الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / المنتدى الأدبي يجسد حضوره الفكري في دراسة التراث العماني المخطوط

المنتدى الأدبي يجسد حضوره الفكري في دراسة التراث العماني المخطوط

يرفد المكتبة العمانية والعربية بإصدارات ونوافذ بحثية

مسقط ـ العمانية :
منذ انطلاق المنتدى الأدبي في عام 1988م وحتى الآن وهو يرفد المكتبة العمانية والعربية بعدد من الإصدارات التي تفتح نوافذ بحثية عديدة لموضوعات لم تطرق من قبل. عديدة هي الندوات التي أقامها المنتدى عن الأعلام العمانيين وعن المدن والحواضر العمانية وكذلك عن المواضيع ذات الصلة بالوضع الثقافي بشكل عام مثل الصحافة والفن التشكيلي والمسرح والشعر الشعبي والقصة القصيرة والرواية و علماء الطب في عمان وغير ذلك من المواضيع فضلا عن مسابقته السنوية التي أخرجت للوسط الثقافي أقلامًا أدبية وبحثية مشهود لها داخل عمان وخارجها. وكانت المخطوطات العمانية من صميم اهتمام المنتدى الأدبي ليس لكونها تدخل في صميم عمله كتخصص بل لكون التراث العماني ما زال حتى اليوم في صيغته المخطوطة ولم تمتد يد التحقيق والنشر إلا إلى عدد ضئيل من ذلك التراث الغني والواسع وتعتبر المخطوطات مصدرا ثريا لكثير من المعلومات التي ليس من السهولة الوصول إليها. وتأتي علاقة المنتدى بالمخطوط على جانبين الأول عبر تكليف الباحثين في الندوات التي تقام عن الأعلام العمانيين سواء من قادة أو فقهاء أو شعراء ومن الطبيعي أن يكون جزء كبير من تراث أولئك العلماء لم يقرأ ولم يدرس فهنا المنتدى يوجه الباحثين للبحث والتنقيب في التراث المخطوط لهذا العالم أو ذاك الشاعر أو عن تلك المدرسة الفكرية وكذلك الأمر بالنسبة لندوات المدن العمانية حيث يتم تخصيص محور عن الحياة العلمية والأدبية في المدينة التي تقام عنها الندوة.

وقد كشفت تلك الدراسات على امتداد الفترة الزمنية عن الكثير من صفحات التراث العماني المخطوط، مشكلة بذلك مرجعًا بحثيًّا ورصيدًا علميًا آخذًا بالتراكم بمرور الزمن. أما الجانب الثاني لاهتمام المنتدى بالتراث العماني المخطوط فهو عبر تخصيص ندوات وفعاليات عن المخطوطات كما سنرى لاحقا. في عام 1995م حصل الشاعر والكاتب صالح الفهدي على المركز الأول في مسابقة المنتدى الأدبي في مجال البحوث والدراسات وكان عنوان بحثه (اهتمام العمانيين بالخط العربي). وقد نشر هذا البحث ضمن كتاب (نماذج من البحوث الأدبية الفائزة في مسابقة المنتدى الأدبي 1994-1996م) الطبعة الأولى 2001م. تطرق الفهدي في بحثه إلى الحديث عن الكتابة العربية ونشأتها وتطورها في العهد الإسلامي الأول ولاحقا الأموي والعباسي وما تلاها من قرون ثم عرَّج على أنواع الخطوط الرئيسية وأشهر خطاطيها. وفي الفصل الثاني من البحث والذي خصص للحديث عن اهتمامات العمانيين القدماء بالخط العربي ذلك من خلال ما بقي لدينا من تراث عماني مخطوط مبرزا اهتمام الائمة و السلاطين بالنساخ، كما يركز هذا الفصل على أدوات الكتابة في البيئة العمانية من مداد بمختلف ألوانه وطرائق صنعه والأقلام ونقش وتزيين المخطوطات، ثم ينتقل للحديث عن الوسائط التي يكتب عليها وكذلك أبرز وأشهر النساخ العمانيين.وفي أبريل من عام 1999م ألقى الدكتور سعيد بن محمد الهاشمي محاضرة بعنوان (قراءة في مخطوطة الصحيفة القحطانية لابن رزيق)، وقد نشرت هذه المحاضرة في كتاب حمل عنوان (نماذج من المحاضرات التي ألقيت بالمنتدى الأدبي 1996-1999م) الطبعة الأولى 2000م. إن قيمة الصحيفة القحطانية تأتي من كونها موسوعة شاملة خصصت للحديث عن أخبار بني قحطان وأنسابهم وما تفرع منهم عبر العصور حتى زمان المؤلف تعقب ابن رزيق ملوك اليمن الذين هاجروا منهم والصحابة والتابعين وتابعيهم من الرجال والنساء وشعرائهم المشهورين في الجاهلية والإسلام والذين ذاع صيتهم في العالم. وعن أهمية مخطوطة الصحيفة القحطانية بالنسبة للتاريخ العماني يؤكد الدكتور الهاشمي أن هذا المخطوط (يقدم معلومات قيمة عن إسهام العمانيين في الحضارة الإسلامية وعلاقتهم بالدول الأخرى كارتباط عمان بالدولة الإسلامية وهجرة العمانيين إلى مواطن الثقافة في الحجاز والبصرة ومشاركتهم في الفتوحات الإسلامية والحياة العامة في الدولة الإسلامية، فتكلم عن دور التابعي أبي الشعثاء جابر بن زيد وأسرة المهالبة ودورها السياسي، كما قدم ابن رزيق معلومات كثيرة عن الفراهيدي والمبرد وابن دريد وثابت قطنة والأشقري وغيرهم وهؤلاء أثروا الحياة الأدبية وغدوا منارة علم وخير سفراء لبلادهم). أما عن المراجع التي رجع إليها ابن رزيق في تأليف كتابه فنجده قد عاد إلى كتاب الأنساب للعوتبي والاشتقاق لابن دريد(توفي: 321هـ) لكن ما يميز ابن رزيق في الصحيفة القحطانية كما يؤكد الهاشمي أنَّ ابن رزيق قد وزَّع مادة كتابه على شكل أبواب، حيث خصص لكل باب موضوعًا بحاله وألحق في نهاية كل باب فصلاً عن اليمانية وهذا لا يوجد في الكتابين بهذه الصورة.
واعتمد الهاشمي على مخطوطة مصورة وحيدة للصحيفة القحطانية من مكتبة رودس هاوس التابعة لجامعة أكسفورد البريطانية وقد وصلت هذه النسخة إلى هذه المكتبة بالإهداء من سلطان زنجبار السلطان خليفة بن حارب بن ثويني بن سعيد البوسعيدي (1329هـ/1911م-1380هـ/ 1960م) وقد كتب على هذه النسخة توقيعه وتاريخ الإهداء وهو في نوفمبر 1929م. وفي تاريخ 24/ 2/ 2003م قدَّم الدكتور سعيد بن محمد الهاشمي محاضرة حملت عنوان (المخطوطات العمانية في الخارج) وقد صدرت هذه المحاضرة لاحقًا في كتاب مستقل نشره المنتدى في عام 2006م. في مقدمة الكتاب يلخص الدكتور سعيد الهاشمي هدف الدراسة وهو تناول بعض المخطوطات العمانية التي أخذت طريقها إلى المكتبات خارج السلطنة، فالباحث هنا يحاول تتبع أثر ذلك المخطوط من خلال تقديم وصف عام لها وأماكن وجوده في تلك المكتبات حتى تتوفر مادة وصفية تعين الباحثين والمحققين ليسهل عليهم الوصول إليه كما أنَّ وجود المخطوطات هناك جاء نتيجة أسباب مختلفة، ولكنها لقيت العناية والاهتمام على مستوى الحفظ والصيانة أو على مستوى الدراسة والتحليل. ويقدم الهاشمي في هذا الكتاب حصرا لـ/ 56/ مخطوطة في المكتبات الأوروبية، ويمكن تصنيف هذه المخطوطات إلى عدة مجالات من مثل مخطوطات الفقه العماني ومخطوطات التاريخ والأنساب ومخطوطات الأدب ومخطوطات في العلوم البحرية. كما وتوجد هذه المخطوطات في مكتبات عديدة هي مكتبة جامعة كيمبريدج في بريطانيا ومكتبة استراسبورج في فرنسا والمكتبة الوطنية بباريس ومكتبة معهد الدراسات الشرقية في ليننجراد ومكتبة جامعة درم ومكتبة معهد المتحف الوطني في كراكوف ببولندا، والمكتبة البريطانية ومكتبة رودس هاوس بأكسفورد ومكتبة برلين. وعلاقة الهاشمي بهذه المخطوطات بسبب اشتغاله في إكمال دراساته العليا في مجال التاريخ في بريطانيا على مستوى الماجستير 1988 إلى 1990 والدكتوراه من 1992 إلى 1995. وتحت عنوان /المخطوطات العمانية كيف وصلت إلينا/ جاءت الندوة التي عقدها المنتدى الأدبي في 12 يونيو 2006م، وقد صدرت أوراق هذه الندوة في كتاب خاص بها في سنة 2008م ويضم الكاتب ثلاث أوراق عمل هي (النسخ والتداول) للدكتور إبراهيم بن حسن البلوشي، والورقة الثانية بعنوان (أدوات كتابة المخطوط في البيئة العمانية) لكل من الدكتور محمد الرابحي والأستاذ نبهان الحراصي، والورقة الأخيرة في الكتاب للدكتور خلفان بن زهران الحجي وعنوانها (الطرق المستخدمة في كتابة المخطوط العربي وزخرفته وتجليده). وتنقسم ورقة الدكتور إبراهيم البلوشي إلى ثلاثة فصول يتناول في الفصل الأول نساخ المخطوطات ودورهم الحضاري وأصناف النساخ ونماذج من النساخ العمانيين وأسواق الوراقين العربية الشهيرة مع التدليل على أشهر أسواق الوراقة في عمان، كما يركز هذا الفصل على الدور العلمي والاقتصادي والسلوكي للنساخ. ونجد الباحث في الفصل الثاني يتناول أخطاء النساخ وخطورة التصحيف والتحريف في المخطوط وكذلك خطورة التزوير والانتحال مع نماج لكل حالة. وفي الفصل الثالث يدرس المخطوطات العمانية من حيث طرق تداولها في عمان وانتقالها إلى خارج عمان، ولا يغفل في حديثه عن التدليل على أماكن وجود المخطوطات العمانية في خزائن المخطوطات العربية منها أو العالمية، ويختم الفصل بالحديث عن الزيادات التي يحدثها النساخ في المخطوطة وعن القيمة العلمية والتاريخية لتلك الزيادات. الورقة التي حملت عنوان (أدوات كتابة المخطوط في البيئة العُمانية) وقدمها كل من الدكتور محمد الرابحي والأستاذ نبهان الحراصي واللذين سعيا من خلالها إلى الإجابة على تساؤلات الإشكالية التالية ، ما مميزات أدوات الكتابة في المخطوط العربي والعماني .. وكيف يتم صنعها؟ وللكشف عن مختلف جوانب أوعية الكتابة وأدواتها ومميزاتها اتبعا المنهجية التالية والمتمثلة في الرجوع إلى كتب التراث واستنطاقها وجمع شتات ما تفرق منها حول الموضوع، كما استخدما المقابلات الشخصية مع من عاصروا أو احترفوا مهنة النسخ في السلطنة كأداة لجمع بعض البيانات، هذا وقد قسما العمل إلى ثلاثة أقسام: الوعاء الورقي، والقلم وكيفية برايته وأنواعه، والحبر وكيفية صناعته. وذكر الباحثان أنَّ صناعة الورق دخلت الحضارة العربية الإسلامية في القرن الثامن ميلادي عن طريق الصينيين، ومن العرب انتقلت إلى البلدان الغربية، غير أن العرب كان لهم الفضل في إدخال العديد من المتغيرات على صناعة الورق فتفننوا فيه حتى تنوعت أسماؤه وكثرت أجناسه مما أدى إلى ازدهار الحركة الفكرية والأدبية. وأشارا إلى أن صناعة الأقلام عند العُمانيين بلغت درجة عالية من الإتقان، إذ أحسنوا اختيار أنابيب القصب الجيدة وتفننوا في برايتها من فتح وشق وقطع واستخدموا العديد من الأدوات في براية الأقلام وتنظيفها وحفظها، غير أن إتقان القلم وحده لا يكفي لذلك وجب الاعتناء أيضاً بالحبر ومكوناته لضمان جودة الخط.ونتبين من خلال ما ذكر سابقاً أن العُمانيين والعرب برعوا في تصنيع أحبار مختلفة وخاصة الأحبار الملونة على اختلاف ألوانها كما توصلوا إلى اكتشاف أحبار سرية لايمكن قراءتها إلا بمعالجات خاصة، واوجدوا لها الوعاء الذي يحفظها كالدواة والليقة والملواق والمسقاة، الأمر الذي أسهم في انتشار الحضارة المكتوبة على نطاق واسع.
الدكتور خلفان بن زهران بن حمد الحجي قدَّم ورقة حملت عنوان (الطرق المستخدمة في كتابة المخطوط العربي وزخرفته وتجليده) فقد بدأ الباحث بتعريف المخطوط والجانب المادي له ويعرف بعلم الكوديكولوجيا، وهو العلم الذي يدرس الشكل المادي للمخطوط مع توضيح مفصل لأهمية الكوديكولوجيا في الجزئية من البحث وهي (كتابة المخطوط ) يتطرق إلى طريقة وترتيب المعلومات المتبع ابتداءً من صفحة العنوان وبداية المخطوط، وعناوين الأبواب والفصول والهوامش أو الحواشي، كما يستتبع ذلك الحديث عن التسطير وترقيم الأوراق والتعقيبات وعلامات الترقيم المستخدمة في الكتابة، وكذلك طرق الاختصار والاختزال والتصويبات والإضافات مختتماً هذه الجزئية بالحديث عن المخطوطات. وفي الجزئية الثانية والمتضمنة الخصائص الفنية للمخطوط يدرس الباحث الصور والرسومات والهدف منها مع تقديم أبرز النماذج على ذلك كذلك الزينة والزخارف والتذهيب والذي تبلور في بادئ الأمر في العناية بزخرف وتذهيب المصحف الشريف. أخيراً في الجزئية الثالثة يتطرق إلى المراحل التي مر بها التجليد وأدواته ومواده. يحرص الباحث على الجانب التطبيقي في بحثه حيث يطبق ما درسه سابقاً في الكتابة والزخرفة والتذهيب والتجليد على عدد من المخطوطات العُمانية.

إلى الأعلى