الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / الروائية الفلسطينية سحر خليفة لـ ” أشرعة “: ” أنا كاتبة مقاومة على المستوى التحرري بأنواعه المختلفة”
الروائية الفلسطينية سحر خليفة لـ ” أشرعة “: ” أنا كاتبة مقاومة على المستوى التحرري بأنواعه المختلفة”

الروائية الفلسطينية سحر خليفة لـ ” أشرعة “: ” أنا كاتبة مقاومة على المستوى التحرري بأنواعه المختلفة”

سحر خليفة واحدة من أهم الروائيين الفلسطينيين. ولدت في نابلس عام 1941. تزوجت في سن مبكرة زواجا تقليديا؛ وبعد مرور ثلاثة عشر عاما من الإحباط وخيبة الأمل، قررت أن تتحرر من هذا الزواج وتكرس حياتها للكتابة .وقد عادت لتواصل دراستها الجامعية، وحصلت على شهادة الدكتوراة من جامعة ايوا في دراسات المرأة والأدب الأميركي.
نالت العديد من الجوائز العربية والعالمية أهمها: جائزة “ألبرتو موارافيا” للأدب المترجم للايطالية. جائزة “سرفانتس” للأدب المترجم للاسبانية. جائزة “نجيب محفوظ” عن روايتها “صورة وأيقونة وعهد قديم”. جائزة “سيمون دي بوفوار” التي رفضتها لأن لجنة التحكيم اشترطت إشراك الكاتبة الإسرائيلية “تسفيا جرينفيلد” بالجائزة، وجائزة محمد زفزاف للرواية العربية. ترجمت رواياتها إلى أكثر من خمس عشرة لغة عالمية.صدر لها 11 رواية “لم نعد جواري لكم” ، “الصبار” ، و”عباد الشمس” ، و”مذكرات امرأة غير واقعية” ، و”باب الساحة” ، و”الميراث” ، و”صورة وأيقونة وعهد قديم”، و”ربيع حار” ، و”أ صلٌ وفصل” ، و”حبي الأول” ، و”أرض وسماء” ..

* هل يمكن إعطاؤنا لمحة عن البدايات .. من الذي أخذك إلى كتابة الرواية تحديدا، ومن أغراك بها.. ؟!

** لم يأخذني أحد، أخذتني الكتب وهواياتي. كنت أقرأ منذ الطفولة، قارئة نهمة الى أبعد حد. بدءا من مجلة سندباد الطفولية، الى روايات الأحداث والمراهقين المختصرة، وحتى ترجمات الروايات العالمية ومسرحيات شكسبير في كتب الجيب، إلى الأدب الوجودي الذي أغرق أسواقنا العربية في الخمسينيات والستينيات. ورغم ذلك لم أبدأ ككاتبة، بل كرسامة هاوية، واشتركت في عدة معارض أشرف عليها وشارك فيها أستاذنا وفناننا الكبير الراحل إسماعيل شموط الذي شجعني كثيرا وتنبأ لي بمستقبل باهر في عالم الرسم والألوان، لكن للأسف لم أكمل، إذ تزوجت وأنا في الثامنة عشرة زواجا قصقص أجنحتي. وللهروب من واقع أليم مدمر لجأت للكتب، هوايتي الثانية، وعدت للقراءة بشكل جنوني، كغريق يستنجد بقشة، وصرت أنام والكتاب في يدي، وآكل وأشرب وأدخل الحمام والكتاب لا يسقط من يدي. وهكذا تشكلت لدي حصيلة ضخمة من المعلومات، وقصص وأجواء الشخصيات، وبت أعيش على هامشهم. وكذلك أحلم بواقعهم وواقع الكتّاب الذين خلقوهم. ومع الوقت، وتحديدا بعد احتلال 1967، وجدت نفسي مدفوعة للتعبير عما شاهدت وعانيت وراكمت، فكتبت وكتبت، ومنذ ذاك الحين لم أتوقف إلا للدراسة وتطوير أدواتي المعرفية والفنية. هكذا كانت بدايتي وهذا ما صرت.

* ارتبط مشروعك الروائي كليا بالقضية الفلسطينية .. ببعدها الإنساني والاجتماعي أو السياسي والتاريخي.. والسؤال ما الذي يمكن إضافته بعد إلى هذا المشروع .. وخاصة بعد قولك “لا تقولوا لي لم أقل شيئاً جديداً، أسلوب ترتيب العناصر هو الجديد” ..؟

** لا أعرف ما الذي يمكن إضافته بعد. الهزيمة ببعدها السياسي الاجتماعي والشخصي سيطر علي، وما زال يسيطر. أنا بطبيعتي مقاتلة، وعنيدة، ومجتهدة إلى أبعد حد، ولا أرضى بالفشل ولا تثنيني تحذيرات وتهديدات الأهل ولا الضغوط الخارجية. كما أن رفضي للظلم بأشكاله جعلني سجينة واقعي السياسي البائس كفلسطينية مهزومة، وكامرأة عربية محاطة ومكبلة بقيود لا حصر لها بدءا من قانون الأحوال الشخصية حتى التربية والتعليم والجامعة والجامع وتركيب العائلة والمجتمع. وكما تعرف، لا نكتب إلا ما نعرف، وما نحس، وما نحلم. وما أعرفه وأحسه وأحلم به حتى الآن لم يتحقق، فأنا إذن في دوامة، وفي صراع، وفي قتال مستمر مع إحباطي. وهذا ينعكس على كتاباتي وشخصياتي وآرائي. أما الخروج من هذا السجن أو المعترك، فهو بعيد كل البعد عن أقصى أمنياتي. حتى حين كنت أدرس وأعمل في أميركا، ورغم كل المغريات، لم أنس ولا لحظة كوابيسي. وكوابيسي تتلخص وتتمحور وتدور وتلف حول الاحتلال والهزيمة، وحول قيودي الخاصة والعامة. أنا نتاج هذا الواقع، والهروب منه صعب جدا، بل مستحيل. لهذا كانت كتاباتي انعكاس لهذا الواقع، أو بالأدق محاولة استكشاف عواهنه وتفاصيله. ما زلت أعمل على فهمه ، وعلى تفكيكه من أجل الخلاص والتجاوز. ما زلت أحاول حتى الآن.

* صادرت السلطات الإسرائيلية روايتك الأولى “بعد الهزيمة” عند الجسر الفاصل بين ضفتي نهر الأردن. والكثير منا لا يعرف شيئا عن هذه الرواية.. هل يمكن الحديث عنها وأسباب مصادرتها..؟

** في تلك الرواية عكست ما شاهدته وعشته خلال أيام الاحتلال الأولى. وقصتها تدور حول بناية مكونة من عدة طوابق ، وفي كل طابق عائلة مختلفة بمستوياتها الثقافية والاقتصادية والأخلاقية ووعيها الوطني. وكل عائلة تواجه الاحتلال بمنظور وتصرفات مختلفة. بعضها مقاوم، وبعضها مستسلم، وبعضها يفلسف الأمور ويحللها لدرجة العقم. وهذا لا يعني أن كل عائلة تتصرف بشكل جماعي موحد. فالاختلافات داخل العائلة الواحدة تؤزمها وتثير إشكالات لا أول لها ولا آخر. وكذلك تقرب أفراد العائلة الواحدة من أفراد العائلة الأخرى أو تبعدهم حسب آرائهم وتصرفاتهم في الحياة اليومية وظروف الاحتلال. المهم، في هذه الرواية رصد دقيق لما شاهدنا وعشناه وعانيناه في تلك الأيام. وكان من الممكن أن تكون وثيقة ومرجعا تاريخيا لو لم تصادر، لكنها صودرت أثناء عبوري الجسر من عمان إلى الضفة. كتبتها وأنا ما زلت متزوجة من رجل يعمل في ليبيا. وبطبيعة الحال كنت غشيمة في أمور النشر والمطابع. كنت أحلم أن أنشرها في دار الأسوار في عكا، كما كان يفعل سميح القاسم ومحمود درويش وتوفيق زياد في تلك الأيام. نسخت الرواية في دفاتر بنتي الطفلتين على أمل ألا يلاحظها الجنود، لكنهم لاحظوها فحققوا معي واستبقوني والبنتين حتى آخر النهار. وحين خلا الجسر إلا منا أخذوا عنواني على أن يراجعوني بعد قراءتها بالتفصيل. وحين انتهوا من قراءتها بعد أيام وجاءوا بمنتصف الليل ليأخذوني كنت قد غادرت الضفة الى ليبيا. وبعدها نسوني، أعتقد أنهم نسوني أو أهملوني بعد أحداث أيلول الأسود الدامية وما تمخض عن تلك الأحداث من مفاجآت. حزنت وقتها على الرواية، لكني الآن غير حزينة فقد كتبت ما عوضها، وربما أقوى وأنضج.

* كانت “الصبار” من أوائل الروايات التي سلطت الضوء على ظاهرة العمال الذين التحقوا بالصناعة الإسرائيلية وارتضوا أن يكونوا جزءا من آلتها. ورغم شهرة الرواية وما حققته من نجاح، إلا أن بعض النقاد هاجمها بشدة واعتبرها رواية سيئة ولا ترقى إلى مستوى الأدب ..؟

** بل كانت الرواية الأولى التي تجرأت وكتبت بشفافية وصدق مطلق عن هذه الظاهرة الحساسة. ما حفزني لكتابتها كان ما قرأته للكاتب والصحفي المصري الشهير في ذاك الوقت أحمد بهاء الدين. كنت في مصر وقرأت مقالته فاستثرت. قال ما معناه أن الفلسطينيين يرتكبون الخيانة والعمالة بعملهم في الصناعة الإسرائيلية. عمالة وخيانة، هذا ما قال، فصدمت وجرحت وصممت على رصد الظاهرة بأبعادها المباشرة وغير المباشرة. كنت أعرف أن الخوض في ذاك الموضوع له مخاطر على المستويين الفلسطيني والإسرائيلي، لكني جازفت. على المستوى الوطني الفلسطيني كانت كل التنظيمات الفلسطينية، بما فيها اليسارية، تعاقب العمال وتضربهم بالعصي والكرابيج حين تضبطهم وهم في طريقهم الى العمل في إسرائيل. توقف باصاتهم الذاهبة غربا نحو المصانع الإسرائيلية، توقفهم في منتصف الطريق أو في أولها، وتضربهم ضربا جسديا حقيقيا، ثم تفجر باصاتهم وتعيدهم مشيا الى مدنهم ومخيماتهم وقراهم. هذا معروف، وليس سرا، هذا ما كان يحدث في الواقع. لكن مقالة أحمد بهاء الدين، وورقة قرأها أمامي زميل لي وأنا ما زلت أدرس في جامعة بيرزيت، وكان أبوه يعمل في “إسرائيل”، جعلتاني أفتح عيني لما في أقوال بهاء الدين وردود فعل تنظيماتنا من عدم فهم وخلل في التحليل والتفسير. جازفت، ونزلت مع العمال في باصاتهم الصباحية، واشتغلت معهم، وذقت مرارتهم وكتبت، فكان رد الفعل مدوٍ على المستويين السياسي والأدبي. ونجحت الرواية نجاحا لم أكن أتوقعه أو أحلم به. أما إذا كان بعض النقاد يصنفها كأدب سييء فهذا شأنهم ووجهة نظر لا أرفضها. تعلمت ألا أرفض وجهات النظر المختلفة مهما كانت قاسية أو مجحفة. ففي نهاية الأمر الأدب تذوق، ومدارس، وموضات. أنا لا أمزح، حتى الأدب له موضات. وهذا واقع. فما كان موضة في ذاك العصر ويعجب الناس والنقاد ويفتنهم لا يعجب أقرانهم ولا يفتنهم في عصر آخر. حتى الأساليب والتقنيات ووجهات النظر تتغير بمرور الوقت. مثال على ذلك رواية “مدام بوفاري”. من وجهة نظر الناقدات النسويات في هذا الوقت تعتبر هذه الرواية ذات منظور متخلف وغير إنساني. وكذلك رواية كيت شوبان “اليقظة أو الوعي” في زمنها اعتبرت شائنة وفضيحة، لكنها بالمنظور الحالي قطعة فنية وإنسانية لا يستهان بها. مختصر مفيد، أن “الصبار” نجحت وباعت بمئات ألوف النسخ وبلغات عديدة بما فيها الماليزية والكورية. كما أن بعض النقاد يعتبرونها ذات نهج جديد في الكتابة الأدبية. وهذا النهج ما زلت أواظب عليه وأحاول تطويره وتجويده، وهو دمج البحث العلمي الميداني بالعمل الإبداعي، أي دمج الواقع الفعلي المبحوث والموثق بالمتخيل، ودمج الماضي بالحاضر، ودمج التاريخ بالمستقبل. قد يعجب هذا النهج البعض وقد لا يعجب آخرين، لكنه موجود، ومقروء، وناجح لأنه يدمج التثقيف بالمتعة وتنويع التذوق. ربما لهذا نجحت “الصبار” وباعت كثيرا، وما زالت تبيع، وتُدرس وتناقش وتحلل. مثلها مثل “عناقيد الغضب” لجون شتاينبك. هل قرأتها؟ ربما كنتُ متأثرة بها، لا أعرف، لكنها، من وجهة نظري، تشبهها الى حد كبير. فهل “عناقيد الغضب” رواية سيئة؟ من لديه الحكم النهائي ليقرر؟ لا أحد، فكل ناقد يقرر على ذوقه، لأن لكل ناقد خلفيته الفكرية والثقافية والنفسية، ولكل طريقته في التحليل والتذوق.

* تناولت العلاقة مع ( الآخر ) اليهودي في أكثر من رواية. كيف ترين الان هذه العلاقة.. وهل اختلفت بعد اوسلو عما قبله، سواء على صعيد تقبل العربي للأخر او العكس.. ؟

** في البداية، بداية الاحتلال، وحين كان اليسار الإسرائيلي متواجدا، وكنا نرى بعضهم في شوارعنا وجامعاتنا يشاركون في تظاهراتنا واعتصاماتنا ضد الاحتلال، كان موقفي منهم مختلف، وانعكس ذاك الموقف في أدبي. أما الآن، ومع اضمحلال اليسار الإسرائيلي وتنامي اليمين، وسيطرة المستوطنين والداعين للتوغل في الاستيطان، وتنامي العنصرية والفاشية، بالذات بعد أوسلو، تغير موقفي وعبرت عنه. إن كنت تتابع كتاباتي تلاحظ ذلك، فهل لاحظته؟

* في هذا الإطار كيف تنظرين إلى الروايات الصهيونية الجديدة التي تحاول إظهار الرغبة في التعايش مع العرب، وأين يمكن تصنيفها ..؟

** لست خبيرة في هذا الميدان لأني لا أتابع رواياتهم، لكني أتابع مجرى الأحداث في مجتمعهم والتغير والتطور في مواقفهم، وكذلك أتابع كتابات مؤرخيهم الجدد أمثال إيلان بابيه وبني موريس وغيرهما. أما بالنسبة للرواية الإسرائيلية، فلا أعتقد أن هناك روايات جادة وذات تأثير تدور حول رغبة المجتمع الإسرائيلي في التعايش مع العرب. الأدب يعكس الواقع، وواقعهم مزعج جدا، ويدعو للنقمة والاشمئزاز. فاشية وعنصرية واستعمار واستيطان وفتك بالحياة الفلسطينية بكل مستوياتها، وانعدام الضمير والأخلاق، وفي روايتهم المستهلكة في دول الغرب تزييف للتاريخ والأحداث والوقائع. روايتهم للواقع تسد النفس ولا تشجعني على متابعة أدبهم. هناك آداب أرقى وأغنى أتعلم منها وأستمتع، فلماذا أضيع الوقت في قراءة رواياتهم؟

* كان لافتا اعتمادك في ثلاثية ( أصل وفصل .. وحبي الأول .. وأرض وسماء) على أسلوب التوثيق والتركيز على بعض المواقف التاريخية بشكل مكثف، فضلا عن تنقلك كثيرا بين الماضي والحاضر.. وهو أمر غير ملحوظ في الرواية الكلاسيكية بشكل عام ..؟

** وأنا أتابع مجريات الأحداث في بلدي ورصد الواقع، لاحظت كم لدينا من نقص أو نقل غير دقيق للمعلومات. نحن شعب غير مثقف، قليل القراءة، ضعيف بمستواه التعليمي لأن مدارسنا تعتمد على التلقين، وبالتالي ضعيف في القدرة على التحليل. لهذا كان تعلمنا من الماضي ومن سبقونا شبه مفقود لأنا اعتمدنا، وما زلنا نعتمد، على تناقل الأقوال والإشاعات والتمنيات أكثر مما نعتمد على الحقائق والوثائق. أعطيك مثالا: تناقلنا فكرة أن إضراب 1936 كان من أكبر الإنجازات الثورية التي حققها شعبنا في القرن العشرين. وكم تغنينا بذاك الإضراب حتى بات المساس به ومراجعته شبيها بالكفر. لكن الحقيقة والواقع، إذا كنا نريد الحقيقة والواقع، أن ذاك الإضراب كانت له نتائج وخيمة على البنية الاقتصادية والاجتماعية وبالتالي السياسية على المجتمع الفلسطيني. الإضراب أفقر المجتمع فوق فقره، والفقر أنتج ممارسات متخلفة وأحيانا غير شريفة، فانتشرت العصابات، وأهمل الناس أعمالهم الرسمية وباتوا يبحثون عن وسائل للعيش تعتمد الالتفاف على الإضراب وبالتالي الغش. وانقسم الناس بين موافق ومعارض، وغلاة الموافقين أنشأوا مجموعات تشبه العصابات في أساليبها التعسفية وقمعها للناس. وبالتالي انفرط الإضراب دون نتائج سياسية على الأرض سوى تجويع الناس وتخريب الاقتصاد وإفساد العلاقات الاجتماعية. كل هذا مكتوب وموثق في مذكرات المثقفين في ذاك الوقت وبالذات في مذكرات أكرم زعيتر وعزت دروزة وغيرهما ممن أوصوا بعدم تكرار تلك التجربة لما فيها من أضرار ونتائج عكسية، كما أوصوا بإيجاد سبل أكثر نجاعة وإبداعا في النضال. لكن من قرأ تلك التوصيات واستفاد منها؟ من قرأ عن مجريات الأحداث التاريخية وتعلم من محاسنها أو مساوئها؟ شعبنا لا يقرأ، وسياسيونا لا يقرأون إلا الصحف اليومية وردود فعل الناس الآنية وما تقوله دول الغرب. ومثقفونا، معظمهم، يخافون من الاقتراب من المواضيع الجدلية كإعادة تقييم ما حدث لنا في الواقع لا في الخيال. يخافون، وربما معهم الحق، إذ سيتزنر لهم المزاودون كما تزنروا لي، وقد يتهمهم البعض بالخيانة، كما فعل بعض النقاد الأشاوس معي. لكن هذا الشعب ذاق الأمرين، فهو مهزوم من الآخرين، وأيضا مهزوم من نفسه بسبب عدم تعلمه من التاريخ وأخطائه، وأيضا من عدم تقديره لإمكاناته وتجليات بطولاته. لهذا ارتأيت أن أكتب في تلك المواضيع الجدلية، وأعيد قراءة التاريخ من منظور علمي وثائقي، وأحلل أسباب هزيمتنا، أو بالأحرى هزائمنا. وقد تعرضت لانتقادات فاحشة، وأحيانا موغلة في الحمق والتضليل، فهل أنا نادمة؟ لا لست نادمة وليقولوا ما يقولون. فقد آن الأوان لنتعلم. نحاسب أنفسنا كما نحاسب غيرنا، ونحاول الخروج من مأزقنا فقد دفعنا الكثير. وعلينا أن نكون عميانا بالكامل حتى لا نرى أن هزيمتنا حضارية، وأن الحضارة لا تأتي بالمكابرة وتلفيق الأحداث والبطولات العشوائية. ما أردت فعله هو مراجعة التاريخ وتوثيقه لنتعلم منه. ولعلمي أن الرواية في بلدنا مقروءة أكثر من البحوث والدراسات، فقد ارتأيت، وهذا اجتهادي، أن بمقدوري أن أستغل إمكانياتي البحثية والإبداعية في أعمال روائية مشوقة تحتوي من المعلومات والوثائق والعبر ما يسهل توصيله والاستفادة منه، إن لم يكن بشكل سريع مباشر فربما يصل مع تنامي الوعي بمرور السنين، فمعركتنا طويلة، ونحتاج لوقت كي ننضج.

* تميلين إلى اعتماد أسلوب السرد في معظم رواياتك .. لماذا؟ علما أن أسلوب السرد غالبا ما يوقع الكاتب في الخطابية والحوار المباشر المثقل بلغة تقريرية كما في رواية “ربيع حار”..؟

** من قال إني أعتمد السرد في معظم رواياتي؟ غيرك يقولون أني أعتمد الحوار في معظم رواياتي. فمن الأصدق؟ هل قرأت الصبار؟ هل قرأت عباد الشمس؟ هل قرأت الميراث؟ هل قرأت باب الساحة، وغيرها، وغيرها؟ ما علينا. المهم هو أن ما يعتمده الكاتب في العادة هو ما يخدم البنية الروائية ويساعده في تجسيد الشخصيات وبلورة الأحداث. وهذا يعتمد بالطبع على اجتهاد الكاتب وقدراته الفنية. فإن كانت البنية تتطلب السرد أو الحوار أو اللجوء للتقنيات الحديثة كالاسترجاع وتيار الوعي وغيرها من التقنيات قد يستخدمها، أو لا يستخدمها. هذا تابع لاجتهاده. وبهذا الاجتهاد أو الأسلوب قد يقنعك ولا يقنع غيرك. في النقد الحديث لا توجد أحكام قاطعة نهائية لأن الناقد المحترف، وليس الهاوي، يعرف أن تقييماته ليست قاطعة نهائية. هل أجبت السؤال؟ آمل ذلك.

* أظن أن العديد من النقاد يتفقون معي في اعتمادك على أسلوب السرد.. وأريد أن اسأل هل تكون ” الحكاية ” بكامل شخصياتها وتفاصيلها حاضرة في ذهنك ام أنها تتشكل أثناء الكتابة..؟

** أعود وأكرر أني لا أعتمد كليا على السرد، وأني أختار في كل رواية، حسب اجتهادي، الأساليب والتقنيات التي تساعدني في تطوير الشخصيات وبلورة الأحداث. أما القسم الثاني من سؤالك حول الشخصيات وتفاصيلها وما إذا تكون حاضرة أم تتشكل أثناء الكتابة، فلب الحكاية يكون جاهزا، أقصد المضمون أو الرسالة، وكذلك الشخصيات. أما التفاصيل وتطوير الأحداث والشخصيات فذلك يتم أثناء الكتابة. بمعنى أني من البداية أرسم معالم الشخصيات، شكلها الخارجي، أبعادها النفسية، تربيتها، قدراتها البدنية وردود فعلها العاطفية، أما تفاعلاتها مع الحدث وردود فعلها فذلك يعتمد على بنيتها الأساسية. أي أن ردود فعل الشخصية على حدث ما يجب أن تتوافق مع قدراتها الطبيعية وإلا تسقط الشخصية فنيا، كما تسقط إنسانيا، ولا تستميل القارئ، بل تنفره لأنه سيشكك بمصداقيتها. يجب أن تتوازى ردود فعل الشخصيات مع قدراتها النفسية والثقافية ومصالحها، وبهذا تكسب حياة شبه حقيقية ويصدقها القارئ.

* تناولت في رواية “الميراث” فساد السلطة. وسؤالي ما هو دور المثقف برأيك.. كيف ترين طبيعة علاقته مع السلطة السياسية..؟

** مما لا شك فيه أن للمثقف دور لا يستغنى عنه، خصوصا في أوضاعنا الفلسطينية بشكل خاص، والعربية بشكل عام. كما قلت سابقا، شعبنا غير قارئ، وقدرته على التحليل محدودة، لهذا تكون اندفاعاته العاطفية أكبر بكثير من قدرته على المراجعة والمحاسبة بشكل عقلاني. نحن نعاني من أنظمة عربية تسلطية غير منتخبة من قبل شعبها، بل فرضت نفسها فرضا على واقعنا، أو أن الظروف ساعدتها في فرض نفسها كما حدث مع السلطة الفلسطينية. السلطة الفلسطينية بدأت كثورة، واستمدت شرعيتها من قدرتها، في وقت من الأوقات، على استقطاب شعبها فأعطاها كل شيء، ألأولاد، والأموال وزمام الأمور، أي قيادتنا بشكل كامل. الثورة كانت منا ولنا، شبابها منا، ومؤسساتها لخدمتنا. لكن حين اختلت الموازين وترهلت الثورة وتشتت فصائلها وشاءت لها ألأقدار أن تستلم السلطة التقليدية كأي نظام حكم، وعجزت عن تحقيق أي من وعودها، وتمخض الجمل عن فأرة، فقدت شرعيتها لأنها تخلت عن مشروعها. مشروعها كان التحرير، تحرير الأرض والإنسان. لكنها أثبتت فشلها في الإثنين. فقادتها هرموا وترهلوا وفسدوا، وباتوا لا يختلفون عن أي نظام حكم عربي تقليدي فاسد. فقدوا تواصلهم مع الناس، بل باتوا عبئا على الناس. وإن كنت تسألني أي الحالين كان أفضل، قبل أوسلو أو بعد أوسلو، أي قبل السلطة أم بعد السلطة، أقول لك إن الوضع قبل السلطة كان أفضل. بعد أوسلو تفاقم الاستيطان وقضم الأرض وسحب المياه ولم تتوقف أعمال الفتك بنا من قبل جيش الاحتلال أو المستوطنين، هذا بالإضافة إلى أن السلطة أعفت إسرائيل من التزاماتها المالية تجاه الاحتلال، وبالتالي صرنا رهينة المساعدات الغربية. فإن لبت السلطة مطالب الغرب ورضخت لمخططاته استمر الدعم، وإن لم ترضخ توقف الدعم، أي ابتزاز لسلطة تقوم عنا بدور المفاوض والمحاور وهي تعرف، ونحن نعرف، أنها مبتزة ومشلولة. أما ما دور المثقف من كل ذاك، فهو كشف الحقائق وتحليلها والمجاهرة بها والقيام بدور الضمير المحاسب. هذا برأيي هو دوره، على الأقل في هذا الوقت. وربما في أي وقت. نحن الضمير المحاسب، هذا ما يجب أن يكون. هذا رأيي، وهذا ما أكون وما سأكون.

*انقسم النقاد حول رواية “مذكرات امرأة غير واقعية”، فمنهم من تجاهلها واعتبرها رواية عادية جدا.. في حين اعتبرها البعض علامة بارزة ليس في إبداع سحر خليفة فقط، وإنّما في الإبداع الروائي العربي حتى منتصف سنوات الثمانينات من القرن العشرين.. ما رأيك أنت.. وهل ترين بالتالي ان النقد قد أنصف تجربتك الإبداعية..؟

** وهذا المثال أيضا خاضع للتساؤل، فلا حكم قاطع لأي ناقد مهما علا شأنه أو تجاوز الآخرين بقدراته. وهي مسألة جدلية منذ الأزل لأن النقد مرهون بعملية التذوق، والتذوق مرهون بالخلفية الفكرية والسياسية والجمالية. ما يعجب الناقد الفلاني لا يعجب الناقد الآخر أو الناقدة الأخرى. وكما أسلفت سابقا، حتى أشهر الروايات لأعظم الروائيين تخضع الآن، في هذا العصر، لإعادة تقييم مثل مدام بوفاري لفلوبير وأنا كارنينا لتولستوي. الناقدات النسويات المعاصرات يعتبرن أن هاتين الروايتين متخلفتين بمنظورهما الإنساني لأنهما أبدتا انحيازا تقليديا تجاه البطلتين وعاقبتاهما بالموت إما بالدهس أو التسمم. بينما أخرجت هؤلاء الناقدات من تحت الركام وغبار النسيان رواية صغيرة ذات مستوى جمالي رفيع كان المجتمع قد حكم عليها بالإعدام لأنها تتمرد على قيمه الأخلاقية وهي رواية “اليقظة أو الوعي” للكاتبة الأميركية المضطهدة كيت شوبان. وإذا أخذنا روايتي كمثال آخر مشابه لأي من تلك الروايات التي ذكرت، فلا بد أن نتساءل عن خلفية الناقد الذي حكم عليها، أو الناقدة. وأنا أرى ان الناقدات كن أكثر انحيازا لهذه الرواية، وأيضا بعض النقاد الرجال ممن لا يتسمون بالشوفينية الذكورية كالناقد الفلسطيني الدكتور نبيه القاسم. فمن الأصدق؟ من امتدحوها وأحبوها أم من همشوها واستخفوا بها؟ لاحكم قاطع في نقد الرواية حتى الآن، وهذا ينطبق على معظم أعمالي.

* إلى أي مدى تعكس رواياتك السيرة الذاتية للكاتبة والإنسانة سحر خليفة .. وكيف يمكن للكاتب أن يكون حياديا في تسيير شخصيات روايته في هذه الحالة؟

** لا يوجد كاتب على وجه الأرض لا يتأثر بتجاربه الشخصية. خلفيته الاجتماعية وتربيته وثقافته وتجاربه الحياتية لا بد وأن تنعكس على أدبه. أما إلى أي مدى تأثرت أنا ككاتبة بتجاربي الحياتية الشخصية فهذا أمر لا شك فيه، وإلا فما سر استغراقي في ادب المقاومة سواء على المستوى السياسي أو النسوي؟ لا شك أني متأثرة جدا، وأستعير كثيرا من تجاربي ومشاهداتي وتفاعلاتي. أما كيف يمكن أن يكون الكاتب حياديا فهذا مستحيل. كل المسألة هي فيما إذا كان الكاتب متمرسا في صناعة الكذب الإبداعي وعملية الخلق أو التخلق. فإن أقنعك وجعلك تحس أن الشخصية أو الموقف أو المشهد واقعي وطبيعي ومقنع تبطل عملية التساؤل ما إذا كان الكاتب محايدا أو عكس ذلك. المهم هو القدرة على الإقناع ليس إلا.

* تعتبرين رائدة الرواية النسائية .. ولكن البعض يرى ان المغالاة في الهجوم على الرجل في رواياتك يجعلها اقرب إلى الحركة النسوية ( فيمنتست) منها إلى الأدب النسوي .. ما قولك؟

** وما هي الحركة النسوية (فمنست)؟ وبماذا يمكن تعريفها؟ إذا نظرت في القاموس تجد التالي: “هي الحركة التي قامت للدفاع عن المرأة وحقوقها المغبونة بشكل سياسي منظم أو غير منظم. وللعلم، فإن من بدأووها كان بعضهم رجال، ولنذكر جون ستيوارت ميلز في الغرب، وإبسن، وبرنارد شو وغيرهم، وفي الشرق كان قاسم أمين والطاهر الحداد وحتى محمد عبدة والأفغاني وغيرهم. أما المغالاة، كما يحلو للبعض أن يصف أدبي، فأظن أنهم ما عادوا يعتبرونني كذلك. في البداية، أي في أول ثمانينات القرن الماضي، وكنت من أوائل من اتهمن بتفجير هذا الموضوع بشكل إبداعي، تلقيت الكثير من الاتهامات والنعوت والتجريم. أما الآن، وقد انتشرت بوادر الحركة النسوية في كافة الأقطار العربية، ونشأ جيل يبزني بالعنفوان لدرجة أني أصبحت أبدو رخوة أو مهادنة إلى حد كبير، فما عاد أحد يذكر تهمي السابقة التقليدية. هذا مع العلم أني لم أتخل عن مقولاتي وصراعاتي. أنا كاتبة مقاومة على المستوى التحرري بأنواعه المختلفة، فما وجه الغرابة في ذلك؟ وما هي مبررات التهمة؟!

* تعتمدين في رواياتك كثيراً على الحوارات الداخلية للشخصيات وسبر نوازع النفس البشرية بشفافية وعمق.. وقد لفتني بصراحة هذا الربط المتماسك بين الخاص والعام وبين السياسي والاجتماعي في معظم أعمالك.. ؟

** هذا جيد. حمدا لله أني نجحت في لفت نظرك ونظر البعض إلى ذلك.

* كان ملاحظا اختيارك الشيخ عز الدين القسام ( سوري ) في “أصل وفصل” .. وعبد القادر الحسيني ( فلسطيني ) في ” حبي الأول ” .. وانطون سعادة ( لبناني ) في ارض وسماء.. لماذا.. وكيف جاءت هذه الخيارات؟

** هؤلاء كانوا أبطالا لحركات كان لها أثرها في ذاك الوقت، وامتد تأثيرها حتى وقتنا هذا. لكن من منا يعرف تفاصيل تلك الشخصيات ولماذا هزمت رغم نقائها وروعة وسخاء مشروعها التحرري الملهم؟ من منا يعرف ما كان ينقص أولئك الأبطال حتى ينتصروا، أو على الأقل أن يستشهدوا بطريقة لا تحرق القلوب وتفجعنا، وبالتالي تهزمنا. هزائمهم هزمتنا وتهزمنا. الا تريدون أن تعرفوا لماذا هزموا وهزمونا؟ الا تريدون أن تعرفوا ما كان وجه النقص ونقاط الضعف؟ ألا تريدون أن تتعلموا من شخصياتهم العظيمة الوضاءة، وأيضا من أخطائهم ونواقصهم؟ أم أن البطل في نظرنا مخلوق خارق وشبه إله حرام الاقتراب منه أو المساس بهيبته وجبروته؟ أتدري؟ كان الإغريق أشطر منا، حتى آلهتهم لم يوفروها. حتى آلهتهم كانت لها أخطاء ونواقص ومثالب. ومن صنع تلك الآلهة وفنّد أخطاءها؟ أليس الإنسان بمخيلته؟ أليس الإغريق؟ أما نحن، فإنساننا حين نضعه فوق منصة نبدأ بعبادته وتأليهه، وبالتالي نسبغ عليه قدرات تقترب بجلالها وتجلياتها قدرات شبه إلهية، وبالتالي غير قابلة للمراجعة أو المساس. فإذا كان أبطالنا ذوي قدرات خارقة لا تقهر فلماذا قهروا؟ لماذا اندحروا؟ لماذا قتلوا وهم في أول المشوار ويتّمونا؟ وهذا ينطبق أيضا على عبد الناصر الذي ألهناه في يوم ما، وكذلك عمر المختار، وكذلك عرابي ومصطفى كامل وغيره وغيره. هؤلاء كانوا أبطالا عظاما، لا شك في ذلك على الإطلاق، لكنهم كانوا إنسان، ولكل واحد منهم نواقصه وحدود إمكانياته، ولكل واحد تجربته التي يجب أن تدرس بكاملها، بحلوها ومرها، بعجرها وبجرها، حتى نتلافى ما وقعوا فيه ونتعلم. أما أن نظل نبجلهم بشكل أعمى، ونغض النظر عن الأخطاء أو النواقص التي وقعوا فيها ونكابر، فهذا لعمري سخف وحمق. لهذا تمر التجارب بنا ولا تصيبنا بالعمق فنتعلم. هذا ما قصدت بتقديم هؤلاء العظام للقارئ. قصدت أن أقول هؤلاء هم أبطالنا وأحبتنا وتيجان رؤوسنا، لكن تجاربهم كانت ناقصة، فما وجه النقص؟ أهو منهم أم منا أم في الأوضاع المحلية والدولية أم كلها معا؟ وكيف نبني على تجاربهم ونتجاوز؟ هذا ما قصدت. فإن أعجبكم استفيدوا مما كتبت لأني كرست سنوات من عمري وأنا أبحث عن هؤلاء وأدرسهم وأحللهم وأجسّدهم، وفي أغلب الأحيان أعشقهم. وإن لم يعجبكم اجتهادي فهذا شأنكم، أما أنا فأكرر القول: اللهم اشهد إني حاولت.

* ما هو ردك على رأى البعض بأنه يوجد إساءة إلى النضال الفلسطيني في رواية “أصل وفصل” تحديداً عند حديثك عن ثورة القسام واعتبار أنصاره مجموعة من اللصوص السابقين..؟

** هذا كلام هراء صدر عن أشباه نقاد وأشباه مثقفين. أمن المعقول أن أقول عن مناضلين لصوص؟ تعاملت مع القسام وتجربته بالطريقة التي وصفتها في جوابي السابق. قلت عنه إنه بطل وشريف وكان له هدف تحرري نبيل. أما التطبيق فكان فيه نقص. وما وجه النقص؟ ألم نكن نعرف أنه هزم من أول المشوار؟ ألم نكن نعرف أنهم قضوا عليه وعلى رفاقه قبل أن يطلقوا أية طلقة في اتجاه هدفهم المحدد؟ كنا نعرف، لكنا لم نتساءل كيف ولماذا. وحين بحثت في كتب التاريخ ومذكرات المثقفين المعاصرين له وشهادات الناس واستخلصت من كل ذاك ما كتبته في أصل وفصل قال البعض، وهم قلة، وأعرفهم واحدا واحدا وأعرف حدود قدراتهم الفكرية والنفسية وفقر وضحالة إنتاجهم وإنجازهم الذي يحاولون التعويض عنه بالمزاودات السياسية والعنترية. شوه هؤلاء ما قلت حتى يقال إني خائنة وهم أبطال صناديد فمن صدقهم؟ أنت صدقتهم؟ وطبعا لم التفت اليهم ولم أرد على أي واحد منهم، ولن أفعل، لأني بالرد أكافئ سخفهم وحماقتهم. وطبعا لن أنزل لمستواهم، لن أفعل.

* تعتمدين التبسيط في اللغة بشكل عام.. هل هي سمة وميزة ام ان العمل يفرض مستوى اللغة وتراكيبها… ويسجل لك القدرة على استعارة العامية الفلسطينية عندما يقتضي حال الحوار في الرواية …. كما كان ملفتا استخدامك بعض التعابير العبرية على لسان ميرا في “ربيع حار”..؟

** أنا أحب البساطة في كل شيء، وأحب أن أصل الى هدفي بدون لف أو دوران. والسؤال هنا ما هو هدفي من الكتابة؟ ما هو قصدي؟ أليس توصيل رسالة ما؟ ولمن أريد توصيلها؟ أنا أكتب بالعربية، وعن مجتمع عربي، وأعرف أن هذا المجتمع في غالبيته لا يقرأ، وإذا قرأ يحب البساطة والمباشرة وعدم اللف والدوران لأنه غير معني بالفذلكات والتفلسف. وأنا بطبيعتي غير مفذلكة ولا مفلسفة. إذن أنا ومن أكتب لهم نتشارك بهذه الخاصية، خاصية البساطة وعدم التفذلك. بالإضافة الى أن المواضيع التي أطرقها، والأجواء التي أرصدها معقدة ما فيه الكفاية وليست بحاجة لما يعقدها أكثر. لهذا أعتمد البساطة في اللغة لا في المواضيع. لكن أحيانا، وحين يسحبني الجو، أجدني أستعمل لغة شعرية ذات صور جمالية ولها إيقاع، وهذا ما لاحظه بعض النقاد وكتبوا عنه. لكن كإضافة لما سبق وقيل، فإن اختياري لهذه النوعية من اللغة سهلت عملية ترجمتها إلى لغات عديدة أخرى. وهذه ميزة يجب ألا نهملها. إذ أن الرسالة التي تحملها كتاباتي استطاعت، لبساطة أسلوبها ومباشرتها، أن تصل الى ثقافات أخرى وتنال الإعجاب أو التعاطف، وهذا برأيي يجب أن يحسب لي ولها، أقصد لغتي.

إلى الأعلى