الخميس 20 يوليو 2017 م - ٢٥ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / رحلة إلى مدينة جنيف: قراءة الكفاءة الاجتماعية الاقتصادية “للبيئات” الحضرية “3″
رحلة إلى مدينة جنيف: قراءة الكفاءة الاجتماعية الاقتصادية “للبيئات” الحضرية “3″

رحلة إلى مدينة جنيف: قراءة الكفاءة الاجتماعية الاقتصادية “للبيئات” الحضرية “3″

من اللافت والمعلوم تاريخيا، أن مدينة جنيف قد نشأت وتطورت من الناحية المورفولوجية التكوينية لفضاءاتها الحضرية ومبانيها حول بحيرة (Lac Leman) والتي تمتد شرقا عبر أخدود مائي (Le Rhone) يتفرع في وسطها تقريبا بما يشبه الدلتا ليمد نفسه رأسه الآخر باتجاه الجنوب الشرقي. وهذا الامتداد المائي الذي يقطع المدينة شرقا وغربا مع تفرع عند غرب المدينة بما يشكل المثلث، وبما يقسمها لما يشبه الثلاثة مثلثات، وإن كانت غير متساوية المساحة أو منتظمة الأشكال تماما، ينعكس على تكوين المدينة الحضري بشكل كبير، كما أن له حضور مهم في كفاءة المدينة الاجتماعية الاقتصادية، عبر، وحول النهير المائي الممتد شرقا وغربا بما يقسمها حسيا وفيزيائيا، فضلا عن تقسيم وظائفي ثقافي اجتماعي، وأيضا تاريخي. وإذا أخذنا بالاعتبار عامل الطبوغرافيا في قسمها الجنوبي فإن هذا يلقي بظلالا مهمة أخرى على قراءة المدينة من ناحية عمرانية وحضرية ومورفولوجية – كما سنفعل في هذه المساحة.

قراءة مقطعية للمدينة – عمرانيا ووظيفيا
من الطبيعي أن تتنوع أحياء المدينة، أية مدينة، تنوعا “مناطقيا” (نسبة إلى مناطق) يتخذ سمات متعددة: حرفية، واجتماعية طبقية، واقتصادية تجارية متدرجة ومتفاوتة بين الصنائع والحرف وعلاقتها بالأحياء السكنية وذات طابع بيئي كالصناعات الخفيفة، وربما يندرج ضمنها الملاحة الجوية وتوزيع المطارات توزيعا استراتيجيا يتناسب مع معايير السلامة والصحة العامة ومبادئ التخطيط الحضري والإقليمي لهذا النوع من المنشآت “الطارئة” نسبيا على تاريخ التخطيط العمراني الإنساني. ومع وقوع المدينة على نهر أو ميناء فإن ذلك يستدعي وبالضرورة علاقات من نوع متميز على امتداد الحافة المائية، أو تخطيط علاقة بين الماء واليابسة تتحدد في نقطة أو نقاط (كالميناء وعلاقة اللسان الممتد داخل الماء لخدمة إرساء السفن والقوارب بحساب نسبة “الغاطس” للكتلة والوزن في حال القوارب التجارية) أو كخطوط تماس وحواف تتمظهر على أشكال متعددة منها الكورنيش الذي يتخذ طابعا تجاريا أو ترفيهيا أو خدماتي. ولذلك فإن للمدن التي تقع على حواف مائية، أو يخترقها الماء (سواء على شكل أنهار جارية أو بحيرات ساكنة، أو ما بينهما من حركة ماء وما يستتبعها من جوارِ على ظهر الماء) لهذه المدن ميزات خاصة أعظم بكثير من المدن التي تخلو من ذلك، فضلا عن تنوع الكفاءة الوظيفية والخدماتية الاجتماعية والاقتصادية – وما لذلك من أثر على طبائع سكانها (تتنوع خبرات القاطنين نظرا لما يعنيه حركة الملاحة النهرية والبحرية من احتكاك تجاري مع الخارج ومع الوافدين من مختلف الخلفيات والإثنيات وما يستتبعه ذلك من تفتح آفاقهم وتوسع آفاقهم وخبرتهم الحياتية في التعامل والتفتح على طبائع وعادات وممارسات الشعوب الأخرى)، أو أثر على تنوع الحرف المرتبطة بالملاحة والصيد والبحر وحتى السياحة الثقافية وتوسع آفاقها وحدودها من مستويات ترفيهية أو تاريخية أو اقتصادية، أو صناعية وسواها.
ومقابل هذا التكوين العام الذي تتسم به العديد من المدن بإطارها التكويني الكلي، تتنوع المناطق بحسب ترتيبها وتجاورها، وبخاصة مع تنوع طبوغرافيا المدن واختلاف تضاريسها ومكوناتها الطبيعية ما بين أشجار وسهول ووديان وقيعان ومرتفعات، إضافة إلى التكوينات العناصرية التي تتكون منها سطوح المدينة وما تخفيه في أعماقها ويؤثر بالتالي على صناعاتها وتجارتها وبالأخص زراعتها.

قراءة للفضاءات الحضرية….. أم للبيئات الحضرية؟
تجتهد “بعض” الدراسات الحضرية، رغم ما تحمله عمومية هذه الملاحظة بما يغالط البحث العلمي الرصين وقواعد التوثيق، برأينا في هذه المساحة على الأقل، حين تحليل البنية التكوينية للمدن، في التعامل مع “المشاهد” والمرصود من الملموس من “الطبيعة المعلومة” للحيز الفراغي، والذي يتحدد بقوانين فيزيائية لا تجاوز قواعد التجاور الحسي وتتحدد بأطر أهمها “الإنسيابية” و”الاختراقية” من فضاء لآخر. وفي أحسن الأحوال، تلتفت بعض الدراسات لعلاقة تكاملية بين الحيز الفراغي الحضري وبين “حوافّ” الأسطح الرأسية الفيزيائية في محاولة لدراسة العلاقات (التجارية، الاقتصادية، السكنية) بين الحيز الفراغي الحضري وبين المحيط “المجاور بالدرجة الأولى”. وهذا التحليل يستمد منطقه من قدرتنا على قراءة الفضاء الحضري ضمن محدودية إدراكاتنا، وبفصل متعمد بين المستويات المختلفة التي يمثلها ويقف أمامها هذه الحيز الفراغي، نظرا لسهولة التعامل مع المستويات “مفككة”. ولهذا السبب نطلق على مثل هذه الدراسات: (قراءات للفضاءات الحضرية) لأنها تمثل قدراتنا على تحليل ودراسة الفضاء الحضري ذاته كمحور بالنسبة لما حوله، قراءة أهم ما يميزها أنها قراءة “أفقية” محدودة بمحددات ومفككة إلى عدة مستويات.
بيد أن هناك ثمة مستوى آخر أكثر تطورا لقراءة المدن، أو المدينة، يتجاوز العلاقات الأفقية، إلى مستويات “رأسية” تتقاطع تارة مع المستوى “الأفقي الحسي”، كما تتشابك مع مستويات أكثر تعقيدا معظمها يزوغ عن الإدراك الحسي المرصود والملموس أو المدرك بالحواس الخمسة، وتتنوع بين اجتماعية واقتصادية وسياسية وبيئية وتجارية وسلوكية ونفسية، وهذه جميعا يمكن التعامل معها على أنها “تحصيل حاصل” لوجود الحيز الفضائي الحضري، وتندرج معه “تلقائيا” وليست إفرازا عابرا أو طارئا في مدينة وغائبة في أخرى. ولذلك فمن المهم ويستمد أهميته بدرجة عاجلة، أن أية قراءة للمدينة وفضاءاتها الحضرية لا ينبغي أن تفصل بين الحيز الفراغي وبين ما حوله من بنيات تكوينية “موجبة”؛ فإذا كان يمكن اعتبار الحيز الفراغي الحضري على أنه “كتلة سالبة”، فإن ما يحيط به من مكونات “ذات كثافة أكبر” وتحدد من خطوط البصر والتنقل، هي عبارة عن “كتل موجبة” وكلاهما ينبغي النظر له على أنه عناصر تكوينية للبنية المورفولجية للمدن، يمثل تراكبها علاقة كعلاقة مفصلية جوهرية، ذات ثنائية طبيعية، كثنائيات الليل والنهار، أو بتعبير أقرب وأدق، كثنائية الذكر والأنثى الطبيعية التكاملية.

قراءة المدينة من خلال مقاطع طولية وعرضية
وانطلاقا مما تقدم، فإن دراسة المدينة من خلال خلق مقاطع رأسية طولية وعرضية بها، تجسد قراءة متوازنة “للبيئات” المختلفة والمتنوعة، الحسية وغير المدركة، التي تتشكل منها، وتمثل مستوى أكثر تطورا وشمولية وتعقيدا يتجاوز القدرة الأولية على القراءة الأخرى: قراءة “الحيز الفضائي” ذاته بالمنظور “الأفقي”، وما قد يستتبعه، كما تقدم ذكره آنفا.
وبهذه المقدمة النظرية، وبالتجربة والمشاهدة من خلال وصفنا لمدينة جنيف، يمكن القول أن هذه القراءة “المقطعية” للبيئات التي تكون البنية الفيزيائية للمدينة هي من الإثارة بدرجة أنها متميزة بكل المقاييس. ولا بد هنا من تحديد مقاطع القراءة للمدينة، مع تحديد أبرز النقاط المفصلية بها.
فمن الملاحظ أن مطار المدينة يقع في الشمال الشرقي، ومعلوم في الثقافة السويسرية، وفي مدنها، وجنيف إحداها، وجود مجاميع من “كانتونات” تتحدد بموجبها علاقات اجتماعية، بل وتتشكل “محددات” اجتماعية، تستتبعها تلقائيات علاقات اقتصادية، مؤطرة بإطار سياسي ناظم هو المحدد للتوزيعات الاجتماعية، والتي لا تقوم بحال على مؤثرات أو إغراءات اقتصادية أو مالية، بقدر ما هي محفزة أو مدفوعة بإطار اقتصادي عام “وناظم” يقرره تشريع المجالس المحلية في “استقدام” العمالة الوافدة “حسب الحاجة” وبما يتوافق مع مجتمعات القرن العشرين وما بعده والتي تميزها التعددية الإثنية، ولكن بإطار أضيق من مثيلاتها في أوروبا خصوصا والغرب عموما. وهذه الانتقائية التي تعتمد الحاجة “الوظيفية” لا تسمح مطلقا بانسيابية “فيروسية” هلامية، كما هو الحال في بقية أوروبا وأميركا وكندا، وبما يشكل كما في حالات الدول الأخيرة، أهم عناصر قوتها وضعفها في ذات الوقت. فكما تعمل برلمانات الدول الأخيرة على وضع قوانين “متراخية” أحيانا، من أجل إما استقدام عمالة خارجية تقوم على خدمات تأنف العمالة المحلية في ممارستها، أو لأجل رفع نسبة الدماء الشابة في مجتمعات هرمة، أو بتنمية اقتصاداتها باستقدام “الرساميل” الخارجية والقطط السمان، فإن المجالس البلدية السويسرية صارمة في كل هذه النقاط والأسباب معا وبخاصة في النقطة الأخيرة، حيث يستحيل “شراء” التذكرة إلى المجتمع السويسري أو بيئاته مهما كانت “القطة” الدخيلة متخمة أو سمينة حتى وإن غارت عيناها في وجهها من فرط السمنة “المالية”- وهنا تحديدا تكمن قوة تركيبة المجتمع السويسري في مواجهة “مد الثقافات الخارجية” والذي بات يهدد مجتمعات أوروبا وتجانسها وتركيبتها الاجتماعية المتناغمة وبخاصة في مجال الآفات الاجتماعية ومشاكل البيئات البشرية التي تتعدد فيها الإثنيات وتمتد فيها الأصول لثقافات متباينة تنعكس وبالضرورة على مستويات لا حصر لها من تقدم علمي وضغوط على البنية التحتية الحسية والمعنوية من بيئة ومجاورات سكنية أو موارد ومصادر طبيعية ووظائف وفرص عمل للمجتمع المحلي، ناهيك عن تداخل العادات والتقاليد والقيم والأخلاق والأعراف بين المجتمع المحلي والثقافات “الدخيلة”. ولذلك فإن الأغراب والقادمين من ثقافات أخرى، ممن سمحت لهم قوانين المجالس البلدية بالقدوم “لخدمة” البيئات السويسرية، وضمن قوانين “وظيفية” و”توظيفية” عددية تعتمد حاجة “الكانتون” أو الإقليم الواحد، ودون إمكانية الدمج أو المزج بين الكانتونات أو الأقاليم المختلفة مطلقا، هؤلاء الوافدين يتم “إحلالهم” بعناية وبصرامة في ما يشبه “الجيتوات” الاجتماعية والتي لا ينجو منها وافد مهما بلغت رتبته العلمية أو القدرة المالية – وهنا مكمن النظام الاجتماعي الصارم في المجتمع والثقافة السويسرية.
وانطلاقا من هذه النظرة الصارمة، يتم بدقة مماثلة توزيع العناصر المكونة للبيئة المبنية في المدينة السويسرية، وفي جنيف مثالا، وبهذا تتحدد “الجيتوات” تحديدا ثقافيا، واجتماعيا، واقتصاديا، مع فارق بين البيئات السويسرية وما حولها من مدن أوروبية، هي العدالة النسبية في توزيع البنية التحتية بحيث تكاد تتلاشي الفروقات الفيزيائية بدرجة أو بأخرى، بين الأحياء الفقيرة للوافدين وبين بقية الكانتونات (مع استثناء لنسبة مئوية بسيطة كما هو حال الطبقات البورجوازية المترفة في كل المجتمعات الإنسانية البشرية عبر التاريخ).
وبهذا المنظور يمكن قراءة المستوى الأفقي أولا لتوزيع المرافق المهمة في المدينة، فمثلا ترتبط محطات السكة الحديدية بمفاصل ذات متعلقات اجتماعية واقتصادية معا – بما يضفي عليها “كفاءة” ترفع بالضرورة مما يمكننا تعريفه هنا ب “كفاءة البيئة الحضرية” الكلي. كما يرتبط وقوع المطار، تحديدا بمحددات بيئية واعتبارات جيو-سياسية ثقافية لا تخلو من دلالة ذات صبغة وإيحاءات اجتماعية. أما العلاقة من “المحيط” أو المجاور المائي، فتحددها أولا أطر ومستلزمات نشأة تاريخية، ثم علاقات اقتصادية، فترفيهية، وبيئية.
ولقراءة أخرى أكثر شمولية، يحضر هنا المقطع الرأسي في قراءة المدينة، حيث تحدد مثل هذه المقاطع العرضية الرأسية داخل المدينة، مدينة جنيف، معالم المدينة المهمة، وتتناسب تناسبا طرديا من ناحية المسافات. وأول هذه المقاطع الرأسية يبدو جليا بمحاذاة البحيرة في الجانب الشرقي، حيث تصفو السماء رغم تكدر صفحة الماء أمام الرياح الهوجاء في بعض أيام الشتاء، لكن المشهد المقابل للجبال في الضفة المقابلة من الجهة الجنوبية يعمل على معادلة المشهد الحضري، أو شبه الحضري، ويعيد التوازن للمشهد برمته. وهذه الثنائية بين الضفتين المتقابلتين ترتبط من خلال وسيلة مواصلات مهمة هي المراكب الصغيرة التي هي جزء من المواصلات العامة للمدينة تصل طرفيها الجنوبي والشمالي عبر البحيرة من الجهة الشرقية. ولقراءتنا هذه وللحديث بقية.

إلى الأعلى