الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / العين .. الثالثة : إطلاق الرصاص على الحيوانات قبل ذبحها

العين .. الثالثة : إطلاق الرصاص على الحيوانات قبل ذبحها

د. عبدالله عبدالرزاق باحجاج

هل اطلاق النار على الذبائح قبل ذبحها شرعية؟ وهل هى مستحبة؟ وهل لها ما يبررها؟ ولو تركناها تنتشر في المجتمع، هل ستكون ظاهرة حضارية؟ والى أي مدى تتناغم أو تتعارض مع بعض المبادئ الخالدة مثل الرحمة والرأفة التي يعلو من شأنها ديننا الاسلامي مع الحيوان ؟ ولو تركناها تنتشر، فما هي تداعيات استخدام السلاح ضد الحيوان لو تحولت الى عادة اجتماعية ؟ نطرح هذه التساؤلات بعد ما برزت في عيد الاضحى المبارك الاخير ممارسات اطلاق الرصاص على الذبائح قبل ذبحها، وانتشرت عبر التواصل الاجتماعي في مشاهد لا يمكن قبول ترسيخها في الذهنية الاجتماعية التي اعتادت دينيا واجتماعيا على التعامل مع الحيوان بكل رحمة وعطف، لا يمكن قبول ترسيخها في مجتمع يملك السلاح داخل بيته، ولا يمكن قبول تحول تعاملنا مع الحيوان الى هذا النوع من المعاملة القاسية جدا، فهل نسارع الى وقف هذه الممارسات حتى لا تتحول الى ظاهرة ؟
كل من شاهد الفيديوهات المنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي سوف ينظم الى حملتنا ضد استخدام الرصاص قبل ذبح الحيوان، صور غير حضارية، وتؤسس في مجتمعنا ثقافة العنف بصورة غريبة، ففي احدى المشاهد، مجموعة من المواطنين، يحمل احدهم سلاح يتربص بحيوان من خلف الباب حتى يظهر أمامه الحيوان لكي يطلق النار على رأسه، ومشهد أخر (بقرة) مربوطة في سيارة، يطلق النار على رأسها، وأخر حيوان يطلق النار على احدى رجليه .. الخ ومن ثم يقوم طالقي النار ومع معهم بذبح الحيوان، هل لا يزال الحيوان حيا أم ميتا بعد اطلاق الرصاص عليه؟ هذه قضية كبيرة في حد ذاتها لن نقف عندها، وإنما سنتناول القضية من منظور انها ممارسة خاطئة تنم عن عنف جديد له افق مستقبلي خطير حتى لو كانت الممارسة على الحيوان، فلو استسهلنا اجتماعيا عملية اطلاق النار على الحيوان قبل ذبحه، فذلك سوف ينسحب على الذهنية الاجتماعية في العموم، ويصبح اطلا النار من المسائل البديهية والمسلمات في الممارسة الاجتماعية، وسوف تنتقل عبر الاجيال، وللأسف وراء هذه الممارسة مفاهيم خاطئة جدا، فالبعض يرى أن استخدام الرصاص قبل ذبح الحيوانات هى بمثابة رصاصة الرحمة، وليس رصاصة عذاب قبيل الذبح، وأخرون يبررونها بحجة عدم السيطرة على الحيوان، فأي رصاصة رحمة إذا كانت الرصاصة تطلق على دماغ الحيوان أو قلبه أو تسبب له الما في رجله أو بقية جسده قبل ذبحه ؟ وكيف تكون حجة عدم السيطرة عليه مقبولة، والمتواجدون أكثر من سبعة اشخاص، والحيوان صغير الحجم وفي قمة هدوئه، واي حجة مقبولة، والبقرة مربوطة من رجيلها ومن رأسها وهادية جدا، ورغم ذلك يطلق عليها الرصاص في رأسها.. حجج واهية تماما، ومستنكرة تماما، ولن تكون مقبولة نفسيا على الاقل مع المناسبة الجليلة التي من أجلها تذبح الذبائح تقربا لله وامتثالا لأوامره جل جلاله ، فكيف تقبل هذه النفسية الدينية أن تقدم لله عز وجل اضحية متلفة الدماغ، فاطلاق الرصاص على الذبيحة في الرأس يؤدي الى اتلاف دماغها، فكيف نقدم ذبيحة لله عز وجل بهذه الطريقة ونحن نعلم أن الثواب العظيم للأضحية؟ فكما أخبرنا بها رسول الله عليه الصلاة
والسلام بكل قطرة دم من دم الأضحية فيها حسنة تكتب لصاحب الأضحية وبكل شعرة من شعر الأضحية سواء صوف الخروف أو وبر الجمل، و شعر البقر بها حسنة فكم من حسنة في كل شعر من شعر الأضحية، إذن، كيف تقبل النفسية المسلمة أن تتقرب وتتمثل لأمر الله بذبيحة مصابة برصاص أو استخدم في ذبحها عنف لم يرد فيه نص شرعي بل منهي عنه .. ؟ ربما يكون عندنا خللا في المفهوم والمعتقد أو تقليدا لعادة مستوردة من الخارج، ولما بحثنا عنها، وجدناها فعلا ظاهرة تعاني منها مجتمعات مجاورة لنا، من هنا ينبغي أن نقف ضد نسخها واستنساخها وتطبيقها في بلادنا، ولم نكن نخطط أن نتناول المنظور الشرعي لعملية اطلاق الرصاص على الذبائح قبل ذبحها ،، كأضحية بالذات ،، لكن بالصدفة عثرنا على موقف مجمع الفقه الاسلامي من هذه المسألة، ووجدناه قد اصدر فتوى منذ عام 2001 بشأن الذبائح بالمسالخ الحديثة عبر الصعق الكهربائي، جاء فيه أن «الاصل في التذكية الشرعية ان تكون من غير تدويخ للحيوان الا عند العجز عن السيطرة عليه بتدويخه فتجوز تذكيته بعد التدويخ بشرط الا يؤدي التدويخ الى موته لو تُرك». من هنا يرى علماء انه لا يجوز اطلاق رصاصة الرحمة على الذبائح، لان هذه الرصاصة التي تطلق تؤدي الى تلف الدماغ، فهل ينطبق الاستثناء على الحالات التي اطلعنا عليها ؟ الرصاصة سواء اطلقت على الدماغ أو القلب أو بقية الاعضاء الاخرى في الحيوان فهى رصاصة قاتلة، وحتى لو استثنيا القلب والدماغ، فإنها تضيف للحيوان الما فوق الم ، فهل هذا من مبادئ شريعتنا الاسلامية ؟ وصرختنا الكبرى هنا يمكن أن يختزلها التساؤل الآتي ، كيف يطلق الرصاص على الحيوان الداجن من أبل أو بقر أو غنم مادامت هذه الحيوانات مقدور عليها وتحت السيطرة كما ظهرت لنا من خلال المشاهد المتناقلة ؟ وأين نحن من حديث رسولنا صلى الله عليه وسلم الذي رواه شداد بن أوس ، قال فيه أن الله عز وجل كتب الاحسان على كل شيء ، فإذا قتلتم فاحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح وليحد أحدكم شفرته وليريح ذبيحته (حديث صحيح) وعن ابن عباس ـ رضى الله عنه ـ ان رجلا أضجع شاة وهو يحد شفرته فقال النبي صلى الله عليه وسلم ،، أتريد أن تميتها موتات؟ هلا أحددت شفرتك قبل أن تضجعها ؟ رواه الحاكم وقال صحيح على شرط البخاري ووافقه الذهبي. فهاذان الحديثان تشريع اسلامي عظيم في الرفق بالحيوان، فلنحاكم ممارسة اطلاق الرصاص على الحيوانات من منظورهما، فماذا سنجد؟ وحتى لو استفتينا قلوبنا، فسوف نجد الممارسة مستنكرة ومرفوضة ، فلا للرصاص ضد الحيوان شرعا وقانونا، و،،للرصاص ضد الحيوان اجتماعيا ،، .

إلى الأعلى