السبت 27 مايو 2017 م - ٣٠ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / النخب العربية حينما تتبرع أو تنازل عن مكتباتها الخاصة إلى المكتبات الوطنية

النخب العربية حينما تتبرع أو تنازل عن مكتباتها الخاصة إلى المكتبات الوطنية

الجزائر- العمانية:
من التقاليد الثقافية التي يبدو أن النخب العربية لا تُعيرها اهتماما كبيرا التبرُّع أو التنازل عن المكتبات الخاصة ووضعها تحت تصرُّف المكتبات الوطنية تعميمًا للفائدة وتحصيلا للأجر والمثوبة خاصة إذا كان المتبرّع قد غادر دار الفناء إلى دار الخلود والبقاء.
وتحت طائلة الاستثناء الذي شذَّ عن القاعدة تأتي تلك الخطوات التي قام بها بعض المثقفين والوزراء الجزائريين السابقين عندما راحوا يتبرّعون للمكتبة الوطنية الكائن مقرُّها بوسط الجزائر العاصمة بالمئات من عناوين الكتب التي جمعوها طيلة مسيرة حيواتهم وقد خصصت المكتبة الوطنية أجنحة حملت أسماء أولئك المتبرعين، على غرار وزير الخارجية الأسبق أحمد طالب الإبراهيمي نجل العلامة محمد البشير الإبراهيمي الرئيس الثاني لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وجناحا آخر حمل اسم محمد بن أبي شنب (1869م – 1929م) وهو أحد أعلام الجزائر تبرّع أحفاده وورثته بمكتبته الخاصة للمكتبة الوطنية.
كما تضمُّ المكتبة الوطنية الجزائرية هبات عدد من المثقفين الجزائريين تجري عمليات جرد عناوينها وكمياتها قبل أن توضع في متناول الطلبة والباحثين بحسب ما كشف عنه أحد مسؤولي المكتبة الوطنية لوكالة الأنباء العمانية.
واعتبر وزير التربية الجزائري الأسبق مصطفى بن عمر في اتصال أجرته معه “العُمانية” الهدف من الخطوة التي أقدم عليها بالتنازل عن ما يناهز 90 مخطوطا نادرا جمعها خلال سنوات عمله سفيرا ووزيرا، هو “حماية تراثنا وتشجيع الناس على التبرُّع للمكتبة “.
وتأتي خطوة إقدام وزير التربية الأسبق، بحسبه، في إطار الاهتمام بالمحافظة على المخطوط من الضياع، وهنا يؤكد مصطفى بن عمر”..لنتفادى تعرُّض المخطوط للتلف ولحمايته من الاندثار مثلما حدث للكثير من كتب التراث رأيتُ أن أتنازل عن هذه المخطوطات للمكتبة الوطنية التي تمتلك الوسائل الكافية لحمايتها من الحشرات والرطوبة خاصة وأنّ هذه المخطوطات يعود تاريخ تأليفها إلى قرون خلت والهدف الثاني من هذا التنازل هو وضع هذه الكتب النادرة تحت تصرُّف الباحثين والمهتمّين بالبحث في التراث طبعا بعد القيام بتحقيقها لتجنُّب سرقة محتوياتها وترميمها وهي المهام التي ستتمُّ تحت إشراف مختصّين من مؤسسة المخطوطات بالمكتبة الوطنية”.
وتعود فترة تأليف تلك المخطوطات إلى أيام ازدهار بعض الحواضر الجزائرية كقلعة بني حمّاد وتيهرت أواسط الفترة الرستمية ثم قسنطينة وتلمسان وبجاية، وتضمُّ هذه المجموعة من التآليف بالأساس الجزء الأول من “معالم الإيمان في أسماء رجال القيروان” لمؤلفه الحسن ابن رشيق، الشاعر المعروف، الذي امتزج اسمه بمدينة القيروان التي نزل بها وأحبّها واندمج بين علمائها، إلى درجة أنّه كان أفضل من تحدّث عنها وعن أهلها، وهذا المخطوط يتضمن الكثير عن مسيرة عقبة بن نافع وعن الغزوة التي قام بها عبر إفريقيا وما سُمّي بعد ذلك بالمغرب العربي، وهنا يُسجّل الوزير الأسبق مصطفى بن عمر أنّه لم يجد هذا العنوان ضمن قائمة تآليف ابن رشيق. ومن المخطوطات النادرة الأخرى التي تمّ التبرُّع بها “عجائب الأخبار ولطائف الأسفار”، ومخطوط آخر في التصوف وعلم التوحيد وهما من تأليف أحد علماء منطقة معسكر في الغرب الجزائري، وهو أبو رأس المعسكري الناصري. وما دمنا نتكلم عن ما أُلّف في منطقة معسكر، تضمُّ المجموعة أيضا مجلدا يحتوي عددا من المخطوطات، منها واحدة لـ “إظهار صدق المودة” يقول فيها عبد الله بن عاشر بن أحمد بن محمد الأندلسي الشاطبي بأنّه نسخها لشيخه أبي محمد عبدالقادر بن يسعد صاحب قلعة بني راشد ودفين الدبة.
كما سُلّمت للمكتبة الوطنية ضمن المجموعة نفسها مخطوطات تعود لأهل التصوُّف من تلمسان، أو لمن نزل بها منهم واشتهر بها عبر تصانيفه في أصول الدين والحديث كصاحب العقيدة الكبرى والعقيدة الصغرى، الإمام العلامة سيد العارفين محمد بن يوسف السنوسي الحسني الذي يُعترف له عبر العالم الإسلامي كلّه بأنه موسوعة فقهية في حدّ ذاته نظرا للعدد الكبير لتآليفه وتنوُّعها في الشريعة واللغة والبلاغة والتفسير.
ولم تكن المكتبة الوطنية الجزائرية قبل سنة 2006 تحتوي على جناح باسم وزير الخارجية الأسبق أحمد طالب الإبراهيمي نجل الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، الرئيس الثاني لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين (أسّسها الشيخ عبد الحميد بن باديس سنة 1931) اما اليوم فالجناح يؤمُّه الطلبة والباحثون من الجامعات ومراكز البحوث الجزائرية ويضمُّ هذا الفضاء 10 آلاف كتاب وهي المجموعة التي كانت تشكّلُ نواة المكتبة الخاصة للوزير أحمد طالب الإبراهيمي الذي شغل أكثر من حقيبة وزارية خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي أهمُّها الثقافة والخارجية.
وعلّق الوزير الإبراهيمي على هامش تنازله عن مكتبته الخاصة للصالح العام بأنّه لا يبتغي من هذه الخطوة سوى “رضا اللّه”، وتمنّى بالمناسبة أن تكون محتوياتها في متناول الطلبة والباحثين على مدار اليوم كما اعرب عن امله في أن يحذو أصحاب المكتبات الخاصة حذوه في وضع مكتباتهم في خدمة طلبة العلم.
واعتبر وزير الخارجية الأسبق أنّ انتقال مكتبته الخاصة إلى المكتبة الوطنية “لحظة احتفال”، مقدّما عرضا تاريخيا عن علاقة العرب بالكتاب الذي وصفه المتنبي بــ “خير جليس في الزمان”، بالقول “كان الحُكّام العرب يهتمّون بالكتاب وكانت العوام يُهدون مكتباتهم للمساجد والخطّاطون يتبارون في نسخ الكتب الأمر الذي جعل الأمة الإسلامية تصل أعلى مراتبها ولا عجب والأمر كذلك أن يستهدف هذا الكنز من طرف الأعداء الصليبيين والتتار مثلما تحدث عن ذلك ابن خلدون وغيره من المؤرخين ، وشبّه الإبراهيمي لمكتبة الوطنية بــ “بيت الحكمة في بغداد أيام ازدهار الحضارة الإسلامية”.
وتضمُّ المكتبة الوطنية الجزائرية اليوم جناحًا يحمل اسم محمد بن أبي شنب يتكوّن من المئات من عناوين الكتب التي شكّلت المكتبة الخاصة لهذا العلامة الجزائري، والتي تبرّع بها ورثته من أولاده وأحفاده ووضعوها وقفاً على طلبة العلم والباحثين.
ومحمد بن أبي شنب (1869-1929) هو اسم واحد من كبار علماء الجزائر ومفكّريها تميّز باطلاعه الواسع على العديد من اللغات والثقافات وهو ما يتجلّى من خلال إنتاجه الغزير الذي فاق خمسين كتاباً في فنون متعدّدة تراوحت بين التأليف والتحقيق والتنقيح والتصحيح، فكان سبّاقاً إلى إخراج كثير من نفائس المخطوطات من النسيان وهو وإن كان دأب على منهج المستشرقين في تحقيقاته إلا أنّه سار على درب أسلافه من العلماء المحققين المدقّقين بتنقلُه بين مختلف العلوم واللُّغات إلى جانب تحكّمه الدقيق في الأدوات المنهجية، وسّع مداركه وآفاقه المعرفية، وخلّصه من عقد الاستعلاء والاستصغار والاستلاب، فجلس إلى كبار المستشرقين محاورًا ومناظرًا، ويومها كان الاستشراق ظاهرة علمية جديدة في أوجها، وساهم بقدر في خدمة التراث الجزائري، فقد استعمل علمه ومنهجه ورؤيته لتسليط الضوء على هذا التراث ووضعه موضع الفخر والاعتزاز.
ويُعدُّ محمد بن أبي شنب، أول جزائريّ يحصل على شهادة الدكتوراه ونظرا لإسهاماته المتنوّعة في النهوض بالثقافة والفكر الجزائريين دأبت محافظة المدية مسقط رأسه (100 كلم جنوب الجزائر العاصمة) على تنظيم ملتقى دولي باسمه.
وإضافة إلى تلك الأسماء الثلاثة التي بادرت إلى وضع أولى الخطوات في سبيل التأسيس لفعل التبرُّع بالكتاب بما يمثّله هذا الفعل من نبل تتلقى المكتبة الوطنية الجزائرية هبات العشرات من المثقفين الذين أوقفوا مكتباتهم الخاصة واعتبروها “في سبيل الله”، خدمة للعلم والوطن ينهل منها المتعطشون إلى الاستزادة من شتى المعارف والفنون والعلوم والآداب فهل يكون هؤلاء أولى قطرات الغيث النافع؟ .

إلى الأعلى