الزمن.

أ.د.نصيف جاسم محمد
أستاذ التصميم الجرافيكي في جامعة بغداد

إلى الأعلى