الإثنين 11 ديسمبر 2017 م - ٢٢ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / سلوكاتي الفنية بحث في ذاكرة الشيء وجوهره

سلوكاتي الفنية بحث في ذاكرة الشيء وجوهره

خلال سلوكاتي الفنية اليومية أنا بصدد البحث في ذاكرة الشيء لأنني أؤمن ولدي قناعة راسخة أن الشيء لم يخلق ليعيش حياة واحدة، الشيء له حياة ومهمة وبالتالي ذاكرة، ويموت كالبشر وفي موته تكمن علّتي فموته بداية حياة ووجود بالنسبة لي أخذه من حيّزه المكاني
والزماني ليكون له معي حياة جديدة و مهمة أخرى وذاكرة أخرى، تخرج المعادن والأوراق والخامات النباتية المتلفة والمنتهية صلوحيتها معي إلى فضاء جديد…
فبعد أن تسحق علب المواد المختلفة المعدنية تحت عجلات السيارات وتفقد أبعادها الثلاثية وحضورها الشكلي واللوني السابق لتصبح صدئة متهرئة اجمعها كمن يجمع كنزا منبهرة بكل تلك التأثرات التي أحدثها الزمن والطقس والإنسان عليها ، كما استهوتني قشور الرمان التي كانت أمي تجمعها دائما بعد الانتهاء من فرز حبات الرمان منها و تشميسها وحفظها لما لها من فوائد كثيرة صحية على حد رأيها، ولأن شجرة الرمان لطالما كانت موجودة بحديقة المنزل ولي معها ذكريات كثيرة، كما اجمع كل بواقي الخامات البيئية التي من حولي من حديقة منزلي و الشوارع المحيطة و مؤخرا صرت أتنقل إلى مصب قمامة كبير يلقي فيه المواطنون بقايا الأشياء القديمة والمنتهية صلوحيتها لديهم لاقتات منها منابع اشتغالي، حيث أعتمد أيضا على صمغ الحيوانات الذي يجهزه لي أبي خصيصا لتصبح خاماتي مختلفة المنابع والتأثيرات
والمراجع.
المحيط من حولي منتج وأنا وفية لعادة الالتقاط، التقاط الخامات ومنها الأفكار، ليصبح الخطاب البصري الذي أقدمه للمشاهد مستفزا
ومحرجا ويدعو إلى الكثير من التساؤل، فان يرى المتلقي في لوحة فنية ما رماه يوما في القمامة أو ما ضّنه يوما منتهيا هذا من شأنه أن يحرك في فكره قناعات لطالما كانت راسخة على كونها حقائق ثابتة.
قناعات حول سلبية العدم، بان العدم فناء وانتهاء، هذه السلوكات التي أمارسها ستزعزع هذه القناعات
وتجعلها محلّ تساؤل وتدارك لذلك أنا أخاطب من خلال ما افعل ما هو مسلم وتحصيل حاصل لأربك وجوده فانجاز الأثر أوصناعته
وأدواته يرتبطان بإشكال كبير وهو التلقي لان كل اثر فني هو موجه إلى جمهور فهو يتحدد بمتلقيه ،إن المتلقي عنصر أساسي في مسار إنتاج العملية الفنية لذلك أردت أن أخاطبه بأدواته بأشيائه المعتادة في غير محلها وموقعها.
بما أن العنصر الذي يحدد الأثر الفني في المقاربة التجريدية ليس هو الأثر-الموضوعي ،بل الأثر-الذات
وهذه المقاربة ترجع الأثر الفني إلى الفنان (إلى صانعه) فالأثر الفني يصدر عن ذاتية الفنان عن الموهبة والإبداع الكامنة في الذات المبدعة فهو إذ يعكس حالة ذاتية والفن اثر لأنه تشكيل ذاتي أي صوري للمادة فهو يعكس اثر الذات الفاعلة على المادة وتطويعها لتصبح قيمة فكرية.
فيحقق بالتالي الأثر الفني وظيفة ذاتية أو ميتافيزيقية عندما يكون مناسبة لتمكن الفكر أو الروح من النفاذ إلى الخامة وتحديدا عندما يفسح المجال للروح لان تتجلى في المحسوس فالفن يساهم في إعلاء الأشياء أو سموّها عندما يضمنها مضمونا روحيا وعندما يتضايف فيه الشكل مع المحتوى فهو ليس مجرد معرفة لأنه لا يستبعد الجزئي أي المحسوس بل ينخرط في صيرورته ويعليه فهو إما يدرج روحا في المحسوس وإما مادة في الفكر و في كلتا الحالتين فالفن إعلاء .
فالأثر الفني يثير متعة في الروح عندما يتسامى بالمحسوس، عندما يدرك معنى الشيء ووجوده الأخر وجوده الأعمق، حيث لا يثيرنا في الأثر الفني التجريدي هو ذلك الشيء المادي بل هو ما يحمله ذلك الشيء أو ما يجسده والمثول أمام الأثر يعبر عن حالة حرة عن تداعي حر ،عن حالة تهز الفكر و النظر أكثر مما تهز الحواس أو الحساسية.
الفن يشكل مناسبة ترفعنا من الأكثر مادية إلى الأكثر روحية تعود النفس بمقتضاه وتكون به عند ذاتها ،جمالية الأثر الفني تتولد تحديدا عن تلك الإثارة التي تحصل في النفس ساعة الانتقال من المحسوس إلى ما بعده. و الإثارة الجمالية لا تحصل في الغالب بمشاهدة الأثر الفني بل بالتأمل فهي لا تتأتى من العنصر الواقعي الذي قد يحضر في الفن بل من المظهر ومن الصورة التي تنتشر في اللوحة بطريقة معلنة أحيانا و خفية أحيانا أخرى، مثلا يمكن أن نشهد شكل من غياب الأبعاد التي تحيل إلى المادة ويظهر لدى الرسام ميل إلى العودة إلى الذات إلى الداخل إلى ما يسمى الحيادية الداخلية (كاندنسكي) .
إن فضاء اللوحة الفنية هو فضاء روحي خاضع لأشكال وتأليفات تمتع و تثير، والصورة والشكل المجرد هو ما يثير المتعة هو الذي يحركها و يهزها وعندما كان كانط يميز بين الجليل و الجميل من حيث إن الأول يوجد في الأشياء وأن الثاني قيمة لا توجد إلا في الفكر أو العقل فهو لم يكن يقصد إحداث تضاد بينهما فهو كان يثري شكل المتعة سواء كان مباشر أو غير مباشر ،تامة أو ناقصة ،سلبية (الجليل) أو ايجابية (جمالية) ،إن شكل المتعة لا يحصل في مستوى الحساسية في مستوى الشكل أو المجرد ،المشهد الفني التجريدي يحيل دائما إلى الذات و إلى الداخل إلى إنسانيتنا أولا وليس إلى الطبيعة.
و دائما ما أميل إلى الاختزال
والتقشف أثناء ممارسة سلوكاتي الفنية، تقشف مادي ولوني وشكلي انزع دائما إلى التعبير من خلال الفراغ كما الشكل، اعتمد على أسلوب التقليل لشحن التعبير
والوصول إلى جوهر الشيء المستخدم والذي لا يمرّ بالضرورة من خلال كثرته.
أؤمن كثيرا بماهو روحي في الشيء و لطالما اعتبرت أن خاماتي قدرها أن تنتظر لقائي ليتغير قدرها و تتعالى و تسمو عن وجودها المادي الوظيفي المعتاد ولطالما قادني حدسي الى حيث يجب أن أكون.

دلال صماري
باحثة وتشكيلية تونسية

إلى الأعلى